تضاعف إجمالي الناتج المحلي لدبي خلال فترة السنوات الثلاث والثلاثين الممتدة بين عامي 1975 و 2008 إحدى عشرة مرة. وقال تقرير" بيئة الأعمال وأداء المنشآت والتنمية الاقتصادية في دبي الذي أصدره مجلس دبي الاقتصاد أمس، إن بيئة الأعمال القوية التي تتميز بها دبي ساهمت في تحقيق النموّ بمعدّل 9% في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، حيث تعمل المنشآت في دبي في بيئة أعمال محفزة فليس هناك نظير للبنية التحتية في الإمارة، بما في ذلك شبكتا الكهرباء والطرق. كما أن شكاوى المنشآت العاملة في دبي قليلة جداً مقارنة بأماكن أخرى نسبياً، مثل إندونيسيا، وماليزيا، وعمان، وكوريا الجنوبية، وساو باولو (البرازيل) وشانغهاي (الصين).
غير أن الأدلة التي أظهرها مسح المنشآت في دبي 2010 تشير إلى أن بعض المجالات لا تزال بحاجة إلى تحسينات كبيرة لاجتذاب المستثمرين المحتملين والاحتفاظ بالحاليين منهم، وعلى وجه الخصوص الحصول على التمويل والحصول على الأراضي وتطوير المناطق الحرة وإصلاح قوانين الاستثمار وتحسين حوكمة الشركات وإدخال إصلاحات على نظام استقدام العمالة.
عمل استثنائي
ويؤشر الواقع إلى أن القليل فقط من اقتصادات العالم قد حافظ على مثل هذا المعدّل الاستثنائي مدة طويلة من الوقت، بما فيها الاقتصادات ذات الأداء المرتفع، مثل هونغ كونغ، وسنغافورة ومع أن الفارق في معدّل النمو بين دبي واقتصادي هاتين المدينتين قد لا يبدو كبيراً، فإن للنمو المستمر لمدة تزيد على 35 سنة تأثيراً ملحوظاً. فعلى سبيل المثال تضاعف حجم الاقتصاد الأميركي، وهو ممثل للاقتصاد العالمي، ثلاث مرات تقريباً في تلك الفترة (1975-2008)، في حين ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لهونج كونج وسنغافورة 7 أضعاف و10 أضعاف على التوالي. وبالمقابل، فإن الناتج المحلي الإجمالي في دبي في سنة 2008 قد تضاعف 11 مرة عما كان عليه في سنة 1975.
وعلى غرار العديد من الاقتصادات الناشئة، كشفت الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية بعض مواطن الضعف في إستراتيجية النمو في دبي، فعلى الرغم من تنوّع اقتصاد دبي واعتماده المحدود على قطاع الهيدروكربونات، فإنه قد تأثّر بتقلّبات أسعار النفط.
ويوضح ذلك التقلّب المرتفع لمعدلي النمو الاسمي والحقيقي للاقتصاد. ثانياً: ان النمو الاقتصادي في دبي قد تحقق نتيجة للتسهيلات الائتمانية المرتفعة، ما يثير مشاكل بشأن استدامة السياسة المالية على المدى البعيد، وبخاصة الدين العام، كما أنه على غرار البلدان الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، باستثناء المملكة العربية السعودية والكويت، كان النمو في الدولة ، وبخاصة دبي مدفوعاً بفرط السيولة وما صاحبه من ارتفاع شديد في قيمة الأصول في القطاع العقاري.
ولكن من غير المرجّح أن يدوم مثل هذا النمو في المستقبل، إلى جانب كونه نموّاً تضخّمياً، نظراً لأن الأزمة الاقتصادية العالمية على الأرجح ستدفع العالم إلى اعتماد هندسة مالية جديدة ذات نزعة محافظة. ومع أنه تجري معالجة مشاكل الاقتصاد الكلي بعد الأزمة، فإن نمو العمالة ونمو إنتاجية عوامل الإنتاج سيحدّدان النمو الاقتصادي على المدى الطويل لدبي في نهاية المطاف.
سوق العمل
تقدّم سوق العمل في دبي الفرص لتوظيف ملايين الأشخاص القادمين من جميع أنحاء العالم، وهؤلاء بدورهم يشكلون المحرّك للنموّ الاقتصادي للإمارة. كما أن نظام الكفالة هو القناة التي يحصل من خلالها معظم الوافدين على الدخل بصورة قانونية كعمال مقيمين في دولة الإمارات. وانطوت عملية التوطين على مجموعة من القواعد التي تحمي المواطنين من المنافسة المفتوحة من العمال الوافدين.
