أكد مسؤول في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المنظمة تتعاون مع دبي بشكل خاص والإمارات عموماً بشأن إرشادية الموضوعة من جانبها في ما يتعلق بتجارة السبائك الذهبية الواردة من الدول التي تحتدم فيها الصراعات، مشيراً إلى أن الامتثال لهذه الخطوط الإرشادية مسألة طوعية وليست إلزامية بالنسبة للحكومات أو الشركات العاملة في مختلف حلقات سلسلة توريد الذهب بدءاً من المناجم ومروراً بمصافي التكرير ووصولاً إلى التجار.

وبالتالي، فهي هي ليست ملزمة بالنسبة لحكومة دبي أو بالنسبة للشركات العاملة فيها، ولكن من شأن تشجيع الشركات على الالتزام بها أن يعزز مكانة دبي كمركز رئيسي لتجارة المعدن الأصفر، وفي خط مواز اتفق أحمد بن سليم الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة مع مطالب بعض التجار بأن تسري تلك الخطوط الإرشادية على الجميع دون استثناء، بيد أنه لفت الانتباه إلى ضرورة ابتكار نظام يتلاءم مع خصائص تجارة الذهب، بالنظر إلى استحالة تطبيق نظام عملية «كيمبرلي» الخاصة بمكافحة تجارة ماس الصراعات على تجارة الذهب.

وتهدف قواعد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلي منع الذهب المستخرج من مناطق الحروب والصراعات من دخول الأسواق العالمية، وذلك من خلال تشجيع التجار على تعقب المعدن الأصفر بدءاً من مرحلة التنقيب والاستخراج وصولًا إلى مرحلة التخزين في خزائن البنوك والعرض في المتاجر لبيعه إلى جمهور المستهلكين.

وتتشابه قواعد مكافحة ذهب الصراعات مع قواعد عملية كيمبرلي التي قيدت منذ عام 2003 التنقيب عن الألماس في مناطق الصراعات كسيراليون، وتعد هذه القواعد جزءاً من جهد أكبر لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يهدف إلى صياغة ووضع قواعد تنظم تجارة المعادن على الصعيد العالمي .

وقد وضعت اللجنة الأميركية للأوراق المالية والسلع قواعد مشابهة للقواعد الموضوعة من جانب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتلزم هذه القواعد الشركات بإجراء فحوصات بغرض توخي الحذر في مزاولتهم لأعمالهم التجارية لضمان عدم التعامل على الذهب القادم من مناطق الصراعات، وقد قدرت اللجنة أن تكلفة الامتثال لهذه القواعد بلغت 71 مليون دولار واثرت على ما يزيد على 5000 شركة.

 

خطوط إرشادية

وفي البداية، قال تايلور جيلارد الخبير القانوني في إدارة شؤون التمويل والمشروعات لـ«البيان الاقتصادي» إن هذه الخطوط الإرشادية تخص بالدرجة الأولى الشركات وليس الحكومات، حيث يكون مطلوباً من الأولى أن تولي العناية الفائقة إلى مصادر إمداداتها من الذهب لكي تضمن عدم التعامل مع ذهب الصراعات، مشيراً إلى أن دور الحكومات يتمحور حول التوعية بهذه الخطوط الإرشادية، فضلاً عن أنه من الجائز لها أن تدمج هذه الخطوط الإرشادية ضمن قوانينها الوطنية على غرار الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

ويذكر أن الدورة الثامنة لمؤتمر دبي مدينة الذهب التي جرى عقدها في نوفمبر الماضي قد ناقشت خطوط العمل الإرشادية الموضوعة من جانب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمكافحة الذهب المرتبط بالصراعات بهدف زيادة القيمة الأخلاقية لتجارة المعدن الأصفر على غرار عملية كيمبرلي لمكافحة الألماس الدموي، وقد كشف آنذاك الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة عن التوجه نحو القيام بعمليات تدقيق ومراجعة لامتثال شركات الذهب المرخصة لتلك الخطوط الإرشادية بشكل إلزامي.

مع القيام بتقديم تلك الخدمة للشركات غير المرخصة والتي تعمل خارج المنطقة الحرة لأبراج بحيرات الجميرا بشكل طوعي، هذا في الوقت الذي أكد فيه الرئيس التنفيذي لمجموعة دبي للذهب والمجوهرات ايمانه العميق بأن إمارة دبي ستكون سباقة في تعديل تشريعاتها بما يجعلها تتماشى مع تلك الخطوط الإرشادية، وذلك على غرار تحقيقها قصب السبق في تعديل تشريعاتها بما يتناسب مع عملية كيمبرلي المتعلقة بمكافحة تجارة الألماس الملطخة بالصراعات.

