شغلت الإمارات مرتبة متقدمة في مجال سلامة البيئة الاستثمارية في تقييمات مؤسسات مالية عالمية لمخاطر الاستثمار السياسية، رغم صعود الوزن النسبي لعامل المخاطر السياسية لمنطقة الشرق وشمال إفريقيا جراء الاضطرابات والقلاقل السياسية التي حفلت بها منذ مطلع العام الماضي.
وقيّم مسؤولون في كل من وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف «ميغا» إحدى المؤسسات التابعة لمجموعة البنك الدولي وبنك «إتش إس بي سي» وشركة «برايس ووترهاوس كوبرز» أن عامل مخاطر الاستثمار السياسية في الدولة لم يتأثر نتيجة التحولات الإقليمية المصاحبة لموجة الاضطرابات السياسية التي اجتاحت عدداً من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
من جانب قيّم رافي فيش، كبير الاقتصاديين ومدير قسم الاقتصاد والسياسات في وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميغا) عامل مخاطر الاستثمار السياسية في الإمارات بأنه لم يتأثر جراء القلاقل السياسية في المنطقة، موضحاً أن تقييمات وزن عامل المخاطر السياسية لا تضع في حساباتها بعض الأحيان أوجه التباين والفروقات بين دولة وأخرى في المنطقة.
إذ تنظر إلى انعكاسات وتأثيرات الأحداث والتطورات على منطقة معينة كحزمة واحدة، وذلك رغم أن بعض دول منطقة الشرق الأوسط لم تتأثر بشكل كبير بتطورات الأوضاع والأحداث السياسية والاقتصادية، ولفت إلى أن الأحداث التي شهدتها المنطقة لم تؤثر بشكل كبير على قدرة الإمارات في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالنظر إلى تمتعها بقدر كبير من الاستقرار السياسي.
وعلى نفس المنوال، صنف بنك اتش اس بي سي الإمارات وقطر بأنهما الأكثر استقراراً سياسياً ضمن 14 اقتصاداً في المنطقة، وقيم البنك مخاطر الاستثمار السياسية في الدولتين بأنها لم تتأثر جراء الاضطرابات السياسية الإقليمية.
وقال سيمون وليامز، كبير الاقتصاديين لدى بنك اتش اس بي سي لــ «البيان الاقتصادي»: انه من واقع رصد الأوضاع السياسية في 14 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كانت الإمارات وقطر الدولتين الوحيدتين اللتين لم تشهدا أي نوع من التوترات السياسية، وهو أمر محل اعتراف من جانب المستثمرين والمؤسسات الاستثمارية العالمية.
وأجاب في معرض رده على سؤال بشأن مدى تأثر تقييمات مخاطر الاستثمار السياسية في الإمارات بالاضطرابات الإقليمية قائلاً: ان الإمارات لم تتأثر على الإطلاق، حيث بدا الاستقرار الذي تنعم به الدولة جلياً وواضحاً مقارنة بدول عديدة في المنطقة.
وفي السياق ذاته، حازت الإمارات على درجة 2 على مقياس مخاطر الاستثمار السياسية المقترح من جانب الدكتور يسار جرار، شريك في برايس ووترهاوس كوبرز، ويتألف المؤشر من 10 درجات تتدرج من الصفر (الغياب الكلي للمخاطر) إلى درجة 10 (المستوى الأعلى للمخاطر)، وبلغ المتوسط الإقليمي لوزن المخاطر السياسية 7 درجات، وحازت العراق ومصر على درجات تبلغ 8و 7 لكل منهما على التوالي، وأوضح جرار أن معامل وزن مخاطر الاستثمار السياسية في الولايات المتحدة أعلى من مثيله في الإمارات، وأنه لا توجد دولة في العالم يصل فيها وزن مخاطر الاستثمار السياسية إلى مستوى الصفر.
ولفت جرار إلى أنه طرأ تحسن على وضعية ومكانة الإمارات نتيجة لزيادة المكون الإيجابي في المدركات والتصورات المتعلقة بمخاطر الاستثمار السياسية، مشيراً إلى أن وزن مخاطر الاستثمار السياسية في الإمارات لم يتأثر من جراء الصعود الحالي للمخاطر السياسية على الصعيد الإقليمي، ودلل على ذلك بتزايد توجه الشركات في مختلف القطاعات نحو اتخاذ الإمارات بشكل عام ودبي على نحو خاص كمقر لإدارة عملياتها وأنشطتها في مختلف انحاء منطقة الشرق الأوسط.
وفي السياق ذاته، قال مؤيد مخلوف، مدير في مؤسسة التمويل الدولية: ان المؤسسة لا تقوم بإجراء تقييمات للمخاطر السياسية للدول في مختلف الأسواق الصاعدة، وهو تقليد متوارث ومقبول من جانب المؤسسة، كما أن المؤسسة لا تقوم بالاستثمار في دولة الإمارات، وبالتالي، فهي لا تقوم بإجراء تقييمات لمخاطر الاستثمار السياسية في دولة الإمارات.
وتابع قائلاً: تركز مؤسسة التمويل الدولية على تشجيع تدفق الاستثمارات من دول مجلس التعاون الخليجي إلى بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبالتالي، لا تضخ المؤسسة الكثير من الاستثمارات في منطقة مجلس التعاون الخليجي، وتمتلك المؤسسة مكتباً في إمارة دبي مناطاً به مسؤولية أساسية تتمثل في بناء علاقات مع الشركات الكبرى في المنطقة.