وتضع هذه العملية حداً أدنى لحصة العمال المواطنين في المنشآت التي تضم 100 عامل أو أكثر، وتمكّن من توطين وظائف محدّدة، وتجعل من المتعذّر صرف العمال المواطنين بعد توظيفهم. ويهدف التوطين إلى جسر الهوة بين احتياجات القطاع الخاص إلى رأس المال البشري والحاجة إلى توظيف المواطنين، لكنه خلق تشوهاً في سوق العمل من جراء إجبار المنشآت على التوظيف وفقاً لنظام الحصص سالف الذكر. وقد أسهم ذلك بدوره في انخفاض إنتاجية المنشآت، وبخاصة في مناطق دبي الرئيسية.
إجمالي الإنتاجية
يلاحظ أن نمو إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج كان منخفضاً أيضاً في دبي. ففي دبي، ثمة تقارب كبير بين إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج الذي يقيس كفاءة استخدام عوامل الإنتاج التقليدية لإنتاج وحدة واحدة من الناتج المحلي الاجمالي وإنتاجية العمل بعضهما، في المستوى والمكوّن الدوري على السواء (يبلغ الارتباط بين المتغيّرين 0.98). وذلك يعد أمراً غير عادي نوعاً ما، لأنه يعني بأن النتيجتين مدفوعتان بنموذج النمو الذي اعتمدته دبي.
لذا فإن إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج منخفض نسبياً ويبلغ 1.5% في السنة، بالمقارنة مع 2% لهونج كونج و2.5% لسنغافورة وذلك ينسجم مع نمط انتاجية العامل في دبي. كما أنه أمر مقلق إلى حدٍّ ما، لأن كثيراً من الأدلة التجريبية تشير إلى أن النمو المستدام يتوقّف إلى حدٍّ كبير على إدخال تحسينات كبيرة على إجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج.
عوامل الإنتاج
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يعتمد نموذج النمو في دبي بصورة شبه تامة على تراكم عوامل الإنتاج رأس المال وبخاصة العمالة الوافدة غير الماهرة. وفي حين أن هذا النموذج أفاد الاقتصاد كثيراً من حيث تسارع النموّ الكلي، فإنه يرتبط أيضاً بتدني انتاجية العامل وإجمالي إنتاجية عوامل الإنتاج.
وهذه الخاصية في اقتصاد دبي هي ما تميّزه عن اقتصادي هونج كونج وسنغافورة. ومن المعروف أن على دبي، والإمارات على العموم، الانتقال إلى نموذج التنمية القائم على المعرفة والذي تشير إليه بصورة صريحة خطة دبي الاستراتيجية 2015. ويبدأ النجاح بالفهم الجيد لعمليات الإنتاج الحالية على مستوى مفصّل يتجاوز الاقتصاد الكلي.
ومن الدروس الرئيسية التي استقتها دبي، واقتصادات السوق الناشئة الأخرى في هذا الخصوص، من الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة هو أن النمو الاقتصادي المستدام في المستقبل يتطلب تطوير القدرة على الاستجابة للأزمات المستقبلية من خلال اتباع أنظمة رقابية أكثر فاعلية واقتصاد أكثر تنوّعاً. ويشكّل فهم بيئة الأعمال، وإنتاجية الشركات، ومحرّكات أداء الصادرات على مستوى المنشآت في القطاعات الاقتصادية الرئيسة (الصناعية والمالية والخدمية) محل اهتمام هذا التحليل، بالإضافة إلى السياسات المصمّمة لتحقيق نموّ أعلى وتنويع اقتصادي أوسع في دبي .
إعادة التصدير
وفي أحوال إعادة التصدير العادية، يستورد التجار في دبي السلع من جميع أنحاء العالم ثم يوزّعونها إلى وجهاتها النهائية. وبحكم التعريف، لا يمكن أن تخضع السلع المعدة لإعادة التصدير إلى عمليات تصنيعية كبيرة، لكن ذلك لا يستثني المعالجة البسيطة، مثل الفرز أو التغليف، أو أنشطة الخدمات مثل التسويق أو النقل. ولا يمتلك كثير من معيدي التصدير أي مرافق تصنيعية، وإنما يعملون بمثابة وسطاء في معاملات بين المشترين والبائعين الموجودين في أسواق خارجية. وتفيد الغالبية العظمى من المنشآت، حتى في قطاع التصنيع الخفيف، بأن ليس لديها واردات، ما يشير إلى القيمة المضافة من مدخلات محلية.
