قطعت الإمارات شوطاً كبيراً على مسار توطيد مكانتها كمركز إقليمي رئيسي لتداول العملة الصينية بتوقيع مصرف الإمارات المركزي، وبنك الشعب الصيني (البنك المركزي الصيني) على اتفاقية مقايضة عملات بأكثر من 5.5 مليارات دولار في إطار تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويقضي الاتفاق بإمكانية سحب البنوك المركزية قيمة الصفقات التجارية بالمقايضة بين الرمبي والدرهم.

ورغم أن هذا الاتفاق ليس الأول من نوعه الذي توقعه الصين مع الدول الأخرى، إلا انه يمهد الطريق نحو إرساء البنية التحتية المواتية لتحول الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص، خصوصاً كمركز إقليمي للعملة الصينية، وذلك أسوة بمراكز مال عالمية أخرى تسعى إلى تحقيق الهدف ذاته، حيث تتطلع هذه المراكز إلى استباق التحولات التاريخية التي تتجه نحو بروز العملة الصينية كثالث أكبر عملة في العالم.

وكشف مسؤولون في مركز دبي المالي العالمي بصراحة عن تبني هدف يتعلق بإرساء نظام للمقاصة وتسوية عملات رئيسية تشمل عدة عملات منها العملة الصينية (الرمبي) والدولار واليورو، فمن شأن قيامه بإرساء مثل هذه النظام أن يؤسس لنفسه مكانة جديدة بأن يكون مركزاً إقليمياً لعمليات التسوية والمقاصة بالعملة الصينية، وهو ما يوفر آلية تسمح بإجراء عمليات تسوية والمقاصة للمدفوعات التجارية والاستثمارية بين الصين وشركائها بالعملة الصينية (الرمبي).

وقيّم أسامة حمزة آل رحمة، مدير عام شركة الفردان للصرافة في الإمارات الاتفاقية الموقعة بين مصرف الإمارات المركزي وبنك الشعب الصيني بأنها تفتح الباب أمام المزيد من تمتين العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، فضلاً عن أنها تعزز روابط الأعمال من خلال خفض تكاليف تحويل العملات فيما بين البلدين، فمن شأن التحويل المباشر لعملتي الدرهم واليوان أن يغني عن استخدام العملات الأخرى في تسوية التعاملات التجارية فيما بين الدولتين.

 

مركز تسوية إقليمي

واعتبر أسامة آل رحمة اتفاقية المقايضة بين الدرهم والعملة الصينية بأنها تشكل واحدة من لبنات البنية التحتية المفترض إرساؤها لكي تتحول الإمارات ليس فقط كمركز لتداول العملة الصينية، ولكن كذلك كمركز إقليمي للمقاصة وتسوية العملات، مشيراً إلى أن الإمارات تمتلك المؤهلات والقدرات التي تجعلها المكان المناسب لتداول العملة الصينية، فهي تتمتع بالأمان والاستقرار السياسيين، وتمتلك هيكلاً اقتصادياً متنوعاً، وتشغل موقعاً استراتيجية فريداً ومتميزاً، إلى جانب امتلاكها البنية التحتية المالية ذات الكفاءة والفعالة والمتطورة بما تشتمل عليه من مؤسسات مالية ومصارف سواء محلية أو أجنبية.

وبالفعل، تجلت تعبيرات المقومات التي تمتلكها الإمارات لأن تكون بمثابة مركزاً إقليمياً لتداول العملة الصينية في حقيقة الأدوار التي تضطلع بها الإمارات على خريطة التدفقات التجارية والاستثمارية لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى جانب دول القارة الإفريقية، فهي تلعب في الوقت الحالي دور «بوابة الصين» لهذا الفضاء الجغرافي المترامي الأطراف.

