السوق العقارية في أبوظبي مع بداية عام 2012 مختلفة جذريا عن الأعوام السابقة خاصة منذ بداية عام 2006. السوق اليوم هي سوق المعروض المتزايد الذي يفوق الطلب ويتزايد بصورة أكبر يوما بعد الآخر، وليست سوق ندرة المعروض وتزايد الطلب الذي شهدت فيه إيجارات المساكن والمكاتب زيادات غير مسبوقة وصلت إلى أكثر من 300 % في عامي 2007 و2008.
المعروض المتزايد قضى على ظواهر سلبية عاشتها سوق أبوظبي خلال سنوات 2007 و2008 و2009 وأبرزها تقسيم الفيلات إلى وحدات سكنية والسكن المشترك والتأجير من الباطن وتصاعد سطوة المضاربين ومكاتب السمسرة العقارية.
وعلى الرغم من وجود مؤشرات تؤكد أن السوق ستعود إلى سابق عهدها قبل عام 2006 حيث كانت الإيجارات السكنية معقولة والسوق منظمة بشكل جيد مع وجود لجنة الشيخ خليفة، فإن هذه العودة تتم ببطء شديد وتظهر معالمها في التراجع التدريجي البطيء للإيجارات بسبب استمرار الملاك في مقاومتهم تراجع الإيجارات وعدم خضوع السوق لآليات العرض والطلب الصحيحة، ومن المتوقع أن تستمر حالة السوق الراهنة على شكلها الحالي حتى أواخر العام الجاري .
تراجع محدود
وكشفت جولة لـ"البيان الاقتصادي" خلال الأسبوع الماضي في أبوظبي وضواحيها عن توفر أعداد كبيرة من الأبراج السكنية والفيلات الجديدة سواء في جزيرة الريم أو شاطئ الراحة أو مشروع دانة أبوظبي بجوار كارفور، وكذلك في مناطق معسكر آل نهيان والكورنيش وداخل المدينة وخاصة في شوارع النجدة والمطار، إضافة إلى كم ضخم من الفيلات والمباني السكنية الشاغرة في مدينة محمد بن زايد وخليفة أ وب التي تراجعت فيها الإيجارات بنسب وصلت إلى 35% عكس إيجارات مدينة أبوظبي التي تراجعت فيها الإيجارات بنسب تتراوح بين 15% و20% وبشكل تدريجي بطيء للغاية خاصة مع بداية العام الماضي وذلك وفقا لتقارير مؤسسات استشارية عقارية متخصصة مثل كلاوتزوإستيكو.
ويؤكد عتبية العتيبة، الخبير العقاري ورئيس لجنة العقارات السابق في غرفة تجارة وصناعة أبوظبي، وجود تراجع حقيقي في الإيجارات إلا أنه لاتوجد نسبة محددة لهذا التراجع، حيث لاتوجد جهة في أبوظبي لديها المعلومات الكافية والموثقة حول حالة سوق الإيجارات والعقارات في أبوظبي ما يترك الأمر للاجتهاد، لكن بكل تأكيد فإن السوق اليوم هي سوق الفائض الكبير من الوحدات وهناك وحدات كثيرة غير مؤجرة سواء كانت جديدة أو قديمة ومن المهم أن تتدخل الحكومة في السوق كما تدخلت لدعم شركة الدار العقارية وعليها أن تجد حلاً للشركات العقارية الأخرى مثل صروح ومنازل وغيرها حيث إن لديها معروضاً متزايداً من الوحدات ولاتجد من يستأجرها وتحتاج إلى حل عاجل حتى لايدخل القطاع العقاري في مشكلات أكثر.
وبدأت شركات التطوير العقاري الكبرى في أبوظبي، مثل شركات الدار وصروح والقدرة ومنازل منذ منتصف العام الماضي حتى أمس، في ضخ آلاف الوحدات والفيلات السكنية والمساحات المكتبية الكبيرة الامر الذي يؤدي إلى زيادة ووفرة المعروض.
