أظهرت قراءة في أرقام التبادل التجاري بين الصين والدول العربية خلال الـ25 عاما الأخيرة النمو المتزايد في العلاقات التجارية بين الصين والدول العربية، فقد شهد حجم التبادل التجاري بين الجانبين في السنوات الأخيرة نمواً سريعاً ومضطرداً، وحسب المتخصصين، ثمة جهود حثيثة تُبذل لرفع التبادل التجاري العربي- الصيني إلى 200 مليار دولار العام الجاري. كان التبادل التجاري الصيني- العربي سجل 36.7 مليار دولار في 2004 و51.3 مليار دولار في 2005 و65.4 مليار دولار في 2006 و80 ملياراً في 2007 ليصل إلى 133 مليار دولار في 2008، وليرتفع إلى نحو 150 ملياراً في 2010.
من ناحية اخرى تتزايد احتياجات الصين من النفط بمعدل 15% تقريباً كل عام، وهو ما يعني مزيداً من الاعتماد على النفط المستورد الذي يأتي القسم الأعظم منه من الدول العربية، وتتوقع الدراسات أنّه بحلول عام 2015، ستستورد الصين 70% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ومعظمه من الدول العربية، التي تمتلك 60% من الاحتياطي العالمي للنفط و30% من احتياطي الغاز.
كانت غرفة الشارقة أجرت العديد من الدراسات والتقارير التي تسلط الضوء على العلاقات العربية- الصينية، وعلى واقع وآفاق التبادل التجاري العربي- الصيني. يأتي ذلك بمناسبة استضافة الإمارات ممثلة بإمارة الشارقة بالتعاون مع غرفة تجارة وصناعة الشارقة فعاليات مؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين يومي 18-19 يناير والذي ينظّم بالتعاون مع جامعة الدول العربية، ووزارة الخارجية في الإمارات، واتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية، واتحاد غرف التجارة والصناعة في الدولة.
محطة مهمة
وقال حسين المحمودي مدير عام غرفة تجارة وصناعة الشارقة: تتشرف الإمارات باستضافة الدورة الرابعة من مؤتمر رجال الأعمال العرب والصينيين، الذي يعدّ محطّة مهمة على طريق تطوير العلاقات الاقتصادية بين الصين والدول العربية، حيث يهدف هذا المؤتمر إلى استكمال ما تمّ تحقيقه في الدورات الثلاث السابقة، بما يصبّ في مصلحة الجانبين، ويشكّل دفعاً للعلاقات المتبادلة نحو مزيد من التطوّر والقوّة".
تاريخ طويل
ويرجع التبادل التجاري العربي- الصيني إلى أزمنة بعيدة، فقد وصل التجار العرب شرقاً إلى الصين التي بلغوها من البصرة منذ أيام المنصور الخليفة العباسي الثاني، وكان أساس تجارتهم الحرير، وسلكت هذه التجارة طريقاً تُدعى "طريق الحرير العظيم"، مارة بسمرقند، كما أن البلاد العربية كانت المعبر التجاري الذي انتقل من خلاله العديد من المخترعات الصينية ومنها (الورق والبوصلة والبارود) إلى أوروبا والغرب. ورغم بعد المسافة بين الجانبين، وحسب المعلومات الصادرة من كتب التاريخ، فقد سافر البحار المشهور المغربي ابن بطوطة إلى الصين في القرن الرابع عشر الميلادي، كما سافر كثير من الصينيين إلى الدول العربية، وخاصة في القرن الخامس عشر، أي قبل 600 سنة تقريباً، حيث وصل البحار الصيني المشهور تشينغ هي إلى كثير من الأماكن وتعدّ التجارة من العوامل الرئيسة لنمو العلاقات بين الصين والدول العربية على مرّ الزمان، فقبل قيام العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر -على سبيل المثال- بلغت قيمة واردات الصين من القطن وغزل القطن المصري بين سنتي 1954 و1955 حوالي 36.37 مليون دولار. وقبل قيام العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية، قامت الأولى بتصدير ما يقارب 6.75 ملايين دولار عام 1976، و14.79 مليون دولار عام1977، ووصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين في سنة 1987 إلى 35.457 مليار دولار. وأدركت الدول العربية منذ فترة مبكرة أهمية الصين المتنامية، وفوائد تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية معها، فقد أصدر مجلس وزراء خارجية جامعة الدول العربية منذ عام 1998 العديد من القرارات التي تدعو الدول الأعضاء إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الصين.
