قيَّم مسؤولون ومحللون ماليون أن الإمارات بشكل عام، ودبي خصوصاً، تمتلك بنية تحتية مالية ذات كفاءة وفاعلة على نحو يجعلها في موقع يؤهلها لأن تلعب دور «المنصة المالية الإقليمية» القادرة على توفير حلول تمويلية لبرامج إعادة الإعمار في الدول العربية التي شهدت منذ مطلع العام الماضي احتجاجات شعبية أي الدول التي درج على تسميتها بدول الربيع العربي، ولفتوا إلى أن التطورات السياسية الجارية في المنطقة تتيح فرصاً للإمارات لأن تكون بمثابة قناة توصيل الأموال من مصادر التمويل المختلفة إلى هذه البرامج الإقليمية التنموية، مشيرون إلى أن أزمات منطقة اليورو الضاغطة على أسواق التمويل في الولايات المتحدة وأوروبا تعزز جاذبية البنية التحتية المالية في الدولة كوعاء سيولة إقليمي لتمويل مشروعات البنية التحتية التي تضررت في دول عربية عديدة نتيجة لموجة الاضطرابات والقلاقل السياسية الأخيرة.
وأكدوا أن السيولة المالية الإقليمية متوافرة لتمويل هذه المشروعات، خصوصاً في ظل توجه الصناديق السيادية والأعمال العائلية نحو البحث عن الفرص الاستثمارية الإقليمية عوضاً عن الاستثمار في الأسواق الأوروبية والأميركية التي تصاعدت فيها المخاطر الاستثمارية نتيجة لأزمات الديون السيادية وتباطؤ الاقتصادين الأميركي والأوروبي.
إعادة تصدير الأموال
وعلى هذه الأرضية اقترح رافي فيش، كبير الاقتصاديين ومدير قسم الاقتصاد والسياسات في وكالة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميغا) أن تنهض دبي بدور اعادة تصدير الأموال إلى الدول العربية التي بحاجة إلى تمويل برامجها التنموية ومشروعات، وقال بالحرف الواحد ان البنية التحتية المصرفية التي تمتلكها الإمارات تستطيع أن تستقطب رؤوس الأموال من داخل الإمارات وخارجها، على أن يعاد توظيفها في البرامج والمشروعات التنموية الإقليمية، وبالتالي، بإمكانها أن تكون وسيطاً مثالياً لنقل الأموال المجمعة داخلياً وخارجياً إلى مختلف أنحاء المنطقة.
وتابع شرحه لفكرته قائلاً: تشكل البنية التحتية الموجودة في الإمارات منصة تمويلية مثالية للمشروعات الإنمائية في المنطقة، حيث تمتلك الإمارات واحدة من أفضل البنى التحتية في العالم من زاوية الطرق والمطارات والموانئ، وهو الأمر الذي يعزز جاذبيتها لاستقطاب مصادر التمويل لأن تكون مقراً لعملياتها وأنشطتها التمويلية الإقليمية، إلى جانب استقطاب عنصر رأسمال البشري المتمثل في الكفاءات والخبرات العالية المستوي، وتتضافر هذه المؤهلات والمقومات مع البنية التحتية المصرفية في تعزيز دور الإمارات عموماً ودبي خصوصية كمنصة تمويلية لبرامج ومشرعات التنمية الإقليمية.
وقدر رافي فيش أن هناك دوراً مناطاً بمركز دبي المالي العالمي أن ينهض به في هذا السياق، بأن يقدم خدمات تساعد على دعم الاستثمارات ليس فقط في الإمارات ولكن كذلك في الأجزاء من المنطقة، مشيراً إلى أنه بإمكان المركز الاضطلاع بهذه المهمة على أفضل حال، بالنظر اهتمامه الأصيل بترويج ودعم الصناعة المالية وامتلاكه بنية تحتية عالية الجودة.
واختتم رافي فيش تعليقة بتأكيده على أنه بإمكان الإمارات أن تلعب دور المنصة التمويلية للمشروعات والبرامج الإنمائية الإقليمية، فهي تنعم بالاستقرار السياسي الذي يجعلها ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال، وذلك في الوقت الذي تشهد فيه العديد من دول المنطقة موجة من المشاكل والاضطرابات، وهو ما يجعل من الأفضل لأصحاب رؤوس الأموال أن يحتفظوا برؤوس أموالهم في الإمارات عوضاً عن مراكز المال الأخرى، الأمر الذي يعزز وضعيتها كملاذ آمن لرؤوس الأموال.
