رصد التقرير الاقتصادي لإمارة أبوظبي لعام 2011 في فصله السابع تطورات الوضع في الأسواق المالية في الدولة من عام 2008 وحتى عام 2011 والتحديات التي تواجه تلك الأسواق كما تعرض للجهود التي تبذلها الحكومة للتعرف على استقرار السوق.
وشهد العالم منذ وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008 العديد من الآثار السلبية التي أثرت في الاقتصاد بوجه عام وعلى أسواق الأوراق المالية بوجه خاص. وقد تعافى معظم اقتصاديات العالم عام 2010 ونتج عن ذلك تحسن في معظم الأسواق المالية لكن شهدت المنطقة في مطلع عام 2011 العديد من التوترات السياسية التي ألقت بظلالها على أسواق المال المحلية وتزامن هذا الوضع مع وجود بعض الملاحظات على أداء الأسواق المالية للدولة مثل (غياب صانع السوق) مما شكل مجموعة من التحديات التي واجهت تلك الأسواق.
تطورات أسواق المال
استبق سوق أبوظبي للأوراق المالية تاريخ وقوع الأزمة المالية في سبتمبر عام 2008 حيث أعطى إشارات سلبية واضحة ابتداءً من شهر يوليو كان من أبرز تلك الإشارات الانخفاض المستمر في قيمة المؤشر نتيجة خروج الاستثمار الأجنبي من السوق بطريقة شبه منتظمة وذلك لتغطية خسائر المستثمرين الأجانب بأسواقهم في أوروبا وأميركا.
وفي سبتمبر من العام نفسه ألقت الأزمة المالية بظلالها على السوق وانخفض المؤشر العام للسوق من4569 نقطة في يناير 2008 إلى 2390 نقطة في نهاية العام بنسبة انخفاض بلغت 47.7% . وخلال 2009 واصل المؤشر التداولات حول مستوى 2000 نقطة بشكل عرضي أميل إلى الانخفاض وذلك بسبب تداعيات الأزمة المالية وشح السيولة داخل السوق.
وعلى الرغم من التفاؤل الذي صاحب بداية عام 2010 بظهور بوادر التعافي من الأزمة المالية في مختلف القطاعات الاقتصادية إلا أن السوق لم تستجب لهذه التوقعات ولم يستطع المؤشر تجاوز الاتجاه العرضي الذي يسير فيه منذ بداية عام 2009 ووُصف المؤشر العام للسوق بأنه يسير في اتجاه عرضي مستقر. وفي بداية عام 2011 استطاع المؤشر الرئيسي لسوق أبوظبي أن ُينهي تعاملات شهر فبراير بارتفاع طفيف بنسبة 0.08% عن شهر يناير من العام نفسه رغم انخفاض معظم القطاعات بقيادة قطاع العقارات الذي انخفض بنسبة 17.27% تلاه قطاع البناء بنسبة 9.75%.
ورغم تأثير الأزمة العالمية على جميع أسواق المال في العالم إلا أن حكومة الإمارات كان لها الدور الأكبر في التصدي لهذه الأزمة فقد اتخذت حزمة من الإجراءات العلاجية على مستوى الاقتصاد الكلي كان من أبرزها ضمان الودائع في البنوك وضخ سيولة.
أهم تطورات القطاع العقاري
يُعد قطاع العقارات واحداً من أهم القطاعات الاقتصادية لتأثيره في تكلفة المشروعات الاستثمارية وكذلك في مستوى معيشة السكان وفي التنافسية بشكل عام إلا أن هذا القطاع شهد حالة من عدم الاستقرار في مختلف دول العالم في أعقاب الأزمة المالية العالمية. وقد تأثر قطاع العقارات في إمارة أبوظبي كما هو الحال في جميع القطاعات وجميع دول العالم ولكن حكومة أبوظبي قامت بجملة من التغييرات لتفادي تأثير الأزمة العالمية على العقارات.
وتتلخص أهم التطورات الإيجابية التي شهدتها السوق العقارية في إمارة أبوظبي خلال الفترة الأخيرة في إعلان مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني عن السياسة الرامية إلى توفير مساكن للإيجار تلائم ذوي الدخل المتوسط وكذلك إصدار المجلس التنفيذي القرار رقم 64 لسنة 2010 الخاص بأحكام الملكية العقارية في الإمارة بالإضافة إلى إعلان بلديتي أبوظبي والعين عن مشروع توثيق الخاص بتسجيل بيانات العقارات القابلة للتأجير والعقود الإيجارية وكذلك مبادرة مساكن المواطنين التي أعلن عنها مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني في إبريل 2011.