خارطة المصالح المشتركة
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن هناك تماثلاً بين الجانبين العربي والصيني من حيث الطاقات الكامنة للتطور والنمو الاقتصادي لدى كل منهما، كما أنهما يتسمان بالتكامل أيضاً، ما يشير إلى وجود آفاق رحبة أمام التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين، فالدول العربية وخاصة الخليجية منها من أغنى مناطق العالم من حيث حجم احتياطي النفط وكميات إنتاجه، علاوة على وفرة المواد البتروكيماوية والموارد الطبيعية الأخرى التي تعتمد الصين عليها اعتماداً رئيساً في استدامة التنمية السريعة لاقتصادها الوطني، ما يؤكد أن خارطة المصالح المشتركة بين البلدان العربية والصين قد توسعت إلى درجة كبيرة. وتوفّر الحقائق السكانية إمكانيات هائلة للتعاون الاقتصادي والتجاري العربي، فعدد سكان الصين والدول العربية معاً أكثر من مليار وستمائة مليون نسمة، أي أكثر من ربع سكان العالم، وفي عام 2006 كان إجمالي الناتج المحلي للجانبين العربي والصيني حوالي أربعة تريليونات دولار ، وبلغ حجم التجارة الخارجية لهما أكثر من 2,5 تريليون دولار.
صادرات وواردات
ووفقاً للإحصاءات المتاحة، تبلغ نسبة الصادرات إلى الدول العربية من إجمالي الواردات الصينية 4.4 % صعوداً من 2.7 %، في مقابل واردات الصين من العالم العربي في الفترة نفسها التي ارتفعت إلى 70.3 مليار دولار من 7.5 مليارات دولار، وتضاعفت نسبتها من إجمالي الواردات إلى 6.2 %. وكانت السعودية -أكبر اقتصاد عربي- أعلنت الاتفاق على وضع 60 مليار دولار حجماً مستهدفاً للعلاقات التجارية المشتركة بين البلدين خلال السنوات الخمس المقبلة. وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين 1.09 مليار دولار في عام 2003 منها 153 مليون دولار صادرات مصرية للصين، و937 مليون دولار صادرات صينية إلى مصر بزيادة نسبتها 15.4 % على عام 2002، ثم ارتفع الرقم في عام 2004 إلى 1.5769 مليار دولار منها 187.94 مليون دولار صادرات مصرية للصين و1.389 مليار دولار صادرات صينية لمصر. وفي عام 2005 تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين، لأول مرة في تاريخهما ملياري دولار، حيث وصل إلى مليارين ومائة وخمسين مليون دولار. وتتركز الصادرات المصرية للصين في مواد البناء، بما فيها الرخام والجرانيت، والقطن، والنفط الخام، والسجاد الصناعي، والبلاستيك ومنتجاته، والحديد والصلب، والأدوات الصحية، والكتان، والكريستال، والزجاج، والفواكه ومركزات العصائر. أمّا الواردات المصرية من الصين فتشمل المنتجات الحيوانية والمنسوجات، والمنتجات المعدنية، والأجهزة الكهربائية ومكوناتها، ولعب الأطفال، والأدوات المدرسية والأحذية.
ومن أهم الصادرات الصينية للدول العربية الآلات الميكانيكية والمنسوجات ومنتجات الصناعات الخفيفة، كما تقوم الصين -بدورها- باستيراد النفط الخام والغاز الطبيعي والفوسفات من الدول العربية. وقد أصبحت الدول العربية ثامن أكبر شريك تجاري للصين، حيث وصل حجم استيراد الصين للنفط العربي سنة 2006 إلى 74.98 مليون طن، شكلت 51.6 % من إجمالي واردات الصين من النفط.
وبالمقابل هناك السوق الصينية، ذات القدرة الشرائية المتنامية أيضاً، والتي تمثل سوقاً واعدة لصادرات السياحة العربية وصادرات المواد الخام والمواد الأولية، من رخام وفوسفات ومنتجات زراعية. فالصين مرشحة لأن تكون أكبر شريك تجاري لكثير من الدول العربية بحلول عام 2015 وربما قبل ذلك.
آفاق واسعة
في كلمته أمام مؤتمر رجال الأعمال لمنتدى التعاون الصيني العربي، في دورته الأولى عام 2005، قال جيا تشينغلين رئيس "اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي الصيني" إنّ الأوضاع الدولية تعيش حالياً تغيرات عميقة، وتشهد (العولمة الاقتصادية) تقدماً نوعياً متواصلاً، وتأتي العلوم والتكنولوجيا بجديد وحديث كل يوم، والصين والدول العربية كقوتين كبيرتين في صفوف الدول النامية تواجههما فرص جديدة وتحديات جديدة على الطريق إلى السلام والتنمية، وإن تحقيق التنمية الاقتصادية وتقوية قدرات الدولة الشاملة ورفع مستوى معيشة شعوبنا تمثل مهامَّ مشتركة على عاتقنا في ظلّ الظروف الجديدة، فالعلاقات الصينية العربية أمامها فرص سانحة وآفاق واسعة، دعنا نتحرك بجهود متضافرة لدفع التعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين والدول العربية ليعطي ثماراً جديدة ووافرة لما فيه الخير للشعب الصيني والشعوب العربية". وأضاف تشينغلين: "إنّ تعزيز الصداقة والتعاون مع الدول العربية على نحو شامل يعدّ سياسة مقررة لحكومة الصين. ونحن سنلتزم بتكثيف التبادل الاقتصادي والتجاري بهدف تحقيق التنمية المشتركة؛ وتوسيع وتعميق التواصل الثقافي بما يحقق الاستفادة المتبادلة؛ فمهما كانت تقلبات الأوضاع الدولية، ستبقى الصين والدول العربية كشريكين وصديقين حميمين.
لقد اخترنا التنمية المشتركة كهدف لعملنا وضمان أساسي لنا للتعاون المستديم. فالالتزام بمبدأ المنفعة المتبادلة والمكاسب المشتركة وحده، يمكّن التعاون المشترك أن يدوم، لذلك يتعين على الجانبين العمل على توظيف أواصر الصداقة والثقة المتبادلة لدفع التعاون المبني على المنفعة المتبادلة اقتصادياً وتجارياً، فنحن نحمل ثقة راسخة تجاه المستقبل الواعد للتعاون الصيني- العربي". هذه الحقائق ترجح أن يكون العرب والصينيون من أهم شركاء القرن الواحد والعشرين، وإن كان ذلك يتطلب من الجانبين وعياً متزايداً بالأهمية الاستراتيجية لشراكته مع الآخر، وكل منهما مطالب باتخاذ مزيد من الخطوات التي تعضد العلاقات الاقتصادية المتنامية بينهما.
تيسير الشروط
وفي هذا الصدد، يقول الخبراء إن الصين مطالبة بتيسير شروط نفاذ المنتجات والسلع العربية إلى أسواقها، ومنحها شروطاً تفضيلية من خلال تخفيض الرسوم الجمركية وتوجيه الشركات الحكومية لاستيراد المنتجات العربية، لكي يساهم ذلك في تقليل فجوة العجز في الميزان التجاري غير النفطي العربي- الصيني والذي يميل بشدة لصالح الصين. وهذه الخطوة من جانب الصين سيكون لها أثر إيجابي على رواج منتجاتها في الدول العربية، وتجنب الانتقادات التي توجه إليها بإغراق الأسواق العربية وتهديد صناعات عربية معينة. وإلى ذلك، يشير الخبراء إلى أن تكتلاً اقتصادياً عملاقاً بين الدول العربية والصين تتشكل ملامحه الأولية، وهو تكتل، حال تحققه، سوف يخلق فرصاً بلا حدود للاستثمار والنمو الاقتصادي والاستقرار الداخلي في الدول المشاركة فيه.