استقرار الإيجارات
وتشهد أسعار العقارات والإيجارات في أبوظبي منذ الشهور الثلاثة الماضية حتى أمس استقرارا في ضوء تراجع بنسب أكبر بداية العام الماضي لكن لم تقترب الأسعار والإيجارات من مستويات الأسعار قبل عام 2006 وهو بداية الطفرة غير المسبوقة في الإيجارات والأسعار.
ورصدنا خلال جولتنا ثباتاً واستقراراً في الإيجارات بعد تراجع ملحوظ، وإن لم يكن كبيرا، حيث وصل مستوى التراجع مابين 15% و20% داخل المدينة ومابين 35% و45% في ضواحي المدينة، كما لاحظنا أن إيجارات المساكن القديمة والجديدة داخل مدينة أبوظبي تتراجع يوما بعد الآخر لكن بصورة بطيئة بسبب تأخر استكمال الأبراج الجديدة ودخولها للسوق على فترات متباعدة.
تراجع المضاربين
ومن إيجابيات مرحلة التصحيح العقاري التي تشهدها السوق في أبوظبي حاليا تراجع سطوة المضاربين الذين تزايدت أعدادهم بشكل غير مسبوق أثناء سنوات الطفرة في الإيجارات وبخاصة بداية عام 2007 حينما ارتفع الطلب بصورة كبيرة على الأراضي والسكن داخل مدينة أبوظبي وخارجها ، وتراجع المعروض من الأراضي والوحدات السكنية، وتزامن ذلك مع بدء تنفيذ المشاريع العقارية الضخمة الجديدة لشركات الدار وصروح وطموح ومنازل والقدرة والريان وإشراق، وحقق المضاربون والسماسرة أرباحا قياسية سواء من مبيعات الأراضي أو تأجير الوحدات السكنية والتجارية والفيلات، وظهرت سطوتهم ونفوذهم في معرض سيتي إسكيب أبوظبي 2008 حيث باعوا أراضي بأربع أضعاف أسعارها على الأقل.
ويرى عبد الرحمن الشيباني، المدير العام لمكتب الغانم للعقارات أكبر المكاتب العقارية في أبوظبي، أن من أهم إيجابيات مرحلة التصحيح العقاري الذي تشتهده أبوظبي حاليا هو تراجع سطوة المضاربين والسماسرة الدخلاء على المهنة حيث اختفوا من السوق إلى حد كبير، مشيرا إلى أن هناك أعدادا كبيرة من مكاتب الوساطة العقارية والسماسرة أغلقوا مكاتبهم أو حولوها إلى أنشطة تجارية أخرى بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة.
الإسكان الفاخر
الإسكان الفاخر في أبوظبي تراجعت معدلات إيجاراته فلم نعد نسمع في سوق أبوظبي عن وحدات فاخرة تؤجر بقيمة 300 ألف درهم بل إن الإيجارات المطروحة حاليا تتراوح بين 160 ألف درهم و180 ألف درهم ، ويتوقع خبراء ومسؤولو المكاتب في أبوظبي لـ"البيان" أن تشهد إيجارات الوحدات السكنية الفاخرة مزيدا من الاستقرار خلال الفترة المقبلة حتى نهاية العام الجاري، بعد أن تراجعت إيجاراتها بنسب وصلت في مدينة أبوظبي إلى 20% على مدار العامين الماضي والجاري. كما أدى عدم استكمال العديد من الأبراح السكنية الفاخرة في مناطق عديدة من العاصمة وعدم دخولها السوق إلى عدم وجود تراجع كبير في إيجارات الوحدات السكنية الفاخرة . ودخلت السوق العديد من الأبراج ذات الوحدات السكنية الفاخرة خاصة في شارع إلكترا ومناطق الخالدية والكورنيش، إلا أن هذا العدد لم يكن كافيا لتلبية طلبات العديد من المستأجرين خاصة الذين يعملون في شركات حكومية أو شبه حكومية ويتقاضون بدلاً سكنياً كبيراً ، فضلا عن أن عددا لابأس به من المستأجرين في الوحدات القديمة المستأجرة بقيمة إيجارية مرتفعة ينتظرون بفارغ الصبر تراجعاً أكبر في إيجارات الوحدات السكنية الفاخرة الجديدة للانتقال إليها، ومازالت الإيجارات مرتفعة بالنسبة إليهم على الرغم من وجود لافتات "للإيجار" على العديد من الأبراج الفاخرة منذ أكثر من تسعة أشهر.
