اختتمت أمس فعاليات مؤتمر "بيئة الأعمال ومستقبل التنمية في إمارة دبي" بالدعوة الى تطوير البنية التشريعية والقانونية لحماية المستثمرين وحقوق الملكية الفكرية اضافة الى قوانين تملك الاراضي المخصصة لاغراض تجارية.
واشار المتحدثون في المؤتمر الى ان الامارات ودبي خاصة تتمتع بإمكانات تؤهلها لتصدر قائمة الدول الأعلى مرتبة في أداء الأعمال وتنفيذها في حال نجحت في مواجهة التحديات المستقبلية ونفذت تلك الاصلاحات الهيكلية والتشريعية التي تلامس عدة قطاعات اقتصادية مهمة.
ودعا المؤتمر الى البدء بإجراء اصلاحات تشريعية حول الضمانات المصرفية للقروض وتوفير المعلومات الائتمانية الكافية من خلال تعزيز دور الهيئة الاتحادية الائتمانية.
وأكد المتحدثون في اليوم الثاني للمؤتمر ان دبي التي تضاعف اقتصادها 11 مرة خلال 33 عاما تحتاج الى تشريعات حديثة تتناول مسألة القروض والضمانات المتعلقة بها والقوانين الحديثة التي تضمن تسهيل ملكية الاراضي للاجانب لاغراض تجارية، الامر الذي من شأنه تشجيع المستثمرين واستقطابهم لهذا القطاع الحيوي حيث يعاني عدم وضوح في القوانين.
وأشار الخبراء ان دبي تمتلك كل المقومات اللازمة لاستمرار عملية التنمية فيها وتعزيز نموها الاقتصادي بشرط التغلب على هذه العقبات والعمل على زيادة الانتاجية في مناطق دبي الرئيسية مقارنة مع مناطق دبي الحرة.
وأكد الدكتور عبدالرزاق الفارس كبير المستشارين الاقتصاديين في كلمة الختام في المؤتمر اهمية مثل هذا الحدث باعتباره تجسيدا لرؤية القيادة الحكيمة بترسيخ مفهوم الشراكة المؤسسية من أجل رفع مستوى الأداء من خلال المناقشات و اوراق العمل التي قدمت على مدار يومي المؤتمر.
ووجه الدكتور الفارس الشكر لجميع المشاركين والحضور في المؤتمر على ما أبدوه من مناقشات ومداخلات حول القضايا المدرجة في البرنامج بمن فيهم شركاء المجلس في مشروع المسح على مستوى المنشأة بدبي 2010 وهم مركز التنمية العالمية والمناطق الاقتصادية العالمية ومركز دبي للاحصاء.
واقع التمويل المصرفي
وقدم الدكتور محمد الطرابلسي الباحث الاقتصادي في مجلس دبي الاقتصادي ورقة عمل حول واقع التمويل المصرفي في دبي والطلب عليه مشيرا الى ان الشركات والمؤسسات في دبي ورغم عدم شكواها من التمويل الا ان الطلب على التمويل ما زال في معدلات متواضعة.
وكشفت دراسة اجراها المجلس ان 16% فقط من بين 709 مؤسسات شملها البحث لديها تمويل من احد المصارف او المؤسسات المالية ومعظمها كان من بين الشركات الكبيرة العاملة في قطاع التصنيع الثقيل والانشاءات.
واوضحت الدراسة ان المصارف والمؤسسات المالية الخاصة في دبي لعبت دورا محوريا بارزا في توفير التمويل لهذه المؤسسات اكثر من المصارف التي تملكها الحكومة. وتخصص معظم التمويلات لشراء معدلات و الات جديدة للشركات فيما تفضل الشركات تمويل اعمالها الرأسمالية من خلال الموارد الداخلية.
وقالت الدراسة ان الانتشار القليل للائتمان يعود الى غياب ضمانات القروض او عدم كفايتها او ملائمتها لكنها من جانب اخر تعود ايضا الى طاقة الشركة نفسها في استخدام موجوداتها وتوجيهها بطريقة انتاجية كما ان المصارف
ما زالت مترددة في قبول الضمانات.