 

طريق الحرير الجديد

وتحدث عبدالله محمد العور، الرئيس التنفيذي لسلطة مركز دبي المالي العالمي عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مركز دبي المالي في تعزيز التدفقات التجارية والاستثمارية بمحاذه طريق الحرير الجديد بقيادة جمهورية الصين الشعبية بقوله : في ظل استمرار انتقال القوة الاقتصادية العالمية باتجاه الشرق، يتمتع مركز دبي المالي العالمي بمكانة فريدة تمكنه من مواصلة مساهمته في تعزيز الروابط التجارية والاستثمارية القوية بين آسيا والشرق الأوسط، لقد جمعت بين المنطقتين علاقة تاريخية امتدت لقرون، فدعونا نحيي الماضي ونضع أسس علاقات جديدة ننطلق بها إلى المستقبل.

 

علاقات تاريخية

وتطرق في حديثه إلى المزايا التي يتيحها المركز للشركات الصينية قائلاً: يمتلك المركز بنية تحتية متكاملة ومتطورة تتيح لشركات شرق آسيا إمكانية الاستفادة من الفرص الاستثمارية في الأسواق الناشئة المتاخمة لمركز دبي المالي، منها على سبيل المثال منطقة جنوب آسيا ودول القارة الإفريقية، وبالتالي، فإن المركز يتيح للشركات الموجودة في الدول الواقعة على طريق الحرير الجديد إمكانية توسيع أعمالها وأنشطتها من خلال الاستفادة من عناصر البنية التحتية الموجودة بالمركز، سواء تمثل ذلك في عناصر البنية التحتية المادية كالأبنية والطرق وشبكة المواصلات أو عناصر البنية التحتية غير المادية كالتشريعات والأنظمة واللوائح.

واختتم حديثه بقوله: نحن نعمل على توطيد العلاقات بين المركز والمؤسسات المالية في الصين لتعزيز التعاون في مجال الخدمات المالية، حيث نعمل على استقطاب المزيد من الشركات الصينية، وقد أبلينا بلاء طيباً في هذا المجال.

 

التدفقات التجارية الإماراتية الصينية

وتتجلى حقيقة نهوض الإمارات عموماً ودبي خصوصاً بدور بوابة الصين للمناطق إفريقيا والشرق الأوسط في القفزة الكبيرة التي شهدتها العلاقات الاستثمارية والتجارية بين البلدين، وهو ما يأتي الدكتور ناصر السعيدي على ذكره بقوله: تحتاج منطقتنا إلى تطوير علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف مع الصين والبناء على العلاقات التجارية والاستثمارية القائمة، وتحتضن دبي بالفعل نحو 150 ألف مقيم صيني، فيما تزايدت عدد الشركات الصينية المسجلة من 18 إلى 2346 شركة في الوقت الحالي.

وتشكل التجارة الإجمالية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ما نسبته 3% من إجمالي حجم التجارة الخارجية الصينية بالمقارنة مع حصة بلغت نسبتها 1% في عقد التسعينيات، وقد تضاعفت الصادرات الصينية لدول مجلس التعاون الخليجي منذ عام 2000 بمقدار عشر مرات لتصل قيمتها إلى 36 مليار دولار، فيما تضاعفت التدفقات التجارية من الطرف المقابل أي دول مجلس التعاون الخليجي ثماني مرات لتصل إلى 56 مليار دولار.

آفاق مستقبلية

واستدرك مستشرفاً آفاق العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي بقوله: إذا ما أُخذ في الاعتبار تضعضع آفاق نمو الاقتصادين الأوروبي والأميركي بالمقارنة مع الاقتصاديات الناشئة، فإن التنبؤات تشير إلى أن التدفقات التجارية بين الصين والشرق الأوسط ستتراوح قيمتها بين 300 و500 مليار دولار، وبالطبع، تستحوذ التدفقات التجارية الصينية الخليجية على الحصة الأكبر بحلول عام 2020، وفي هذا الإطار تستحوذ التجارة الصينية الخليجية على الحصة الأكبر، وتبرز الإمارات في قلب هذه المعادلة كمركز خدمات لوجيستي للتدفقات التجارية المتجهة إلى المنطقة، وذلك بحكم موقعها الاستراتيجي على منتصف الطريق بين الصين ودول المنطقة، حيث يعاد تصدير ما نسبته 70% من إجمالي صادرات الصين لدولة الإمارات إلى المملكة السعودية وشمال إفريقيا وإيران.

