يواجه قطاعا المقاولات والصناعة في أبوظبي تحديات وصعوبات جمة تؤدي إلى تقليص مساهمتها في النمو الاقتصادي للإمارة مما يعيق تنفيذ رؤية أبوظبي 2030 الهادفة إلى زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج الإجمالي للإمارة. واستضافت غرفة أبوظبي نخبة من قيادات ومسؤولي قطاعي المقاولات والصناعة واتحاد الصناعيين أول من أمس في ورشة عمل نقاشية تحدثوا خلالها صراحة وجرأة عن الهموم التي يعايشونها والأعباء التي يعانون منها وشددوا على ضرورة الدعم الحكومي لمواجهة التحديات الكبيرة.

الهموم تعددت بين معاناة شديدة للعديد من شركات المقاولات واستئثار الشركات الأجنبية بالسوق وارتفاع إيجارات المصانع بنسب غير معقولة وتضاعف الرسوم وطول الإجراءات وصعوبة الحصول على التراخيص وارتفاع تكلفة الإنتاج وضعف التصدير والتسويق وغياب التمويل وارتفاع نسب الفائدة على القروض وتضارب المواصفات واللوائح والقوانين بين إمارات الدولة وغياب القوانين المشجعة.

 

القطاع العقاري

القطاع العقاري يمر بمرحلة شديدة الصعوبة ويواجه تحديات جمة حسبما تؤكد المهندسة فاطمة عبيد الجابر رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سيدات أعمال أبوظبي رئيسة لجنة المقاولات والتشييد التابعة لغرفة أبوظبي مشيرة إلى أن هذه التحديات الكبيرة ستقلص من مساهمة هذا القطاع في الناتج الإجمالي للإمارة .

وتقول: القطاع العقاري نما بقوة مع نمو الإمارة وأهم وأكبر التحديات التي يواجهها القطاع في أبوظبي يتمثل في توقف أو تخفيض عدد مشاريع المقاولات والبنية التحتية الجديدة في الأمر الذي يشكل ضغطا كبيرا على الشركات. ونوهت إلي أن تداعيات الأزمة المالية العالمية أثرت على الحالة العامة لاقتصاد الإمارة وبالتالي ظهر التأثير جليا على حجم مشاريع المقاولات حيث قل عدد المشاريع بينما زاد عدد الشركات وشهدنا منافسة قوية على أسعار المناقصات الجديدة الأمر الذي شكل ضغطا إضافيا على القطاع ككل.

 

تشريعات ورسوم فجائية

وأشارت إلى تحد آخر وهو فرض العديد من الدوائر المحلية رسوما وتشريعات جديدة بشكل فجائي و اقترنت هذه الرسوم والتشريعات بشروط صعبة على شركات المقاولات مما زاد من الضغوط عليها. وأوضحت أن المقاولين في أبوظبي يعانون من تعدد الجهات والإجراءات اللازمة لإنجاز عملهم وبلا شك فإن المقاول يمر بسلسلة طويلة ومعقدة من الإجراءات حتى يبدأ في تنفيذ مشروعه. ففي بعض الأحيان يضطر المقاول للحصول على موافقات من 30 جهة حكومية للحصول على الترخيص كما أن عملية استئجار الأراضي في أبوظبي تتطلب وقتا طويلا جدا والحصول على الرخصة الصناعية عملية صعبة ومعقدة جدا وهناك إجراءات كثيرة نواجهها وتتم ببطء شديد.

ونوهت إلى تحدي آخر يتمثل في أن القطاع العام ينظر لقطاع المقاولات الخاص بنظرة سلبية مما يزيد من الأعباء عليه على الرغم أن العلاقة الطبيعية بينهما هي المشاركة. وقالت: لابد أن ننظر إلى القطاع الخاص في أبو ظبي بصفة عامة وقطاع المقاولات نظرة إيجابية حيث أنه قطاع ضخم جدا وبها كفاءات ومهارات فائقة التميز نفتخر بها عربيا وعالميا خاصة أن هذه الكفاءات البشرية نمت وتطورت مع تطور قطاع المقاولات ومن السهل جدا أن يجذب قطاع المقاولات إليه المواطنين للعمل فيه بدلا من اعتماده على العمالة الوافدة.