ودعا الطرابلسي الى البدء بإصلاحات تشريعية تتعلق بالضمانات المصاحبة للقرض بحيث تسهل من عمليات الاقراض وتشجع على ملكية نقل العقار كضمان من قبل البنك وهذا يتم من خلال اصلاحات تتعلق بنقل ملكية العقارات وتسجيلها تمهيدا لخلق بنية تشريعية ملائمة لعمليات نقل العقارات بشكل عام لتصبح اكثر قبولا كضمانات للقروض وبما يعمل على تحسين مناخ التمويل وتعزيز بيئة الاعمال في دبي.
وقال ان هناك نقصا كبيرا في المعلومات الائتمانية رغم اهميتها الحاسمة في تحسين مناخ التمويل من خلال تعزيز دور المؤسسة الاتحادية الائتمانية التي توفر معلومات كافية عن المقترضين.
وتوضح الدراسة ان 82% من المنشآت التي تم مسحها في دبي الرئيسية والمنطقة الحرة تفضّل الاعتماد على الموارد الداخلية أو الأرباح المحتجزة لتمويل رأسمالها التشغيلي وعملياتها الاستثمارية حيث تبقى المصارف الخاصة هي الوجهة الرئيسة لهذه المؤسسات لعمليات التمويل. غير أن الاعتماد على القروض المصرفية من المصارف الخاصة والعامة يظل أعلى في قطاع التصنيع الثقيل نحو 22% و14% على التوالي. أما مساهمات المصارف التي تمتلكها الحكومة والمؤسسات المالية غير المصرفية فإنها ضعيفة جداً في جميع القطاعات في دبي الرئيسية ومعدومة في المنطقة الحرة، باستثناء قطاع التصنيع الثقيل.
ويبدو أن حجم المنشأة مرتبط بقدرتها على طلب القروض المصرفية أو رغبتها في ذلك. وتكشف بيانات مسح المنشآت أن 552 منشأة من أصل 709 منشآت تم مسحها ليس لديها خط ائتمان ولم تطلب قرضاً في سنة 2009. هذا وتمثّل المنشآت الصغيرة والمتوسّطة نحو 93% من اجمالي العينة. وعندما نأخذ مجمل القطاعات في الحسبان، يبدو أن 25% من المنشآت المذكورة التي لا تعتمد على القروض المصرفية تنتمي لقطاع الخدمات المالية، في حين تبلغ النسبة 27% للمنشآت الكبيرة في قطاع البناء.
بيئة الأعمال في دبي من منظور مقارن
وقدمت الدكتورة فيجايا رامشاندران من مركز التنمية العالمية في واشنطن دراسة حول بيئة الاعمال في دبي من منظور مقارن موضحة فيها ان دبي تمتلك بيئة اعمال قوية في مختلف القطاعات الاقتصادية وهو الامر الذي مكنها من تغذية نموها الاقتصادي طوال العقود الخمسة الماضية.
وقالت فيجايا انه ورغم هذه الامكانات الكبيرة للامارة الا ان هناك مشكلات برزت خلال الفترة الماضية تحتاج الى حلول لتمكين الامارة من مواصلة النمو ومواجهة التحديات المستقبلية.
واشارت الى ان ابرز هذه المشاكل تتعلق بحقوق المستثمرين والحقوق القانونية وحماية الحقوق العقارية وهي قضايا عند تسهيلها ستمكن الامارات ودبي من احتلال مركز عالمي مرموق خاصة من حيث التصنيفات العالمية.
وقالت ان الانتاجية في دبي مقبولة لكن عند المقارنة عالميا، فإنها تحتاج الى المزيد خصوصا بالنسبة الى دول مثل سنغافورة وهونغ كونغ، ذلك ان مؤشر حماية المستثمرين يضع الامارات في المركز 122 عالميا وتسبقها دول كثيرة مثل سلطنة عمان واندونيسيا والصين وماليزيا.