الدخول المتوسطة
طرأ تغيير جذري في الطلب على الوحدات السكنية خلال عامي 2009 و2010 حيث كان الطلب قبل ذلك مدفوعاً بالمضاربات فيما أصبح في هذه الفترة مدفوعاً بالطلب من قبل المستخدم النهائي بعد اتجاهات تعديل الأسعار. إلا أن أغلب الطلب يتركز في متوسطي ومحدودي الدخل وهم الذين يشتكون من نقص المعروض من الوحدات السكنية المناسبة في حين أن الجزء الأكبر من زيادة المعروض موجه لفئة أصحاب الأجور العالية من السكان وهي الفئة التي تمثل 16% من السكان وهو ما دفع مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني إلى استحداث خطة تلزم المطورين بتخصيص 20% من المشاريع السكنية لفئة متوسطي الدخل.
وأعلن المجلس خلال شهر يوليو 2010 إستراتيجية تهدف إلى توفير خيارات سكنية جيدة تلائم ذوي الدخل المتوسط في أبوظبي حيث تلزم هذه السياسة شركات التطوير العاملة في أبوظبي بتخصيص 20% من مساحة الطوابق في المشاريع السكنية الكبيرة والمتوسطة متعددة الأسر لذوي الدخل المتوسط ولكن لن تطبق هذه النسبة على المشاريع الصغيرة المؤلفة من مبان مخصصة لعائلة واحدة (المساكن الخاصة والفيلات).
ويُعرّف المشروع الكبير وفقاً لهذه السياسة بأنه المشروع الذي يضم عدة مبانٍ تزيد مساحة طوابقها على 125 ألف متر مربع بينما تتراوح مساحة الطوابق في المشروع المتوسط بين 75 ألف متر مربع و125 ألف متر مربع في حين يضم المشروع الصغير مبنى رئيساً واحداً على قطعة أرض واحدة بمساحة 75 ألف متر مربع كحد أقصى. وتم تحديد أسعار الإيجار بحيث تتراوح ما بين 25 ألف درهم و88 ألف درهم سنوياً بما يشكل 35% من إجمالي الدخل السنوي للأسر المستأجرة ومن المقرر إعادة تقييم هذه الأسعار سنوياً.
وتلزم السياسة الجديدة المطورين بتقديم إستراتيجية تنفيذ وتوفير مساكن الإيجار لذوي الدخل المتوسط ضمن كافة مراحل المشروع أو خلال المراحل الأولى لتطوير المشروع فضلاً عن إلزام المطورين بإعداد خطة التزام شاملة بالحلول السكنية الخاصة بذوي الدخل المتوسط باعتبارها جزءاً من عملية مراجعة مجلس أبوظبي للتخطيط العمراني للمشروع. ويدعم بناء مساكن لذوي الدخل المتوسط يدعم تحقيق التوافق بين العرض وهيكل الطلب في السوق كما أنه سوف يساهم في القضاء على كثير من الظواهر السلبية التي سببتها مشكلة ارتفاع الإيجارات خلال السنوات الماضية مثل السكن فوق أسطح البنايات أو استخدام بعض المحال التجارية لسكن العاملين فيها أو التكدس في الحجرات داخل الشقق وغيرها من الظواهر السلبية الأخرى التي لها بعد اجتماعي وأمني خطير على المجتمع.
ارتفاع أسعار الغذاء وآلية المواجهة
شهد عام 2010 مقارنة بعام 2009 زيادات سعرية كبيرة في الأسعار العالمية للسلع الغذائية رصدتها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) حيث أوضح مؤشرها العام لأسعار الغذاء ارتفاعاً بلغت نسبته 17.2 % وأثر ذلك في زيادة أسعار السلع المحلية بإمارة أبوظبي نتيجة الاعتماد بصفة أساسية على الاستيراد في توفير السلع الغذائية فقد أشار مركز إحصاء أبوظبي إلى مساهمة الأغذية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 36.8% في معدل التضخم عام 2010 البالغ 3.1 % نتيجة ارتفاع أسعارها بنسبة 6.9% ووزنها الذي يشكل 16.1% من هيكل الإنفاق الاستهلاكي بينما بلغت مساهمتها في خفض معدل التضخم عام 2009 والبالغ 0.8 % نسبة 69.1%.