 

دعم حكومي

وطالبت الجابر بدعم حكومي لقطاع المقاولات مقترحة أن يتوجه هذا الدعم عن طريق توسيع استخدام التكنولوجيا في قطاع وصناعة المقاولات في الإمارات بما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على العنصر البشري وزيادة الاعتماد على العنصر المواطن كذلك لابد أن توفر الحكومة مشاريع جديدة لنمو هذا القطاع بما يؤدي في النهاية إلى نمو وتزايد حركة بناء وتعمير الوطن.

وشددت فاطمة الجابر على أنه يقع على عاتق الحكومة مسؤولية كبيرة في تهيئة البيئة الجاذبة والمساعدة والمشجعة للنشاط والعمل مؤكدة على أن التشريعات الجديدة في أبوظبي هي تشريعات منظمة وليست مشجعة بل تقلصت بها أنشطة قطاعات اقتصادية عديدة، وإذا كانت حكومة أبوظبي تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي للإمارة من 25% إلى 60% فإن هذا لن يحدث في ظل القوانين الحالية لأننا بحاجة إلى قوانين جديدة مشجعة للاستثمار وتساعد على الاستمرار في زيادة مساهمة القطاع الخاص وتشجيع المستثمرين لزيادة استثماراتهم كما أننا بحاجة إلى قوانين التصدير التنافسية كما لابد أن تساعد الحكومة الشركات والمصانع الوطنية في تسويق منتجاتها ومشاريعها علما بأننا لانصدر بترولا فقط بل نصدر منتجات عديدة سواء خدمية أو صناعية وشركاتنا ومصانعنا قادرة على المنافسة شريطة دعم حكومي.

 

قطاع يحتضر

وتحدث أحمد خلف المزروعي رئيس جمعية المقاولين في أبوظبي عن تحديات أخرى يواجهها قطاع المقاولات في أبوظبي فقال: قطاع المقاولات في أبوظبي يعاني بشدة حيث أن الكثير من الشركات أغلقت أبوابها وهناك شركات أخري تسير إلى نفس المصير ونحن لانلقي باللوم على أية جهة وخاصة الحكومة بل المشكلة في الوضع العام الذي لا تختص به إمارة أبوظبي عن غيرها ونتمنى أن تنظر الحكومة لهذا القطاع نظرة جديدة ولاتسن قوانين تصب ضد مصلحة هذا القطاع ونحن لانعترض أو نرفض القوانين الجديدة لكن نؤكد أن بعض هذه القوانين تكبد المقاولين رسوما كبيرة وأعباء ثقيلة وياحبذا لو أجلت الحكومة تطبيقها أو أعطت للمقاولين مهلة لتطبيقها خاصة في ظروف الأزمة المالية العالمية التي تجتاح العالم.

وأضاف المزروعي قائلا: نحن كجمعية مقاولين نطالب بآليات ورؤى جديدة لمعالجة المشكلات والصعوبات التي يواجهها المقاولون بما يؤدي إلي تقليل الأعباء على الشركات خاصة وأننا نملك شركات قوية جدا ولها تراث كبير في صناعة المقاولات.