ومن ثم، هناك الكثير من الاستثمارات من دول مجلس التعاون الخليجي كالسعودية والإمارات في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتنظر المؤسسة إلى دول منطقة مجلس التعاون الخليجي على أنها منطقة ثرية وليست بحاجة إلى دعم مؤسسة التمويل الدولية لتشجيع توجه الاستثمارات إليها، وهو الأمر الذي جعل المؤسسة تركز على تجميع رؤوس الأموال من دول مجلس التعاون الخليجي لتوجيهها إلى بقية دول منطقة الشرق الوسط وشمال إفريقيا.
وخلص مخلوف إلى القول: لدى مؤسسة التمويل الدولية استثمارات محدودة في دول مجلس التعاون الخليجي، كما أنه ربما تقوم مؤسسة التمويل الدولية بالاستثمار في تمويل المساكن في السعودية، بالنظر إلى أن هذا القطاع يحتاج إلى تطوير وتنمية، كذلك ربما تتطلع إلى الاستثمار في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
صعود مخاطر الاستثمار السياسية
ويأتي شغل الإمارات المرتبة الأدنى إقليمياً من زاوية تأثير المخاطر السياسية على استقطاب الاستثمارات الأجنبية في ظل تقديرات وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميغا) بأن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوف تتراجع في عام 2011، بعدما شهدت توسعاً بوتيرة سريعة خلال السنوات العشر الماضية، وقيم تقرير صادر عن الوكالة تحت عنوان «الاستثمارات العالمية والمخاطر السياسية» أن غالبية المستثمرين من الشركات قد أرجأوا خططهم الاستثمارية في المنطقة متبعين مبدأ «الترقب والانتظار» لما سوف تسفر عنه الاضطرابات السياسية في المنطقة.
وقدر التقرير حدوث تراجع في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتجهة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بواقع 7% في 2010 و16% في 2011. مشيراً إلى أن هذا التراجع قد ظهر جلياً في الهبوط الحاد في عدد المشروعات الاستثمارية الجديدة خلال الربع الأول من عام 2011 في كل من مصر وليبيا وتونس، وتوقع التقرير أن تشهد هذه الدول عودة انتعاش تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2013.
وقد تفاقمت مدركات المستثمرين للمخاطر القصيرة الأجل سوءاً ـ بحسب التقريرــ بالمقارنة مع الأعوام السابقة نتيجة لسبب رئيسي يتمثل في صعود مشاعر القلق لديهم إزاء استقرار الاقتصاد الكلي والنفاذ إلى التمويل، حيث فاقمت الأحداث التي شهدتها المنطقة مؤخراً مخاطر العنف السياسي وعدم الوفاء بالالتزامات المالية السيادية، وأن نطاق هذه المخاطر قد صار أكثر اتساعاً عوضاً عن أن تكون محصورة في داخل المنطقة.
وتوقع التقرير أن تقود الاضطرابات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 3.6% في عام 2010 إلى 1.7% في 2011، ثم يعاود الارتفاع ليصل إلى 2.4% في 2012 و3.4% في 2014.
وبحسب التقرير، أفضت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 إلى تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتجهة إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومع تفجر الاضطرابات في مطلع عام 2011، تقلصت هذه التدفقات بشكل أكبر، إذ صارت تدفقات الاستثمار المباشر إلى كل من مصر وتونس إلى السالب، فيما تراجعت المشروعات الجديدة في الدولتين بواقع 80% خلال الربع الأول من عام 2011 مقارنة بنفس الفترة من العام السابق عليه.
وقدر التقرير أن آفاق تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى المنطقة تعتمد بشكل كبير على سرعة التوصل إلى حلول للأوضاع السياسية المتأزمة، حيث يحتاج انتعاش الاستثمارات فترة أطول مقارنة بتعافي النمو الاقتصادي.
تباينات بين الدول
ورسمت الاضطرابات السياسية غير المتوقعة صورة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تخفي وجود اختلافات مهمة فيما بين هذه الدول، وتجلت هذه الاختلافات بوضوح في نمط التدفقات الاستثمارية المباشرة الذي كان موجوداً في الفترة السابقة على تفجر الاضطرابات الحالية، حيث برزت السعودية والإمارات بوصفهما أكبر الدول المتلقية للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبحسب تقديرات البنك الدولة تلقت الإمارات استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة تتجاوز 80 مليار دولار خلال السنوات العشر الممتدة من 2000 إلى 2010، فيما تلقت السعودية استثمارات بقيمة 150 مليار دولار.
وأوضح التقرير أن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدول المصدرة للنفط العالية الدخل كان بأحجام صغيرة ومحدودة خلال السنوات الأولى من العقد الماضي، ولكن في منتصف العقد، أخذت هذه الحصة في النمو بوتيرة سريعة، ورغم ذلك فإن دولاً تقع في فئة الدول المستوردة للنفط كتونس ومصر قد شهدت تدفقات مؤثرة للاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وقيّم التقرير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستظل تتمتع بجاذبية بالنسبة للمستثمرين الأجانب على المديين المتوسط والطويل، مع الأخذ في الحسبان العوامل الديموغرافية والاقتصادية، حيث يبلغ عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عاماً حوالي 90 مليون نسمة من إجمالي عدد سكان يصل إلى 450 مليون نسمة، فرغم تنامي حالة عدم اليقين وتزايد احتمالية السيناريو الاقتصادي السلبي، إلا أن المستثمرين متفائلون بشأن الآفاق المستقبلية في الدول النامية، وهو ما انعكس على خططهم الاستثمارية، خاصة تلك التي تغطي السنوات الثلاث المقبلة، ومع ذلك، بقي عامل المخاطرة السياسية يمثل أحد بواعث القلق المهمة التي تشكل قيداً على الاستثمار.