 

بوابة الصين لإفريقيا

وبقدر أهمية الإمارات كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية للمنتجات الصينية المتجهة إلى دول الشرق الأوسط، فإنها على قدر الأهمية ذاته، تشغل مكانة «بوابة الصين» لدول القارة الإفريقية، ويسلط الدكتور ناصر السعيدي الضوء على الدور الحيوي والمحوري للإمارات في العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين ودول القارة الإفريقية بقوله: تحتل إفريقيا في المرتبة الثالثة كأكبر متلق للاستثمارات المباشرة الصينية، ومن شأن وقوع دولة الإمارات في متنصف الطريق بين الصين وإفريقيا وامتلاكها شبكة ربط وبنية تحتية متطورتين، أن أكسبها وضعية «بوابة الصين لإفريقيا»، حيث تتخذ العديد من الشركات الصينية الإمارات مقراً لعملياتها الاستثمارية في إفريقيا.

وفي رأي أسامة حمزة آل رحمة أن مثل هذه الأدوار التي تلعبها الإمارات على خريطة المبادلات التجارية والاستثمارية الصينية تجعلها المكان المثالي لتدول العملة الصينية على الصعيد الإقليمي، خصوصاً وأن السياسة الصينية تتجه منذ عامين مضيا نحو تقليل الاعتماد على عملة الدولار من خلال تشجيع استخدام العملة الصينية كعملة دولية في تسوية المدفوعات، ورغم المطاليب الأميركية بتعويم العملة الصينية، إلا أن السياسة الصينية تتبع النهج التدريجي في توطيد مكانة العملة الصينية كعملة دولية على نحو يعكس حقيقة تزايد الثقل الاقتصادي والمالي الصيني على الساحة العالمية.

وعلي المنوال نفسه، يرى جوراف كاشياب، رئيس قسم تداولات بورصة دبي للسلع لدى شركة الباري في الشرق الأوسط أن توقيع بنك الشعب الصيني على اتفاقيات مقايضة عملات مع عدد من المصارف المركزية يعد بمثابة مؤشر يعكس اتجاه الصين نحو التفكيك البطيء لاعتمادها على الدولار الأميركي على نحو يسهم في تقليل الطلب على العملة الأميركية، وهو أمر من شأنه أن يقود إلى ضعضعة مكانة الدولار الأميركي كعملة احتياط دولية. وتابع جوراف كاشياب تعليقه بقوله: رغم أن اتفاقية المقايضة بين الدرهم والعملة الصينية تعد بمثابة خطوة صغيرة نسبياً من حيث طبيعتها، إلا أنها سوف تسهم في الحد من مخاطر تذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي.

 

مكاسب وفوائد

وتجني الدولة مكاسب ضخمة من نهوضها بدور المركز الإقليمي للتداول على العملة الصينية، وذلك ما إذا أخذ في الحسبان حالة النمو وللازدهار التي تسود أسواق صرف العملة الصينية، ويستعرض هنا الدكتور ناصر السعيدي على أبرز ملامح هذا الانتعاش في التالي:

1-زيادة استخدام العملة الصينية في تسوية الصفقات التجارية الثنائية، فمع إطلاق برنامج رائد لاستخدام عملة الريمبي في تسوية الصفقات التجارية العابرة للحدود، زاد استخدام عملة الريمبي في تسوية الصفقات التجارية الثنائية العابرة للحدود التي كان يتم تسويتها في السابق بالعملات الأجنبية.

