النجاح الكبير المتواصل الذي تحققه إمارة دبي في مجال التجارة وأدى إلى احتلال دولة الإمارات المرتبة الخامسة عالمياً في مجال التجارة عبر الحدود من ضمن 183 دولة في العالم، لا يعود إلى تميز الموقع الجغرافي للدولة فحسب وإنما إلى نجاح هذه الإمارة العجيبة في تحويل ميزة الموقع إلى عامل استراتيجي وتنافسي وهو ما لم تنجح فيه دول أخرى عدة تمتلك ميزات فريدة لا تملكها دبي.
دبي التجارية وهي شبكة تجارية إلكترونية لتسهيل تجارة وتبادل السلع والبضائع والخدمات التجارية واللوجستية تمثل قصة نجاح فريدة تبوح لنا عن واحد من أهم أسرار تميز دبي، وتبرهن لماذا تصمد هذه الإمارة أمام العواصف العالمية العاتية يوماً وراء الآخر، كما تكشف عن أن النجاحات الباهرة قد تبدأ بأشياء بسيطة جداً لكن مع التطوير والعزم المتواصل تجني فوائد بمئات المليارات من الدراهم.
مجلس الإمارات للتنافسية في أحدث إصداراته للعام الجديد 2012 بعنوان «التنافسية.. سياسات وممارسات تجربة دبي التجارية في الخدمات اللوجستية» أثبت كيف حققت دبي التجارية نجاحاً باهراً في «جعل التجارة أسهل وأسرع وبكلفة أقل وفعالة لجميع أصحاب المصلحة من خلال التحسين المستمر للعملية التجارية وتطبيق التكنولوجيا»، الأمر الذي وفر على الدولة مليارات الدراهم.
توفير المليارات
ووفقاً للدراسة فإن دبي التجارية نجحت في تقليص إجراءات الاستيراد والتصدير من وإلى الدولة من 12 يوماً إلى 7 أيام فقط علماً بأن توفير إجراءات تخليص البضائع في 3 أيام فقط وفقاً للدراسة يوفر للدولة 184 مليار درهم أي 40.2 مليار دولار تمثل 17% من الناتج المحلي الإجمالي، كما أدى إلى احتلال دولة الإمارات مكانة مرموقة في مجال التجارة عبر الحدود والانفتاح التجاري العالمي سبقت بها دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عالية الدخل والتي تستغرق فيها إجراءات تصدير واستيراد البضائع لحاوية واحدة 11 يوماً وبكلفة تزيد على ألف دولار، بينما لا تزيد تلك الإجراءات في دبي على 7 أيام وبكلفة تصل إلي 635 دولاراً أي نصف الكلفة تقريباً.
نوهت الدراسة إلى أن دبي التجارية تمثل شبكة واسعة من مؤسسات القطاع الخاص والعام يتم تمويلها من قبل الجهات الحكومية ومقدمي الخدمات من القطاع الخاص.
أسرار القوة
واحدة من أهم خصوصيات دبي التجارية وأسرار قوتها، أنها لاتزال توجه تركيزها بشكل كبير على مهمتها الأساسية في جعل التجارة أسهل وأسرع وبكلفة فعالة لجميع أصحاب المصلحة من خلال التحسين المستمر للعملية التجارية وتطبيق التكنولوجيا، وقد أثمرت هذه السياسة في السنوات الست الماضية، حيث حققت دبي التجارية نجاحاً ملحوظاً في تسهيل تجارة السلع والخدمات من خلال دولة الإمارات.
شبكة متكاملة
وكشفت الدراسة عن تفاصيل تميز دبي التجارية، فأوضحت أنها نمت لتصبح شبكة متكاملة شاملة تركز جهودها على تنفيذ مهمتها في جعل التجارة أسهل وأسرع، وذلك عبر تطوير إجراءات أداء الأعمال واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وكان أحد أولويات دبي التجارية الأساسية، استخدام أحدث التكنولوجيا الحديثة استجابة لمتطلبات عملائها في استحداث معاملات تجارية فاعلة دون الحاجة إلى وثائق ورقية.
وقالت الدراسة: تعد الواجهة العمومية لدبي التجارية نافذة واحدة شاملة على شبكة الانترنت، والتي تقدم وفرة من المعلومات حول البضائع التي تصل إلى وتغادر من حدود دولة الإمارات، ولوحظت زيادة في المعاملات من خلال الخدمات الإلكترونية، وتمت إضافة الخدمات ليصل إلى أكثر من 800 خدمة تتضمن خدمات مثل حجوزات المراسي والنقالات وتراخيص عدم الممانعة وخدمات تخليص السيارات وغيرها.
ويتشكل مجتمع دبي التجارية من أكثر من 52 ألف عضو من ضمنهم التجار والمؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص، بالإضافة إلى منظمات غير ربحية، والجدير بالذكر أنه في العام 2010 تم تسجيل أكثر من 11.4 مليون عملية تجارية في سجلات دبي التجارية أي بزيادة قدرها 25% عن العام 2009.
خدمات فريدة
وتضرب الدراسة مثلاً بخدمة «إي توكين» التي تقدمها دبي التجارية وهي عبارة عن نظام شبكي على الإنترنت تم تطويره ليلغي ضرورة الحضور شخصياً وتسليم الوثائق الورقية باليد عند استلام وتسليم الحاويات في منطقة مرفأ جبل علي، ولوحظ في بداية إطلاق الخدمة عدم استخدامها من قبل سائقي الشاحنات، وقامت دبي التجارية بتطوير وسائل مبتكرة لتدريب أولئك السائقين على استخدام النظام الجديد مثل معسكرات «أي توكين» في مواقف جبل علي، وقد تلقي السائقون تدريباً في أساسيات استخدام الحاسب الآلي وفي خدمات «أي توكين» بلغتهم الأم، وفي نفس الوقت تم تطوير موقع خاص سهل التصفح مكرس للنظام الجديد ومزود بدلائل مصورة، وبعد ذلك قامت دبي التجارية بإنشاء أكشاك في مواقع رئيسة ليتمكن السائقون عبرها من التعامل مع بوابة دبي التجارية الإلكترونية، وبحلول شهر مايو 2011 كانت نسبة مستخدمي النظام الجديد من السائقين بلغت أكثر من 93% وذلك من إجمالي الحاويات المقبلة والمغادرة لميناء جبل علي.
3 محاور رئيسية
وأوضحت الدراسة أن تحسينات دبي التجارية كان لها الأثر الإيجابي في كل من القطاعين العام والخاص، وخاصة على ثلاث محاور رئيسية أولها التنسيق بين الجهات الحكومية، حيث استفادت الهيئات المشاركة في شبكة دبي التجارية من توافر جميع أنظمة المعلومات تحت سقف واحد ولم يعد هناك من مجال للتكرار والازدواجية في الأنظمة، ما أدى إلى خفض كلفة التشغيل بالإضافة إلي ذلك فقد أدى استخدام الأنظمة الإلكترونية لدى سلطات الجمارك والتجارة إلي معالجة إدارية أفضل وأكثر شفافية، ما رفع كفاءة نشاط نقل البضائع عبر حدود دولة الإمارات بشكل أكثر فاعلية وأعلى ضبطاً، وتعززت هذه الفاعلية من نمو قطاع التجارة، كما صاحب ذلك ارتفاع في العوائد والأرباح التي تدرها على الهيئات الحكومية مثل الجمارك وإدارة المرافئ وسلطات النقل. وعلى صعيد المحور الثاني فقد جنى التجار فوائد جمة نتيجة تحسين الإجراءات التجارية في دولة الإمارات، وبصفة خاصة على صعيد التوفير في الوقت الأمر الذي مكنهم من إنجاز المزيد من عمليات التبادل التجاري، وانخفض الوقت المستهلك في استيراد وتصدير الحاويات بنسبة 50%.
ولفتت الدراسة إلى أثر إيجابي آخر مثل المحور الثالث وهو تضاعف التجارة في دبي خلال العقدين الماضيين بنسبة نمو زادت على 12 مرة عن نسبة النمو العالمي، حيث ازداد مجموع الصادرات العالمية ما بين عامي 1994 إلى 2009 بما نسبته 120% أي كان الازدياد من 5 تريليونات إلي 11 تريليون دولار عالمياً، بينما كانت النسبة التي ارتفع بها مجموع صادرات دبي في ذات الفترة الزمنية 1500% أي إلي قيمة مالية قدرها 14 مليار دولار.
وأكدت الدراسة أن تميز دبي التجارية كان سبباً في احتلال دولة الإمارات درجة عالية في مؤشر انفتاح دولة الإمارات في المجال التجاري، حيث وصلت إلى المرتبة السادسة عالمياً بنسبة 172.7 % وذلك ضمن أكثر عشر دول انفتاحاً على التجارة في العالم.