وفيما يتعلق بالحقوق القانونية فإن الامارات ما زالت اقل بكثير من دول مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وهناك دول اقليمية تفوق الامارات في هذا المجال. وفي مجال الائتمان تحتل الامارات المركز 78 عالميا.
لكن هناك مقومات ايجابية فيما يتعلق بتسجيل العقارات حيث تحتل المركز 6 عالميا وفي نقل ملكية العقار ايضا تكاد تكون من اسرع دول العالم في هذا المجال لكنها مطالبة بإجراءات اكثر مرونة من حيث تأسيس الاعمال الجديدة حيث تتفوق عليها دول مثل هونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا.
المناطق الحرة والآثار التنموية
اشار الدكتور ابراهيم البدوي مدير الاقتصاد الكلي والتنبؤات في مجلس دبي الاقتصادي الى ان المناطق الحرة في الامارة ما زالت تتمتع بمعدلات انتاجية اعلى بكثير من مناطق دبي الرئيسية.
وقال الدكتور البدوي في ورقته التي قدمها في الجلسة الثانية من مناقشات اليوم الثاني للمؤتمر ان دبي حققت نموا بارزا خلال السنوات الماضية حيث تضاعف اقتصادها 11 مرة خلال 33 عاما لكن هذا النمو لم يصاحبه نمو في انتاجية العامل.
واضاف ان انتاجية المناطق الحرة ما زالت اعلى بكثير من انتاجية دبي الرئيسية وهذا يبرز في اربعة قطاعات حيوية وهي الخدمات المالية والخدمات الاخرى غير المالية والتصنيع الثقيل رغم ان مبيعات المناطق الحرة اقل من مثليتها في دبي الرئيسية وهذا يعود اساسا الى ان المناطق الحرة في دبي غير مخصصة للبيع المباشر.
وفيما يتعلق بالقيمة المضافة فإنها تساوي في دبي الرئيسية 16562 دولارا وفي المناطق الحرة تصل الى 48712 دولارا، أي انها اكثر بثلاث مرات من دبي الرئيسية وهذا يعود الى قدرة المناطق الحرة على جذب المزيد من العمالة الماهرة بفضل الحوافز المتعددة التي تقدمها للعمال والموظفين.
ودعا الدكتور البدوي الى تعزيز وتدريب العمال وتأهيليهم بشكل اكبر لزيادة انتاجية العامل في دبي الرئيسية، مشيرا الى ان 11.4 % فقط من شركات دبي الرئيسية تقدم التدريب والتأهيل لموظفيها مقابل 30.3 % لشركات المناطق الحرة.
و اكد اهمية تقديم الحوافز لشركات دبي الرئيسية للاستثمار في تطوير المهارات وتأهيل العمالة لديها لتحسين معدلات الانتاجية فيها مقارنة بشركات المنطقة الحرة.
مشكلة تملك الأراضي
وفي ورقة قدمها كل من د. إبراهيم البدوي و د. روزاليا الفاريز من مجلس دبي الاقتصادي أشار الباحثان الى أن الحصول على الأراضي بات في مقدمة التحديات التي تواجه النشاط الاستثماري للمنشآت العاملة في دبي سواء في دبي الرئيسية أو المناطق الحرة. كما أن حالة عدم اليقين النسبية التي تسود المناخ الاستثماري لدبي في الوقت الحاضر قد تزداد إذا ما استمرت حالة عدم وضوح القوانين التي تنظم عملية الحصول على الأراضي التجارية. واشارت الورقة الى أنه إذا ما استمرت مسألة الحصول على الأراضي سالفة الذكر لفترة ممتدة، فإن استثمار المنشآت في رأس المال والعمالة سينخفض بصورة مهمة. وبالمقابل فإن مراجعة القوانين والتشريعات من شأنها أن تقلل من حالة عدم اليقين في بيئة الاستثمار والأعمال بدبي، وإنه إذا تم زيادة فرص توفير الأراضي التجارية للمستثمرين الأجانب فإن النتيجة المتوقعة هي ارتفاع وتائر النشاط الاستثماري في الامارة.