واعتبر جيلارد أن هذه الخطوط الإرشادية تتيح فرصاً حقيقية لإمارة دبي بأن تكون مواكبة للمعايير العالمية في ما يتعلق بتجارة الذهب، وهو الأمر الذي يعزز قدرتها على المضي قدماً نحو توطيد مكانتها كمركز عالمي لتجارة الذهب، وتدعيم مركزها التنافسي في مواجهة المراكز العالمية الأخرى.

وتابع قائلاً: نحن نتطلع إلى زيادة الوعي الشركات الرئيسية في دبي بشأن هذه الخطوط الإرشادية، حيث تعتبر دبي مركزاً عالمياً لتجارة الذهب، وبالتالي، نحن نأمل أن تطبق الشركات هذه الخطوط الإرشادية لتنقية تجارة الذهب من الممارسات غير الأخلاقية، وذلك على نحو يسهم في زيادة القيمة الأخلاقية لتجارة الذهب.

ولفت جيلارد إلى أن مركز دبي للسلع المتعددة يعد جزءاً من عملية تطوير خطوط العمل الإرشادية بمكافحة ذهب الصراعات، بوصفة عضواً في مجموعة العمل المختصة بهذه القضية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتابع حديثه بقوله : يعتبر سوق الذهب في دبي سوقاً ضخمة بكافة المعايير، وهو ما جعل الإمارة لاعباً عالمياً مهماً، وبوصفها مركزاً عالمياً، فإن التعاون معها في هذا المجال من شأنه أن يعزز قدرتنا في الوصول إلى الشركات غير العاملة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتي تتخذ من دبي مقراً لعملياتها، كما أن مدينة دبي قد أضحت بالفعل مقصداً لكميات ضخمة من الذهب تأتيها من وسط أفريقيا.

واختتم تصريحه بقوله : لقد أبدى مركز دبي للسلع المتعددة اهتماماً بمسألة التعاطي مع القضايا المرتبطة بذهب مناطق الصراعات، ونحن نترقب وننتظر حجم الالتزام الذى يرغب في ابدائه، وأفادت أحدث احصائيات جمارك دبي أن الذهب تصدر قائمة صادرات دبي إلى العالم الخارجي بأكثر من 17 مليار درهم، خلال الشهور الأربعة الأولى من العام الحالي، واحتل الألماس (خام ومشغول) المركز الأول في واردات دبي بقيمة زادت عن 27 مليار درهم، تلاها الذهب الخام بأكثر من 23 مليار درهم، ثم المجوهرات وملحقاتها والمعادن النفيسة بأكثر من 8 مليارات دولار.

وبحسب قاعدة بيانات عضوية غرفة دبي في عام 2010 فإن هناك 1100 شركة تجارية تتعامل في الحلي والمجوهرات، و7 شركات لتصنيع الذهب والمعادن الثمينة، و3 شركات لتنقية الذهب و4 معامل لفحص الذهب والمعادن الثمينة، هنالك أيضاً موردون ومصدرون للذهب في المناطق الحرة بدبي، ومركز دبي للسلع المتعددة وبورصة دبي للذهب والسلع التي شهدت تعاملات تجارية جيدة في الذهب، حيث ارتفعت عقود بيع الذهب في مايو بنسبة 39% على أساس سنوي، حيث بلغت 60.638 عقداً.

وفي السياق ذاته، امتدح جيرهارد شوبرت، رئيس المعادن الثمينة في بنك الإمارات دبي الوطني، خطوط العمل الإرشادية في ما يتعلق بمكافحة ذهب الصراعات، مشيراً إلى أنه من المهم بمكان تطوير خطوط عمل إرشادية لتنظيم سوق الذهب العالمي، على غرار ما حدث مع سوق الألماس، مؤكداً أن بنك الإمارات دبي الوطني يرحب بأي مبادرات من شأنها أن تحول دون دخول ذهب الصراعات إلى أسواق الذهب في دبي.

قال جيرهارد شوبرت، إن مركز دبي للسلع المتعددة، بإمكانه أن يكون نموذجاً للجذب في مجال تطبيق الخطوط الارشادية على شركات الذهب العاملة في منطقته الحرة، مشيراً إلى أن الخطوط الإرشادية تفيد التجار والمصافي في مجال تعزيز الوعي لديهم بضرورة معرفة مصادر توريد الذهب للتأكد من الذهب الوارد قادم من المناطق الخالية من الصراعات .