المكاتب التجارية
التراجع في الإيجارات كان أكبر بالنسبة إلى المكاتب التجارية مقارنة بالوحدات السكنية ، وكما يؤكد مبارك العامري رئيس مجلس إدارة شركة الصمود العقارية أن العاصمة تشهد معروضا أكبر من المكاتب لعدة أسباب أبرزها الانتهاء من تشييد أبراج جديدة تم تخصيص معظم وحداتها لمكاتب إدارية إضافة إلى استمرار العديد من الملاك في تحويل بناياتهم السكنية إلى مكاتب إدارية للحصول على المزيد من الأموال. ووفقا لجولة " البيان الاقتصادي "فإن إيجار المتر المربع للمكاتب الإدارية تراجع من ألفي درهم إلى مابين 1100 و1200 درهم في أكثر مناطق أبوظبي، كما ترتفع إيجارات مكاتب بعض المناطق مثل منطقة الخالدية بزيادة تصل إلى 200 درهم في المتر وهذه الزيادة لها مبررات عديدة أبرزها حيوية هذه المنطقة واكتظاظها بالمؤسسات والبنوك فضلا عن أن موقعها بالقرب من شارع الخليج العربي الذي يعد من أكبر الشوارع حيوية في الإمارة يجعلها مقصدا للسكن وممارسة التجارة. ويرى عبدالله خلفان النقبي، رئيس مجلس إدارة شركة ويندكس العقارية، أن أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع إيجارات المكاتب في أبوظبي يرجع إلى رغبة الملاك في تأجير المساحات الواحدة ككتلة واحدة وليست مقسمة كما كان سابقا. وأشار إلى أن المالك كان يقسم ميزان البنايات أيام الطفرة إلى عدة مكاتب ووصل إيجار المكتب الواحد لنحو 500 ألف درهم وذلك لمساحة 150 متراً، أما الآن فيتم تأجير الميزان كمساحة واحدة بسعر المتر ألف درهم أو أقل قليلا وبذلك فقد تراجعت الإيجارات بنسبة كبيرة. ويشير إلى دور المناطق الجديدة، مثل معسكر آل نهيان، في تراجع إيجارات المكاتب حيث يتزايد بها المعروض بشكل كبير ، كما أن أبراج الكورنيش الضخمة وكذلك أبراج جزيرة الريم ستدفع الإيجارات إلى التراجع خاصة مع تراجع الطلب على المكاتب في أبوظبي بشكل عام. كما كشفت جولة البيان الاقتصادي عن أن العديد من ملاك الأبراج السكنية الجديدة مازالوا يرفضون في الوقت الحالي تأجير الوحدات السكنية الفاخرة لديهم بأسعار السوق ، والتي شهدت تراجعا ملموسا زاد على أكثر من 20%. ويرجع الخبير العقاري رضا مسلم المدير الشريك بشركة تروث للاستشارات الاقتصادية عدم تراجع الإيجارات بشكل كبير في مدينة أبوظبي خاصة في المساكن الفاخرة إلى عدة عوامل مازالت تدعم موقف هؤلاء الملاك بتأجير بناياتهم السكنية الفاخرة بقيمة إيجارية مرتفعة أبرزها قيام العديد من الشركات الحكومية وشبه الحكومية في أبوظبي بتأجير تلك الوحدات بأسعار مرتفعة لموظفيها خاصة بعد أن رفعت بدل السكن المخصص لهم، فضلا عن أن عدد الوحدات السكنية الفاخرة المطروحة للتأجير مازالت قليلة خاصة مع عدم اكتمال تشطيبات أبراج كثيرة في العاصمة مثل أبراج الميناء بلازا لشركة صروح وأبراج الكورنيش والعديد من أبراج جزيرة الريم الفاخرة التي لم يتم تسكينها حتى اليوم فضلا عن أن هؤلاء الملاك بنوا هذه المباني بأسعار مواد بناء مرتفعة أثناء الطفرة حينما تجاوز سعر طن الحديد 6 آلاف درهم والأسمنت 300 درهما للطن الواحد وبالتالي فهم يأملون أن تتغير حالة السوق وترتفع الإيجارات مرة أخرى ويصمدون في الوقت الحالي.
سوق غامضة
ويشدد رضا مسلم عن أن سوق أبوظبي العقاري من الأسواق الغامضة جدا حيث كان من المتوقع وفقا لوفرة المعروض أن تتراجع الإيجارات بشكل كبير لكن هذا لم يحدث كما أن هذه السوق لاتخضع لآليات العرض والطلب بسبب التدخل في تحديد أسعار الإيجارات. ويقول: لاتوجد جهة معلومة في أبوظبي تحدد لنا القيمة العادلة لتأجير الوحدة السكنية ونرى أسعاراً مختلفة ومتباينة بشكل كبير حتى في البناية أو البرج الواحد وأنا شخصيا أرفض تدخل الحكومة في السوق لأن هذا التدخل قد يكون مضرا أكثر من نفعه ولابد أن ندفع السوق إلى العمل بآلية العرض والطلب وتصحيح حالة نفسه بنفسه وننشئ بورصة للعقارات في الإمارة.
حركة تنقلات
إلا أن صالح المنصوري رئيس شركة أبوظبي للعقارات يرى أن السوق العقارية في أبوظبي اختلفت جذرياً، فالإيجارات تراجعت بنسب كبيرة ولاينبغي أن تتراجع أكثر من ذلك.
ويرى أن إيجارات الإسكان الفاخر والقديم شهدت وتشهد تراجعا لكن هذا التراجع ليس كما كان متوقعا ، حيث مازالت أعداد الأبراج ذات الوحدات السكنية الفاخرة المطروحة فعلياً في السوق محدودة خاصة داخل مدينة أبوظبي، بينما زاد عدد الفيلات والأبراج الفاخرة خارج المدينة خاصة في مدينة محمد بن زايد الأمر الذي أحدث تراجعا كبيرا في الإيجارات.
ولفت إلى أن السوق العقارية في أبوظبي تشهد حركة تنقلات واسعة خلال الشهور القليلة الماضية مع بدء التسكين الكامل لأبراج جزيرة الريم إضافة إلى استكمال تشطيبات معظم الأبراج السكنية الشاهقة الجديدة حيث سينتقل المستأجرون أصحاب الرواتب المرتفعة للسكن في الإسكان الفاخر بعد تراجع إيجاراته ، ومن المتوقع أن تتراجع إيجارات الإسكان الفاخر (في حالة تسليم غالبية الأبراج الجديدة ) لتصبح إيجاراتها متقاربة مع أسعار السوق في الوقت الحالي وهي 95 ألف درهم للوحدة غرفتين وصالة و120 ألف درهم للوحدة السكنية ثلاث غرف وصالة ، وسيؤدي هذا التحول إلى إخلاء الكثير من البنايات السكنية القديمة الأمر الذي سيدفع إلى تراجع إيجاراتها أيضا بنسب قد تصل إلى 20% ومن المتوقع أن تصل القيمة الإيجارية للوحدة غرفتين وصالة إلى 50 ألف درهم وثلاث غرف وصالة إلى 75 ألف درهم لتعود السوق في أبوظبي إلى سابق عهدها في عام 2005.
تنظيم السوق
ويؤكد الدكتور محمد نعيمات، رئيس شركة الحصن العقارية، أن النواحي الإيجابية في سوق أبوظبي من تراجع للإيجارات وإن كان بطئيا إضافة إلى تراجع سطوة المضاربين وزيادة المعروض من الوحدات السكنية خاصة في المناطق الاستثمارية سيدفع السوق إلى مزيد من الاستقرار والتصحيح ما يزيد من تألق إمارة أبوظبي من الناحية الاستثمارية بحيث لايشكل إيجار المكاتب والوحدات السكنية همّاً ثقيلاً على الشركات الراغبة في الاستثمار في الإمارة، ولاشك أن السوق مازالت تحتاج إلى بعض الوقت لتعود إلى سابق عهدها كما تحتاج إلى مزيد من القوانين المنظمة لها.