2- انتعاش سوق تداول عملة اليوان الصيني في هونغ كونغ، إذ أصبحت هذه الأسواق في عام 2011 تتميز بالازدهار والانتعاش، وتضافر هذه الوضع مع ازدهار سوق السندات المقومة بعملة الرمبي التي تصدرها شركات هونغ كونغ والصين إلى جانب الشركات الأجنبية، إلى جانب قيام وزارة الاقتصاد الصينية في أغسطس 2011 بطرح سندات مقومة بعملة الرمبي في سوق هونغ كونغ بقيمة 15 مليار رينمبي.

3- إرساء خطوط مقايضة الرمبي بين بنك الشعب الصيني وعدد من البنوك المركزية الأخرى على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف وذلك بهدف تطوير وظيفة «الملاذ الأخير» بالنسبة للمتعاملين على عملة الرمبي خارج الصين، وبالتالي، بدأت الصين التحرك على طريق إرساء مكانة الرمبي كعملة احتياط، وتحقق اتفاقياته المقايضة فائدة مزدوجة، فهي من جانب تسهل وتخفض تكاليف الصفقات التجارية، وهي من جانب آخر تعزز استخدام عملة الرمبي عبر الصفقات التجارية.

وخلص الدكتور ناصر السعيدي إلى القول: تستلزم عملية اندماج الصين بشكل كامل في النظام المالي العالمي، والانضمام إلى نظام وحدات السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي بحلول عام 2015، ضرورة العمل على إلغاء القيود المعرقلة لعمليات التحويل والاستخدام الدوليين لعملة اليوان، إذ تدعو والخطة الخمسية الثانية عشرة للصين إلى الاستخدام الدولي التدريجي لعملة الرمبي الصينية وإزالة تشوهات أسوقها المالية، وذلك من خلال التحرك في اتجاه محاور ثلاثة رئيسية، المالية المحلية تقديم عملة الرمبي كعملة تسوية للصفقات التجارية العابرة للحدود، وتوفير خطوط مقايضة الرمبي بين بنك الشعب الصيني والبنوك المركزية الأخرى وخلق سوق خارجي لتداول عملة الرمبي.

وهكذا، قطع مصرف الإمارات المركزي شوطاً كبيراً على طريق تعزيز أهلية الإمارات لأن تكون مركزاً إقليمياً لتدول العملة الصينية، وهو وضع يفتح المجال في رأي أسامة آل رحمة أمام قطع خطوات أخرى على طريق إرساء البنية التحتية الداعمة لقيام الدولة بهذا الدور الذي يعكس موقعها الجديد على الساحة الاقتصادية الإقليمية، وتتمثل هذه الخطوات في تعميق روابط الدولة الاقتصادية والتجارية مع دول المنطقة وزيادة انفتاح الدولة سياحياً ولوجستياً على دول المنطقة، ولكن الأمر المهم أن الدولة تمتلك المؤهلات التي تعينها على القيام بهذا الدور بكل امتياز واقتدار.

 

 

 

 

 

 

 

اليوان ثالث عملة عالمية في 2015

 

أفادت توقعات بأن العملة الصينية (الرمبي) سوف تشغل مكانة ثالث أكبر عملة عالمية بحلول عام 2015، وذلك إذا ما مضت الصين قدماً في تحرير وتطوير أسواقها المالية.

وأوضحت التوقعات الواردة في ورقة عمل بعنوان «العملة الصينية.. ماذا يمكن فعله إزاء التدويل؟» أنه من المتوقع أن يصعد حجم التسوية العابرة للحدود للرمبي لتستحوذ على حصة تتراوح نسبتها بين 30 و50% من إجمالي حجم الواردات والصادرات الصينية بقيمة تبلغ تريليوني دولار.

وتنبأت التوقعات بأن يؤدي التطوير المتوازن لأسواق المال في الصين إلى نمو سوق الديون المقومة بعملة الرمبي أربع مرات ليصل قيمته إلى 20 تريليون رمبي (3.1 تريليونات دولار)، وهو ما يمثل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني.