أكدت وثيقة صادرة عن مجلس دبي الاقتصادي ان الصناعة والتجارة اسهمتا في قيادة الطفرة الاقتصادية في الدولة. وانطوت «وثيقة عصر الاتحاد» على استعراض موجز لأهم ملامح مسيرة الاقتصاد الوطني ومفاصلها خلال العقود الأربعة الماضية وأكدت الوثيقة أن الامارات تعد اليوم ثاني أكبر اقتصاد خليجي وعربي، ومن بين أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.
وطوال الـ40 عاماً الماضية شهد الناتج المحلي الاجمالي للدولة نمواً مطرداً، حيث ازداد من 6.5 مليارات درهم في عام 1971 ليقترب من 1248 مليار درهم في العام الجاري 2011، أي بزيادة تقدر بـ 192 ضعفاً.
وشهد قطاع الصناعة في الدولة خلال السنوات الماضية تطوراً ملحوظاً من حيث عدد المنشآت وحجم الاستثمارات وعدد العاملين فيها. كما طرأ تطور ملموس في جودة المنتجات الصناعية الوطنية وارتفعت قدرتها التنافسية في الأسواق المحلية والعالمية.
وطبقاً لأحدث التقارير فقد ازداد عدد المنشآت الصناعية في مختلف أرجاء الدولة من حوالي 3567 منشأة بحجم استثمار بلغ 70.424 مليار درهم وعدد عمال 264 ألفا في عام 2006 الى 4960 منشأة بحجم استثمار بلغ 101.189 مليار درهم في نهاية العام الماضي 2010 ما يعكس توجه الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية لتنمية القطاع الصناعي. هذا وتسعى الدولة إلى زيادة مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الاجمالي ليصل الى نسبة 25% خلال السنوات المقبلة.
وأفادت الوثيقة بأن معدلات النمو الاقتصادي للإمارات بلغت خلال السنوات الماضية أرقاماً فلكية تجاوزت مثيلاتها في العديد من الدول المتقدمة والأسواق الناشئة، حيث وصل معدل النمو خلال السنوات الخمس الماضية نسبة 34%. كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي من 100 الف درهم عام 1975 الى 174 ألف درهم عام 2011.
وقال هاني راشد الهاملي الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي إن اليوم الوطني لدولة الإمارات ليس مناسبة تقليدية، بل هو وقفة تأمل لمسيرة متدفقة استطاعت أن تتحول الى أنموذج تنموي وحضاري للعالم أجمع.
وذكر الهاملي، أن دولة الإمارات شهدت منذ تأسيسها تطورات متواصلة في المجال الاقتصادي. كما تقوم الفلسفة الاقتصادية للدولة على مبدأ الحرية في ممارسة النشاط الاقتصادي ومنح كافة الفعاليات الاقتصادية الفرص المتكافئة للمشاركة في العملية التنموية، اضافة الى توفير البنية التنظيمية والقانونية من أجل بيئة أعمال منافسة تعزز روح العمل والريادة والمبادرة والابتكار.
نهضة اقتصادية متدفقة
وقال المجلس: إن المتابعة المتأنية لتجربة دولة الامارات في المجال الاقتصادي منذ تأسيسها في عام 1971 وحتى اليوم تفيد بأنها تجربة فريدة قل نظيرها على مستوى المنطقة والعالم. فقد استطاع مؤسسو هذا الاتحاد المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم (رحمهما الله)، واخوانهما حكام الامارات وبإرادة راسخة وخطى واثقة وخلال فترة قياسية أن يجعلوا من الامارات مركزاً اقليمياً للمال والأعمال، وان يرسخوا مكانتها في خريطة الاقتصاد العالمي.
تنويع مصادر الدخل
وتشير التقارير المحلية والدولية الى أن النمو الاقتصادي المطرد الذي شهدته الامارات طوال السنوات الماضية لا ينسب الى انتاج الطاقة وتصديره كما هو الحال لدى الكثير من الاقتصادات النفطية، بل الى استراتيجية تنويع مصادر الدخل التي اتبعتها الدولة، وتقليل الاعتماد على النفط مقابل الولوج في قطاعات أخرى، مثل الخدمات المالية واللوجستية والسياحة والتجارة والصناعة، حيث أستطاعت الدولة أن تسجل مستويات قياسية في تنمية هذه القطاعات بل وباتت تنافس بها الكثير من اقتصادات العالم.
وطبقاً للاحصائيات فقد انخفضت نسبة مساهمة النفط في الناتج المحلي الاجمالي لدولة الامارات من 70% في عام 1971 الى 29% في عام 2010 مقابل 71% للقطاعات غير النفطية. كما أن القطاعات الاقتصادية عدا النفط الخام قد نمت إلى 749.1 مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية، مقابل 511 مليار درهم بنهاية عام 2006، بزيادة بلغت 46%.
ويمثل هذا التوجه احدى أهم الانجازات التي حققتها الدولة في المجال الاقتصادي نظراً لمساهمتها في تعزيز استقرار الاقتصاد الوطني ولأسباب عدة تأتي في مقدمتها التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والصناعة باتجاه المجالات التي لاتعتمد على المواد الأولية أو الطاقة، اضافة الى ما تشهده أسعار النفط من تقلبات دورية فضلاً عن المتغيرات الجيوسياسية والتي عادة ما تترك اهتزازات في الاقتصادات المصدرة للنفط.
توقعات متفائلة
وتفيد التوقعات نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي لدولة الإمارات بمعدل 3.3% في العام الجاري 2011 ليرتفع إلى 3.8% في العام القادم 2012 مقارنة بما بلغه 2.3% في 2010. وتأتي هذه التوقعات في وقت لم تسجل الكثير من الدول المتقدمة معدلات مشابهة لما حققته الامارات، فعلى سبيل المثال، يتوقع أن تصل معدلات النمو في نهاية العام الجاري في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وبريطانيا 2%، 2.2%، 1% على التوالي.
علاوة على ذلك، من المتوقع أن تحقق الإمارات فائضاً في حسابها الجاري بنسبة تصل إلى 10.3% من إجمالي ناتجها المحلي في عام 2011 و 9.2% في العام القادم 2012 وذلك مقارنة بـ 7% في 2010.
الخريطة الجينية للاقتصاد
وقال تقرير المجلس: يعد النفط والغاز القطاع الأهم في نمو وتطور الدولة، حيث تم استغلاله بشكل اقتصادي مدروس وساهم في توفير البنية التحتية المتينة وتنمية القطاعات الاقتصادية الأخرى. كما تطورت الصناعة التحويلية في الدولة بشكل كبير بوصفها المحرك للنمو الاقتصادي والقادر على إحداث تغييرات هيكلية في الاقتصاد المحلي.
وتمتلك الدولة العديد من الصناعات غير النفطية أهمها الصناعات المعدنية، والكيمياويات، والأثاث وصناعة الخشب، وصناعة الألمنيوم، ومواد البناء، والآلات والمعدات وغيرها. هذا وقد تطور قطاع النقل والمواصلات بشكل ملموس طوال السنوات الماضية.
الاستثمارات الصناعية
وقد لعب مصرف الامارات الصناعي دوراً محورياً في تحقيق التنمية الصناعية في الامارات من خلال تمويل عشرات المشاريع الصناعية الكبرى.
القطاع الزراعي
حققت الامارات إنجازات غير مسبوقة في القطاع الزراعي على الرغم من تحديات الطبيعة من تصحر وشح المياه، بيد أن حرص قيادة الدولة على توفير الغذاء كأحد مقومات الأمن الاقتصادي الوطني قد ساهم في تنمية القطاع الزراعي وبقية الانشطة المرتبطة به وأصبحت الامارات تصدر اليوم مختلف المنتجات الغذائية الى أسواق العالم.
وفي خضم مسيرة التنمية، لم تغفل الدولة عن البيئة، فقد اعتبرت حماية البيئة هدفاً رئيسياً لاستراتيجية التنمية المستدامة، وبذلت جهوداً مكثفة في ظروف بيئية قاسية لمعالجة ظاهرة التصحر وزيادة الرقعة الخضراء وتطوير الموارد المائية.