وتقوم المنشآت التي تعمل في المبيعات بإعادة التصدير في العادة، حيث تستورد منتجات نصف مصنّعة لإعادة تصديرها. وكما هو متوقّع، فإن المنشآت في المنطقة الحرة هي الأكثر استيراداً للمواد الخام والإمدادات فتستورد 26% من منشآت التصنيع الثقيل في دبي الرئيسية أكثر من 50% من مدخلاتها، مقارنة بـ 77% من المنشآت في المنطقة الحرة. وتظهر الاختلافات أيضاً بين المنشآت في التصنيع الخفيف (12% مقابل 60%) والمبيعات (40% مقابل 68%).
بيئة مثالية
وتقوم المنشآت في دبي بالاستثمار في تقنية المعلومات وتعتمد ممارسات أعمال مستدامة بيئياً، مع أنها لم تنجح بصورة مهمة في تقديم تدريب كافٍ لعمالها. وتعتبر نسبة المنشآت التي تستخدم البريد الإلكتروني مرتفعة جداً، وكذا نسبة المنشآت التي لديها موقع إلكتروني في مختلف القطاعات والأماكن. كما أن بعض المنشآت حاصلة على شهادة المنظمة الدولية للمعايير (أيزو)، وهي مؤشر على الاستدامة البيئية لممارسات الأعمال. وقد حصل عدد من المنشآت الصناعية في المنطقة الحرة على وجه الخصوص على شهادة الأيزو. غير أن أقل من 20% من المنشآت تقوم بتدريب عمالها، وينخفض هذا الرقم إلى 5.5 بالمئة في تجارة التجزئة و8.4 بالمئة في الصناعات الخفيفة في دبي الرئيسية .
وتشغل بيئة الأعمال في دبي من منظور مقارن مكانة متقدّمة مقارنة بالبلدان الأخرى من عدة جوانب، حيث تقل شكوى المنشآت في دبي بشأن بيئة الأعمال كثيراً عن شكوى مثيلاتها في جميع هذه البلدان. كما أن الوقت اللازم للحصول على معظم التراخيص جيد جداً في دبي، حيث تصدر التراخيص أسرع مما هو عليه الحال في بلدان المقارنة الواردة في الجدول.
والاستثناء الوحيد هو رخصة البناء التي يستغرق صدورها 55 يوماً. غير أن هذا الرقم ليس بعيداً جداً عما هو عليه في البلدان الأخرى. بيد أن مواطن الضعف التي أشير إليها آ نفاً في التمويل وتدريب العمال تظهر أيضاً إذا ما قورنت بالبلدان الأخرى، بالإضافة إلى النقص في التدقيق الخارجي. وتظهر البيانات أن 16.7 بالمئة فقط من المنشآت تحصل على تسهيلات ائتمانية، مقارنة بنسبة 37 بالمئة في شنغهاي و66 بالمئة في ساو باولو. كما أن أكثر من 50 بالمئة بقليل من المنشآت في دبي تخضع لتدقيق خارجي. ويقل أيضاً استثمار المنشآت في دبي في تدريب عمالها عن استثمار المنشآت في البلدان الأخرى .
وتشغل سهولة أداء الأعمال في الإمارات ككل مرتبة متقدّمة جداً مقاسة بقاعدة بيانات البنك الدولي لممارسة الأعمال. وتبدو مقارنة مرتبة الإمارات بالمراتب العالمية لبيئة الأعمال مواتية، حيث استحوذت على المرتبة 33 من بين أكثر من 160 بلداً في العالم في سنة 2010. وتتقدّم الإمارات كثيراً على بلدان المقارنة باستثناء ماليزيا. كما تجدر الإشارة إلى ان مؤشرات الإمارات أفضل بكثير من مؤشّرات الصين. ولكن رغم المراتب المتقدمة لكل من تأسيس الشركات، واستخدام العمال، وتسجيل العقارات إلخ، فإن الإمارات تشغل مرتبة متدنية في معيار حماية المستثمرين وإنفاذ العقود.