واشارت روزاليا الفاريز المستشار الاقتصادي لمجلس دبي الاقتصادي في عرضها لمشكلة ملكية الاراضي في دبي الى انه ورغم ان 97.5 % من الشركات بأيدي اجانب، الا ان الاجانب في دبي غير مسموح لهم بشراء الاراضي لغايات تجارية وهناك نقص في التشريعات المتعلقة بالايجار في هذا المجال.
وتؤدي هذه المشكلة الى تردد في سلوك المستثمرين الذين يبحثون عن تشريعات واضحة تجاه ملكية الاراضي سواء في مناطق دبي الرئيسية
او الحرة. كما ان ملكية الاراضي وعدم وجود تشريعات واضحة فيها تؤدي الى تردد الشركات في الاستثمار الرأسمالي او في تدريب وتأهيل العمالة لديها.
ودعت الفاريز في دراستها الى مراجعة للتشريعات والقوانين التي تتعلق بملكية الاراضي وخاصة ذات الاغراض التجارية، والعمل على تسهيل تملك الاجانب للاراضي التجارية، الامر الذي من شأنه زيادة تدفق الاستثمارات في هذا القطاع المهم.
عدم تجانس المنشآت والإنتاجية في دبي
قدم د. رياض جليلي الخبير بمعهد التخطيط العربي في الكويت ورقة في الجلسة الاخيرة أشار فيها الى أن الانتاجية لا تزال ينظر إليها بوصفها المصدر الرئيس للنمو الاقتصادي في العديد من الدول العربية. كما ان الانتاجية وخاصة في قطاع التصنيع هي احدى مقومات القدرة التنافسية لاسيما بالنسبة الى الدول العربية والتي تواجه تحديات جمة في ظل العولمة. من هنا، فلا يزال من الضروري لهذه الدول أن تستوحي الدروس في مجال ديناميكية السوق وأداء المنشآت. وخلصت الورقة الى عدد الاستنتاجات حول تجارب بعض الدول العربية في مجال الانتاجية، أهمها ان عملية التحرير الاقتصادي المتسارع المطبق حالياً في كل من الأردن والمغرب وتونس لم تفض الى أي تغييرات رئيسة في مجال التخصص الصناعي. وتنسجم هذه النتيجة مع الأدبيات الاقتصادية التي توصي بأن اعادة التخصيص فيما بين الصناعات تكون أكثر أهمية مقارنة بذات العملية داخل الصناعة الواحدة بقدر تعلق الأمر بآثار تحرير التجارة في أداء الصناعة. كما لوحظ في بعض الدول ان عمليات الدخول والخروج من/ وإلى السوق عادة ما تقوم بها المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
خصائص سوق العمل وظاهرة الريع الاقتصادي
اشارت ورقة خصائص سوق العمل في دبي الى أن نموذج الهجرة العمالية القائم حالياً في دبي يعتمد على ظاهرة الريع الاقتصادي، ومفاده توجه المستثمرين نحو توظيف العمالة منخفضة الأجر من أجل تقليل تكاليف الانتاج مقابل زيادة الانتاج.
كما أن من بين أهم هذه الخصائص هو تطبيق نظام "الكفيل" والذي حال دون تحقيق تقدم ملموس في سوق العمل بالدولة ودبي. بيد أن الدراسة قد توصلت الى نتيجة أساسية مؤداها ان الريع الاقتصادي قد صاحبه تكلفة اجتماعية، كما ان انتاجية العامل في بعض القطاعات كانت منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات المشابهة لخصائص اقتصاد دبي. وأخيراً، أشارت الدراسة الى أن الاصلاحات الأخيرة التي شرعت فيها وزارة العمل منذ مطلع العام الحالي تعد خطوات مهمة في طريق اصلاح سوق العمل، الأمر الذي يتوقع معه، إذا ما استمر هذا الاتجاه، ارتفاع الانتاجية وبالتالي ارتفاع القدرة التنافسية للاقتصاد المحلي.