البنية التحتية
واستطاعت دولة الامارات طوال العقود الأربعة الماضية أن تؤسس بنية تحتية عصرية ومتينة توفر مختلف حاجات المواطنين ومؤسسات الأعمال من الخدمات العامة. ولم تقتصر هذه البنية على المشاريع التقليدية من طرق وجسور وطاقة بل تعدتها لتشمل إقامة المناطق الاقتصادية والمتخصصة، والمناطق الحرة والتي تجاوز عددها 30 منطقة والمنتشرة في العديد من إمارات الدولة.
وتقام هذه المناطق على مفهوم جديد من النظم التشريعية الاستثمارية، مثل انعدام الضرائب، والسماح بملكية الأجانب للشركات والأراضي، وتسهيلات عملية التوظيف، وغيرها. واليوم تحتضن هذه المناطق مقرات لمئات الشركات العالمية العاملة في مختلف النشاطات والتي أصبحت منطلقاً لعملياتها في دول المجلس ومنطقة الشرق الأوسط.
كما عمل قطاع العقارات على مستوى إمارات الدولة وخاصة في أبوظبي ودبي على تحويل الدولة إلى واجهة عقارية مصنفة عالمياً ذات مفاهيم جديدة، أهمها الأبنية الخضراء.
السياحة مورد لاينضب
ولعبت السياحة دوراً أساسياً في مسيرة التنمية الاقتصادية لدولة الامارات. حيث ازدادت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الاجمالي للدولة من 3.5% في عام 1995 الى 6.2% في عام 2010. وسجل قطاع السياحة رقماً قياسياً العام الماضي 2010 من حيث عدد الزوار والسواح الذين استقطبتهم البيئة الاماراتية، حيث وصل عدد هؤلاء أكثر من 10 ملايين سائح. وبتوظيف الزخم والجاذبية التي يتميز بها القطاع، فأنه من المؤمل أن يصل عدد السائحين الى الدولة في عام 2010 بحدود 15 مليون سائح.
التجارة الخارجية
أكد تقرير مجلس دبي الاقتصادي أن التجارة الخارجية شكلت محركاً لنمو الاقتصاد الوطني. وترتبط الدولة بشبكة واسعة من العلاقات التجارية مع العديد من دول العالم الشقيقة والصديقة، وأبرمت معها العديد من الاتفاقيات، وشملت هذه التجارة الصادرات والواردات وإعادة الصادرات.
وبمتابعة الاتجاه العام لتجارة الدولة طول السنوات الماضية يتضح أن معدل نموها لم ينخفض سوى في عام 2009 نتيجة لتدهور التجارة الدولية بأسرها آنذاك على أثر تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية.
هذا وتشير التقديرات الى ان حجم التجارة الخارجية للدولة سينمو بمعدل 24-25% في نهاية العام الجاري 2011 بفعل التحسن الكبير في البيئة الاقتصادية الاماراتية. و
على نحو محدد، تشير بيانات وزارة التجارة الخارجية إن حجم التجارة غير النفطية للإمارات ازداد من 13 مليار درهم في عام 1971 إلى 1737 مليار درهم عام 2011، أي بأكثر من 133 ضعفاً. وفي العام الماضي بلغت قيمة التجارة قرابة 753 مليار درهم أي ما يناهز 70% من اجمالي الناتج المحلي للدولة، وبنمو بلغ نسبة 14% مقارنة بعام 2009.
واحتلت الامارات العام الماضي المرتبة 13 من بين أكبر الدول المصدرة، حيث بلغ حجم صادراتها 235 مليار دولار بما يناهز 2% من صادرات العالم من السلع الاجمالية. وكذا الحال بالنسبة للاستيراد، حيث صنفت الدولة من بين أكبر الدول المستوردة في العالم واحتلت المرتبة 18 وبقيمة 170 مليار دولار من السلع التجارية أي ما يمثل 1.4% من إجمالي واردات العالم.
إعادة الصادرات
وتعد الإمارات اليوم إحدى أهم مراكز تجارة إعادة التصدير على مستوى المنطقة والعالم. ويأتي قطاع إعادة التصدير في المرتبة الثانية من حيث الأهمية النسبية في هيكل التجارة الخارجية للدولة (25%). وقد حافظت هذه التجارة على قيامها خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى وصلت إلى 9 .185 مليار درهم في عام 2010. وتوزع إعادة الصادرات إلى 202 دولة إقليم جمركي، وتتركز في آسيا وخاصة الهند.