مركز مالي
واتخذت مسألة تحول دبي إلى مركز مالي إقليمي قدراً كبيراً من التكامل من بين الأهداف الرئيسية لاستراتيجية التنمية في دبي. وعلى الرغم من سيطرة القطاع المصرفي، وبخاصة فيما يتعلق بالتجارة وتمويل المشاريع والأفراد، فإن القطاع المالي للإمارة متنوّعاً نسبياً. فهو يتميّز بوجود سوقين للأوراق المالية (سوق دبي المالي وسوق دبي المالي العالمي) ومركز مالي خارجي.
وتتميز الأسواق المالية بالعمق والكفاءة لذلك فهي تعد ضرورية للنمو. والنظام المالي الذي يعمل بصورة جيدة يسهّل تبادل السلع والخدمات، ويعبيء الادخارات، وينوّع المخاطر، ويوفر المعلومات عن فرص الاستثمار، ويراقب الاستثمارات ويدعم حوكمة المنشآت الممولة من هذه الأسواق. إن الحصول على القروض أمر بالغ الأهمية لتطوّر الأعمال ونموّ القطاع الخاص. وعلى الرغم من اختلاف طرق الحصول على التمويل بين البلدان والمناطق، فإن الأدلة العالمية المستقاة من مسوح المنشآت التي يجريها البنك الدولي تفيد بأن "معوقات التمويل تعتبر من بين القيود الثلاثة الأهم لنمو القطاع الخاص في العالم النامي". غير أن الأزمة المالية العالمية الأخيرة قد كشفت بأنه من دون أنظمة ملائمة وتدابير احترازية كافية على المستويين الوطني والعالمي، فإن العولمة المالية قد تكون مجرّد عامل لانعدام الاستقرار وانهيار النموّ.
تطور نسبي
وعلى الرغم من التطوّر النسبي للقطاع المالي في دبي، فإن المنشآت لا تستخدم التمويل المصرفي إلا قليلاً. ومع أن المنشآت لا تشتكي كثيراً من الحصول على التمويل، فإن نسبة المنشآت التي لديها تسهيل للسحب على المكشوف تتراوح بين 6% و32% من كل العيّنة أما في دبي الرئيسية تقل نسبة المنشآت التي تستخدم هذا التسهيل عن 20%. ويبدو ذلك متسقاً مع الأدلة المستقاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، حيث تستخدم 25% من المنشآت خطوط الائتمان أو القروض من المؤسسات المالية، مقارنة بنسبة 67% في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، و55% في أميركا اللاتينية والكاريبي، و45% في جنوب آسيا. كما أن نسبة المنشآت التي تستخدم التمويل المصرفي للاستثمار 16%، هي الأدنى في المنطقة مقارنة بنسبة 34% في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ونحو 50% في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.
والملاحظ أن المنشآت في دبي، كما هو الحال في العديد من البلدان، عادة ما تفصل الموارد الذاتية لتمويل عمليات الاستثمار. فأكثر من 82% من المنشآت التي تم مسحها في دبي الرئيسية والمنطقة الحرة تفضّل الاعتماد على الأموال الداخلية أو الأرباح المحتجزة لتمويل رأسمالها التشغيلي وعملياتها الاستثمارية. وعندما تدعو الحاجة إلى الاقتراض، فإن المصارف الخاصة هي المصدر المفضّل. ويكشف الفحص المعمّق للبيانات في مختلف القطاعات أن المنشآت في قطاع التصنيع الخفيف في المنطقة الحرة تستخدم الأموال الداخلية فقط لاحتياجاتها الاستثمارية.
غير أن الاعتماد على القروض المصرفية من المصارف الخاصة والعامة يظل أعلى في قطاع التصنيع الثقيل نحو 22% و14% على التوالي. أما مساهمات المصارف التي تمتلكها الحكومة والمؤسسات المالية غير المصرفية فإنها ضعيفة جداً في جميع القطاعات في دبي الرئيسية ومعدومة في المنطقة الحرة، باستثناء قطاع التصنيع الثقيل.
ويبدو أن حجم المنشأة مرتبط بقدرتها على طلب القروض المصرفية أو رغبتها في ذلك. وتكشف بيانات مسح المنشآت أن 552 منشأة من أصل 709 منشآت تم مسحها ليس لديها خط ائتمان ولم تطلب قرضاً في سنة 2009. هذا وتمثّل المنشآت الصغيرة والمتوسّطة نحو 93% من اجمالي العينة. وعندما نأخذ مجمل القطاعات في الحسبان، يبدو أن 25% من المنشآت المذكورة التي لا تعتمد على القروض المصرفية تنتمي لقطاع الخدمات المالية، في حين تبلغ النسبة 27% للمنشآت الكبيرة في قطاع البناء.