مخاوف وشكوك

وفي الجانب المقابل، دعا طارق مدقة، المدير العام لمجموعة «كالوتي» للمجوهرات إلى تطبيق تلك الخطوط الإرشادية على الجميع مشيراً إلى أن تطبيق البعض لها دون الآخر يسهم في زيادة تكلفة من يقوم بالتطبيق، وهو الأمر الذي يقلل من قدرته التنافسية، ودلل على ذلك بأن شركة كالوتي اضطرت للتخلي عن العمل مع تجار التجزئة، وركزت على عملائها من الحكومات والمؤسسات المالية الكبرى لكي تتجنب الممارسات غير الأخلافية في تجارة الذهب، وخلص إلى القول بأن الشركة تطبق نظاماً عالمياً في التحري عن عملائها المحتملين قبل التعاقد معهم.

وأضاف قائلاً: تطبق مجموعة «كالوتي» للمجوهرات أصلاً معايير عالية في امتثالها إدارياً لهذه الخطوط الإرشادية منذ 3 سنوات مضت، حيث تقوم الشركة بالتحري عن مصادر الذهب الذي يتم توريده لها، وذلك من خلال وضع قاعدة بيانات عن الشركة الموردة من حيث ملكيتها ومصادر رأسمالها، وذلك قبل التعاقد معها، مشيراً إلى أن الشركة تطبق معايير بالغة التخصص في التحري عن الشركات الموردة، وهي تطبق في هذا المجال المعايير الموضوعة من قبل مركز دبي للسلع المتعددة.

وأعرب عدد من التجار عن خشيتهم من ان تؤدي القواعد الجديدة إلى اسناد دور جديد لهم، وهو أن يقوموا بدور " الشرطي " في صناعتهم ، كما أبدوا قلقهم إزاء احتمالات تباطؤ التجارة نتيجة لمتطلبات التوثيق الجديدة التي قد تستلزمها القواعد المقترحة.

وعبر أحد التجار عن هذه المخاوف بقوله : لقد صارت دبي مركزاً لعمليات تصدير واستيراد الذهب بسبب يسر وسهولة مزاولة الأعمال فيها، وبالتأكيد سوف تعاني الصناعة، إذا ما قمنا بدور الشرطي.

وفي السياق ذاته، اعترض عدد من التجار على هذه القواعد على أساس أن تنفيذها سوف يكون صعباً ومكلفة، وعبر رضا مصباح مدير محل مجوهرات عن هذه المخاوف بقوله : صارت الصناعة تمتلك آليتها الذاتية فيما يتعلق بمتابعة الشرطة للممارسات غير القانونية، وقد تطورت هذه الآلية على فتره طويلة من الزمن، ولست واثقاً من أن الزبائن يعيرون اهتماماً حقيقياً لمسألة تغذية الذهب للصراعات والقيمة المضافة التي بإمكانهم جنيها من مكافحة ذهب الصراعات.

 

التطبيق على الجميع

واتفق أحمد بن سليم مع الرأي الداعي إلى أن يكون تطبيق هذه الخطوط الإرشادية على الجميع، مؤكداً على أهمية امتثال الدول المنتجة للذهب لهذه الخطوط الإرشادية، فمن شأن عدم امتثالها أن يؤدي إلى تقويض النظام بأسره.

وأعرب أحمد بن سليم عن اقتناعه الجازم بعدم إمكانية استنساخ نموذج عملية كيمبرلي المتعلقة بمكافحة تجارة ألماس الصراعات لتطبيقه على تجارة الذهب، مشيراً إلى أن هناك فروقات كبيرة بين تجارتي الألماس والذهب، وهو الأمر الذي يجعل من المتعين على منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تبتكر نظاماً يلائم الخصائص المتميزة والمتفردة لتجارة الذهب.

وأشار أحمد بن سليم أنه من المستوجب أن تتحلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالواقعية في طموحاتها، وان تطوير نهج يلائم دولة أو اثنتين يعد أمراً مختلفاً عن تطوير نهج قابل للتطبيق على الجميع.

وأكد أحمد بن سليم على أهمية بدء العمل في تطوير هذه الخطوط الإرشادية، مشيراً إلى أن الأمر لن يتم بين ليلة وضحاها، بل سيستغرق بعض الوقت.

وتابع أحمد بن سليم حديثه قائلاً: نحن نعمل بشكل وثيق مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بخصوص موضوع القواعد الإرشادية لتجارة الذهب، وقمنا بتقديم التمويل للحلقات النقاشية التي جرى تنظيمها في دبي بخصوص هذا الموضوع، ونعمل على زيادة الوعي بهذه الخطوط الإرشادية، حيث إن المركز يعمل على حماية الصناعة على شاكلة النهج ذاته الذي تم اتباعه لدى تطبيق عملية كيمبرلي، في ما يتعلق بمكافحة تجارة ألماس الصراعات.