منافسة الآخرين
واتفق سيمون وليامز، كبير الاقتصاديين لدى بنك اتش.اس.بي.سي مع الرأي القائل بأنه بإمكان الإمارات عموماً ودبي خصوصاً أن تلعب دور المنصة التمويلية لمشروعات إعادة إعمار الدول التي تضررت بنيتها التحتية جراء الاضطرابات والقلاقل التي تشهدها المنطقة منذ مطلع العام الماضي، وساق من جانبه مقومات أخرى تعزز قدرة الإمارات على النهوض بهذا الدور قائلاً: تمتلك الإمارات عموماً ودبي خصوصاً خبرة خاصة ومتميزة من شأنها أن تدعم مكانتها كمركز مالي للمنطقة، ولأجل ذلك، من المطلوب أن تنهض الإمارات بهذا الدور، وأن تمضي قدما على هذا الطريق، فبخلاف ذلك، فإن آخرين سوف ينهضون بهذا الدور.
وردا على سؤال بشأن الكيفية التي يمكن بها تعزيز جاذبية دبي على استقطاب الأعمال الإقليمية الساعية إلى الحصول على التمويل مستفيدة من بنيتها التحتية المالية أجاب بقوله: هناك إمكانيات ضخمة تعزز جاذبية الإمارات عموماً ودبي خصوصاً على استقطاب قطاعات الأعمال في المنطقة الساعية إلى تعبئة رؤوس الأموال، حيث ان المنطقة تحفل في الوقت الحالي بأحجام كبيرة من المدخرات التي بالإمكان استخدامها من جانب المقترضين في تمويل المشروعات في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما يستلزم تطوير مؤسسات مالية قادرة على القيام بدور قناة اتصال بين مصادر المدخرات كالصناديق السيادية من جانب والمقترضين من جانب آخر.
واستدرك بقوله: تمتلك دبي القدرة على الاضطلاع بهذا الدور بشكل رائع، ومن المأمول فيه رؤية تطور أسواق المال في المنطقة والهياكل المالية والتمويلية وأسواق الأسهم وأسواق الدين.
فرص سخية
وعلى المنوال نفسه، اعتبر الدكتور يسار جرار، الشريك في برايس ووترهاوس كوبرز أن ما درج على تسميته باسم «الربيع العربي» قد أتاح فرصاً سخية لإماراتي أبوظبي ودبي، وذلك على صعيد تعزيز نظرة المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال إليهما كمقصد آمن لرؤوس الأموال، وقال في هذا الصدد أن المنطقة، كما تذخر برؤوس أموال ضخمة، فهي تحفل بالقدر ذاته على فرص استثمارية واعدة، وأنه من المهم ترجمة هذه الأموال على أرض الواقع في صورة فوائد تصب لصالح مجتمعات دول المنطقة، وأن أهم شيء يجب على الحكومات فعله هو التحلي بالشفافية وتطبيق خطط اقتصادية واضحة، وبلورة رؤى اقتصادية، وهي أشياء تتميز بها إمارتي دبي وأبوظبي عن مجمل الدول العربية.
واعتبر الدكتور يسار جرار دول الخليج بمثابة أحد روافد تمويل مؤهلة لتمويل المشروعات التنموية في دول الربيع العربي، بالنظر إلى امتلاكها أحجام ضخمة من الفوائض المالية والمدخرات التي تبحث عن الفرص الاستثمارية السخية والواعدة.
وتحدث الدكتور يسار جرار عن رافد تمويلي آخر، وهو موجة إعادة توطين رؤوس الأموال العربية في المنطقة بقوله: هناك حالة من الخوف تسيطر على انتقالات رؤوس الأموال إلى أوروبا والولايات المتحدة بسبب صعود المخاطر إلى مستويات قياسية، وهو ما يعيد مجدداً الحالة التي كان عليها أصحاب رؤوس الأموال في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من تصعيد الولايات المتحدة لحملتها المناهضة للإرهاب، وأوضح أن أصحاب رؤوس الأموال العربية يمرون الآن بحالة مشابهة، حيث صاروا أكثر تفضيلًا لاستثمار مدخراتهم ورؤوس أموالهم في داخل المنطقة عوضاً عن خارجها.
وتابع بقوله: نحن نشاهد موجة جديدة من تدفقات رؤوس الأموال إلى كل من أبوظبي ودبي مثلما حدث منذ 10 سنوات مضت، حيث من المتوقع عودة رؤوس الأموال إلى لكي يتم توظيفها في الفرص الاستثمارية التي تتيحها البرامج والمشروعات التنموية الإقليمية، خصوصا تلك المتبناة من جانب حكومات دول الربيع العربي التي سوف تزيد إنفاقها على مشروعات البنية التحتية والتعليم والصحة وغيرها من المشروعات المرتبطة بتطلعات مجتمعاتها في الداخل.