الواردات
وتسهم الواردات بنسبة ثلثي التجارة الخارجية للدولة، حيث بلغت قيمتها 485.4 مليار درهم عام 2010. وتعد آسيا المجهز الرئيسي للإمارات، حيث تبرز الهند في مقدمة الأسواق الآسيوية الموردة للدولة. هذا وتشير البيانات الى ان حوالي ثلث الواردات يعاد تصديرها للخارج مما رفع من قيمة عمليات إعادة التصدير طوال السنوات الماضية.
بيئة أعمال محفزة
وقال التقرير: استطاعت دولة الامارت أن تتحول خلال العقود الماضية الى حاضنة للأعمال والاستثمار في مختلف القطاعات، ومما ساعدها في ذلك وجود بيئة اقتصادية كلية محفزة أدت الى جذب العديد من الاستثمارات العالمية التي تعمل في العديد من القطاعات وساهمت في احداث نقلات في المعرفة التكنولوجية والكفاءات وجلب رؤوس الأموال. ويشير تقرير توقعات الاستثمار العالمية الذي تصدره منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "UNCTAD" الى أن الامارات ضمن أفضل 30 موقعا عالميا للاستثمار الأجنبي المباشر، كما جاءت الدولة بالمرتبة 46 على مستوى العالم في مقياس الحرية الاقتصادية متجاوزة العديد من دول المنطقة والعالم.
استحقاقات الاقتصاد المبني على المعرفة أهم تحديات الفترة المقبلة
دعا تقرير مجلس دبي الاقتصادي إلى تلبية استحقاقات الاقتصاد المبني على المعرفة التي تبنتها الدولة كاستراتيجية طويلة الأجل بغية استدامة تنميتها الاقتصادية والوقوف بثبات في اقتصاد عالمي متغير وذلك من خلال حشد كافة الطاقات والفعاليات وتطوير القدرات العلمية والابتكارات وتعزيز رصيد الدولة من رأس المال البشري، من خلال الاستثمار في التعليم والتدريب من أجل تطوير الانتاجية والكفاءة الاقتصادية.
وأوصى باستكمال سلسلة الاصلاحات الاقتصادية والمؤسسية التي تقوم بها الدولة للوصول الى مرحلة اقتصاد المعرفة، مثل استمرار الاصلاحات في سوق العمل بجهة تعزيز استخدام العمالة الماهرة واصحاب الكفاءات، والتحول الى القطاعات التي تحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، اضافة الى تعزيز جانب السياسات المرتبطة بالتوطين من أجل زيادة نصيب العمالة المواطنة في سوق العمل وخاصة في القطاع الخاص، اضافة الى توسيع مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي.
وأكد أهمية تعزيز مفاهيم الحوكمة الرشيدة في مؤسسات القطاعين العام والخاص، بما يشمل ذلك المحاسبية والشفافية بوصفها متطلبات أساسية لتحقيق هذا الهدف.
وطالب بتفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال اتباع أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال.
استكمال البنية التحتية القانونية والتشريعية التجارية، وملء الفجوات التي تعتري الاقتصاد الوطني من أجل خلق بيئة اعمال محفزة على الابتكار والابداع والانتاجية، وجاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية.
ودعا إلى اتخاذ السياسات والاستراتيجية التي تكفل رفع مستوى معيشة أفراد المجتمع وتوفير الحد الأدنى للدخول لاسيما بالنسبة للعمال وصغار الموظفين وتوفير كافة الحاجات الأساسية لهم، والعمل الجاد على خفض معدلات التضخم من أجل جعل البيئة الاماراتية يسيرة العيش.
وقال: لابد من إيلاء الاهتمام الخاص بقطاعي التعليم والصحة بوصفهما مفتاحين لتنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وشدد على ضرورة الاهتمام بقضايا الاستدامة المالية من خلال اتباع سياسات مالية ونقدية تضمن تدفقات للإيرادات المالية مقابل استدامة الانفاق العام على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
كما دعا إلى تعزيز العمل الوطني الهادف الى ترسيخ التكامل بين إمارات الدولة، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الدولة على صعيد علاقاتها الاقليمية والدولية.