 

قرارات إلزامية

واقترح المزروعي أن تمنح الحكومة شركات المقاولات الوطنية نسبة من المشاريع الجديدة أو تلزم الشركات العالمية بأن تحصل على 40% من مشترياتها ومستلزماتها من السوق المحلي أسوة بدول مجاورة وخاصة السعودية حيث أن هناك شركات لاتشتري بدرهم واحد من السوق المحلي وتجلب كل موادها الخام من دولها الأم. كذلك لابد أن يكون للشركات الوطنية حصة من المشاريع الكبرى والعملاقة حيث لدينا شركات تعمل منذ نحو 40 سنة في أبو ظبي وهي مصنفة كشركات وطنية عملاقة قوية ومتقدمة لكنها لاتحصل في إطار المناقصات العالمية على نصيبها من المشاريع التي يتم تنفيذها في الإمارة ولو أن هناك مشاريع بنحو 200 مليار درهم فلتأخذ الشركات الأجنبية جزءا كبيرا منها وتترك لنا جزءا حتى لاتموت شركاتنا المحلية.

مشكلات الصناعة

مشكلات وصعوبات متشابهة يواجهها قطاع الصناعة وتحدث بها مسؤولو العديد من المصانع في أبو ظبي الذين حضروا ملتقي غرفة أبوظبي. وأكد الدكتور عارف بركات الجنيدي ممثل اتحاد الصناعيين وشركة المعماري الصناعية على أن أهم تحد تواجهه الصناعة الوطنية في أبوظبي هو عدم وجود أية حماية لها في السوق المحلي ويمتلئ السوق بمواد خام لاتنطبق عليها أية مواصفات محلية أو عالمية بل إن بعض تلك المواد قد تكون تالفة قبل استخدامها وللأسف نواجه بصعوبات كبيرة للحصول على مواد خام بمواصفات صحيحة ، كما أننا مطالبون عن استخدام مواد معينة بالحصول على موافقات من 11 جهة حيث يجب علينا التنسيق معها بشأن المواد التي تدخل في صناعتنا.

 

صناعات دوائية

وشرح محمد عبد الله خميس الظريف مسؤول مصنع أبا للمستحضرات العشبية في أبوظبي العديد من التحديات التي تواجهها صناعة الدواء في الإمارة مؤكدا على ضرورة قيام جهة حكومية في أبوظبي برصد الصعوبات التي يواجهها رجال الصناعة والعمل على تذليلها. وقال: نواجه مشكلات جمة وعديدة وللأسف منذ ثلاثين عاما نتحدث عن هذه المشكلات ولم نر لها حلا على أرض الواقع بل كل مانراه هو قوانين وقرارات تزيد من صعوبتنا ومشكلاتنا وأعتقد أن المشكلات التي تواجهنا ليست بسيطة بل هي معقدة وتحتاج إلي حلول جذرية.

وواصل قائلا: القطاع الحكومي ينظر إلى القطاع الخاص نظرة دونية والعديد من الدوائر المحلية تقوم بدور رقابي فقط وليس دور داعم ومهمتها إعطاء المخالفات والجباية ولكن لايوجد من يدعمنا ونؤكد أن هناك قوانين جيدة ولكن تطبيقها يكون سيئا وللأسف يأتي إلينا مفتشون ليسوا مؤهلين ويغرموننا مخالفات بقيمة 50 ألف درهم ونتقدم بشكاوى ولكن لايتم النظر فيها.

وذكر أن مصنعه ينتج أدوية مرخصة من وزارة الصحة لكن للأسف لايتم بيعها في إمارات أخرى غير أبوظبي وخاصة دبي حيث تواجهنا معوقات ونحتاج إلى هيئة تتلقى الشكاوى وتدرسها وتحلها، كما لابد أن يتم تأهيل الكوادر المواطنة حيث لدينا طاقات مواطنة معطلة.

 

تضارب الإجراءات

وتحدث سلطان الزعابي ممثل مصنع كويك إستيب في أبوظبي عن تحد آخر يواجهه رجال الصناعة في أبوظبي وهو اختلاف قرارات العمل والتراخيص بين إمارات الدولة. وقال: إمارة أبوظبي تلزمنا بمواصفات قوية في إنتاجنا وهذه المواصفات تكبدنا أموالا كبيرة بينما لاتطبق هذه المواصفات في إمارة الشارقة وغيرها من الإمارات الشمالية ولابد من توحيد هذه المواصفات على مستوي الدولة.

ولفت إلى صعوبة أخرى تواجهها الصناعة في أبوظبي مشيرا إلى أنه كان من المتوقع في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية أن تتراجع الرسوم الحكومية والإيجارات ولكن ماحدث هو العكس حيث تم منذ شهرين رفع إيجارات المناطق الصناعية بنسبة 58% ونحن لانتحمل هذه الزيادة المرتفعة جدا التي لاتساعد على نمو الصناعة .

كذلك فإن المستثمر في القطاع الصناعي يعاني من غياب المعلومات الدقيقة والصحيحة عن القطاع الصناعي في الإمارة والمعلومات المتوفرة في معظمها مغلوطة ومتضاربة ولهذا أثر سلبي حيث نرى مشاريع كثيرة تتكرر ونشاهد حرب أسعار بين المصانع التي تنتج سلعا وأصنافا متشابهة ولو كانت هناك قاعدة معلومات صحيحة وتوجيه من الجهات الحكومية لندر وجود المصانع المتشابهة.

 

بنك للصناعيين

ونوه إلى أن رجال الصناعة يعانون أيضا من عدم وجود تدفقات نقدية لديهم مشددا على أن الحل الأنجع في هذا الإطار هو إنشاء بنك الصناعيين خاصة أن البنوك العاملة في الدولة لاتمول المشاريع الصناعية بسهولة وللأسف لاتوجد لدينا صناعة قوية إلا في قطاع البتروكيماويات والألومنيوم والحديد ونحتاج إلى صناعات قوية في قطاعات أخرى.

كما كشف عن أن المصانع في أبوظبي تتكبد أموالا طائلة بسبب عدم وجود ورش لبيع وصيانة قطع الغيار قائلا: للأسف في حالة عطل إحدى ماكيناتها نقوم بإرسالها إلى الدولة الأم للتصليح وفي الغالب قد تستغرق هذه المهمة عدة أيام أو شهر تظل فيه الماكينة معطلة كما أن رسوم الإصلاح والصيانة تكون مضاعفة بنسب تتراوح بين 200% و300% وبالتالي نخسر المال والوقت ولو توفرت لدينا ورش لكان أفضل.

واقترح سلطان الزعابي أن يقوم صندوق خليفة لدعم وتمويل المشاريع بمشاريع تمويل مشتركة بين مواطنين وأجانب مشيرا إلى أن هناك مشاريع كثيرة تحتاج إلى رأسمال كبير وخبرات أجنبية ولو نجح الصندوق في إقامة مشاريع مشتركة بين المواطنين الذين يحصلون على قروضه مع شركات أجنبية لكان أفضل.

وأوضح الزعابي أن تكلفة الإنتاج الصناعي في أبوظبي مرتفعة جدا حيث أن أسعار الطاقة والمواد الخام والإيجارات وأجور العمالة مرتفعة وكل هذا يؤدي إلى رفع سعر المنتج ويصعب تصديره للخارج بسعر منافس وللأسف فإن إنتاج الكثير من مصانعنا خارج المنافسة العالمية على الرغم من وجود منتجات لدينا أفضل من منتجات دول مجاورة مثل السعودية وسلطنة عمان ولكن منتجاتنا لاتجد طريقها للتصدير وأعتقد أن مانفتقده حاليا هو دعم الحكومة وهذا الدعم ليس أمرا غريبا بل يحدث في دول مجاورة.

وتحدث الزعابي عن قوانين وإجراءات العمل والعمال فقال: هذه مأساة كبيرة جدا فسكن العمال تكلفته مرتفعة جدا كما أن رسوم استقدام وتشغيل العمالة في أبوظبي تتزايد بشكل مستمر عكس مايحدث في إمارات أخري مثل الشارقة الأمر الذي يخفض من التكلفة النهائية للمنتجات في الشارقة وبالتالي تفقد مصانع أبوظبي المنافسة الحقيقية في السوق المحلي والخارجي.