ورأى الدكتور يسار جرار أن المنطقة تزخر بعوامل جذب لرؤوس الأموال العربية لكي يعاد توطينها في المشروعات التنموية، فهي واحدة من المناطق القليلة في العالم التي تشهد نمواً اقتصادياً إيجابياً، كما أن احتياجات مجتمعاتها آخذة في النمو والصعود المطردين، بالنظر إلى أن شريحة الشباب تشكل القسم الغالب من سكانها، وهو ما يغذي آفاق طلبها في مختلف القطاعات الاقتصادية.
واعتبر الدكتور يسار جرار مركز دبي المالي العالمي بأنه الأكثر تأهيلاً من بين المراكز المالية الأخرى في المنطقة لكي يلعب دور نقطة تجميع رؤوس الأموال التي يمكن إعادة توظيفها في المشروعات التنموية الإقليمية، بالنظر إلى احتضانه أكبر تجمع مالي في المنطقة يضم مصارف ومؤسسات مالية وخبراء ماليون، إلى جانب امتلاكه بنية تحتية بالغة التطور، وتسهم هذه المقومات مجتمعة في تعزيز التوقعات بأن يكون واحداً من أهم المراكز المالية في العالم.
وتوقع الدكتور يسار جرار أن يشهد مركز دبي المالي العالمي نمواً يماثل النمو الذي شهده قطاع السياحة في دبي كنتيجة للتطورات التي تشهدها دول المنطقة، وتوقع كذلك أن تصبح دبي مركزاً لاستقطاب رؤوس الأموال من الإمارات وخارجها.
وبطبيعة الحال، تمتلك الإمارات بنية تحتية مصرفية لديها سجلًا طويلًا في مجال تقديم خدمات الجملة المصرفية، المتعلقة بتقديم خدمات مصرفية لعملاء الجملة كالمطورين العقاريين والشركات والوكالات الحكومية، بيد أنها تواجه معضلة تتمثل في محدودية الخيارات الاستثمارية، وهو ما يأتي على ذكره أنكور شاه مدير أبحاث الأسهم في أرقام كابيتال بقوله إن بنوك الإمارات تبلي بلاء طيباً في خدمة زبائنها في قطاع خدمات الجملة المصرفية، وأن أغلبية المصارف لديها عمليات وأنشطة في قطاع الجملة المصرفي، وبالتالي، فإن ضخ المزيد من الاستثمارات في هذه الشريحة من السوق لن تحل مسألة محدودية الخيارات الاستثمارية.
محدودية الفرص الاستثمارية
وأعرب أنكور شاه عن اعتقاده بأن مصارف الإمارات منكشفة بالفعل بشكل عالٍ على ديون الشركات الحكومية، وأنه مازال هناك حيز لزيادة حصتها في تمويل المشروعات الإقليمية، آخذاً في الاعتبار الزيادة الضخمة للحاجة إلى إعادة التمويل خلال العام الحالي، وذلك على الرغم أنه سيكون من الصعب على المصارف الإماراتية خلال عام 2012 زيادة إقراضها للمشروعات المحلية.
وبشأن تأثير التباطؤ الاقتصادي على بيئة التمويل، أجاب أنكور شاه بقوله: مازالت بيئة التمويل تتميز بالاستقرار، وذلك على غرار الحال خلال الربع الثالث من العام الماضي، فعلى سبيل المثال، نجح بنك الاتحاد الوطني في إدراج سندات لمدة 5 سنوات قيمتها 400 مليون دولار، وهو ما يدل على أن أسواق رأسمال مازالت مفتوحة أمام المصارف، كما أن البنوك مازالت تنظر بنشاط إلى تمديد أجل المطلوبات من خلال الحصول على ديون تستحق على آجال أطول.
وتوقع أنكور شاه أن تشهد قطاعات الجملة المصرفية في الإمارات نمواً محدودا، مع الأخذ في الحسبان الصورة السلبية للأوضاع الاقتصادية في أوروبا، وتأثر القطاعات المهيمنة على الاقتصاد الإماراتي كالسياحة والشحن والضيافة بالتوجهات الكلية للاقتصاد العالمي.
ورأى أنكور شاه أن زيادة منافسة المصارف الأجنبية تؤثر على اللاعبين المحليين، حيث تسعى المصارف الأجنبية إلى زيادة حصتها السوقية عن طريق خفض أسعار خدماتها، وهو ما يؤثر بالسلب على هوامش أرباح المصارف المحلية.