وبمتابعة متوسط أسعار 144 سلعة غذائية فى شهر ديسمبر 2010 مقارنة بشهر ديسمبر 2009 يتبين ارتفاع متوسط أسعار97 سلعة منها تمثل 67.4 % بنسب تراوحت بين 0.2% 85.6% بينما ثبت متوسط أسعار9 سلع تمثل 6.2 % وانخفض متوسط أسعار 38 سلعة تمثل 26.4% بنسب تراوحت بين 0.2% 87.7 %.
وقد بلغت أوزان السلع التى زادت أسعارها 10613.3 وتمثل نسبة 68% من هيكل الإنفاق الغذائي للأسرة في إمارة أبوظبي بينما بلغت أوزان السلع التي ثبتت أسعارها 1370.8 تمثل 0.09% وأوزان السلع التي انخفضت أسعارها 3722.2 تمثل 24%. الأمر الذي أثر على زيادة العبء على مستهلك السلع الغذائية بنحو 6.4 % فى شهر ديسمبر عام 2010 مقارنة بالشهر نفسه في عام 2009.
وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية يتزايد تأثيره على الفئات ذات الدخل المنخفض والثابت التي تعتمد بنسب كبيرة على الرواتب والأجور، حيث تعتمد الأسر المواطنة على الرواتب والأجور بنسبة 64.3% من إجمالي دخلها وتزيد هذه النسبة لتصل إلى 85.5% للأسر غير المواطنة و 90.5% للأسر الجماعية وتزيد النسبة لتصل إلى نحو 95.6% لفئة الدخل الأدنى التى تقل عن 36000 درهم سنوياً وتبلغ نسبة انفاقها على الطعام والشراب والدخان نحو 26.6 % من إجمالي إنفاقها الاستهلاكي.
وترجع أسباب ارتفاع أسعار السلع إلى عدة عوامل من أهمها تضخم الطلب الذي يأتي نتيجة زيادة الطلب المحلي بمعدل أكبر من الزيادة في الإنتاج المحلي مما يزيد من الطلب على الواردات وما يصاحبها من تقلبات كبيرة فى الكميات والأسعار وتضخم التكلفة الذي يأتي نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج أو النقل أو التصنيع كعوامل مسببة لارتفاع الأسعار.
وتجدر الإشارة إلى أن الزيادة فى عبء تكاليف المعيشة على المستهلك تأتي كمحصلة لتفاعل عاملين رئيسين هما: الوزن النسبي للسلعة في هيكل إنفاق الأسرة والتغير الذي يحدث في سعر السلعة وبعبارة أخرى فإن سعر السلعة قد يزيد بنسبة كبيرة قد تصل إلى 100% ولكن لصغر الوزن النسبي لهذه السلعة فى هيكل إنفاق الأسرة فإنه لا يظهر أثر الزيادة الكبيرة في زيادة العبء على المستهلك بينما إذا كانت السلعة ضرورية للمستهلك وتمثل وزناً كبيراً في هيكل إنفاق الأسرة فإن أي تغير سعري ولو كان بسيطاً يزيد من العبء على المستهلك.
ودراسة هذين العاملين تعطي صورة حقيقية لمتخذ القرار بشأن وضع السلع الأساسية أو الإستراتيجية التي تمثل وزنأً كبيراً فى هيكل إنفاق الأسرة وذات درجات المرونة السعرية المنخفضة. وهذه الصورة تمكن متخذ القرار من اتخاذ القرار المناسب لخفض الأثر السعري على المستهلكين. ونظراً لأن الأسعار تكون محصلة لتفاعل العرض والطلب فإن خفض السعر يكون إما بزيادة عرض السلع أو خفض الطلب على السلعة.
ويحكم ذلك العديد من العوامل منها ما يمكن التعامل معه كزيادة الطلب وعدم مرونته ويكون ذلك بترشيد الاستهلاك. كما يُعد المخزون الإستراتيجي أداة ممتصة للصدمات السعرية ومُمدّاً بمزيد من المعروض ويساهم دعم الانتاج الزراعي محلياً وخارجياً كذلك فى زيادة العرض. كما يساهم خفض التعرفة الجمركية على الواردات الغذائية في خفض أسعار المستهلك. ويأتي دور الرقابة في ضبط الأسعار ومنع الممارسات الاحتكارية.
عوامل خارجية
من ناحية أخرى هناك العديد من العوامل التي تؤثر في ارتفاع الأسعار ويصعب التعامل معها محلياً كالأوضاع المناخية التي تصيب المحاصيل وكذا نشوء استخدامات للسلع الزراعية تنافس استخدامات غذاء الإنسان مثل تزايد الطلب على الوقود الحيوي. كما أن إيقاف التصدير من بعض الدول كما حدث في روسيا بحظر تصدير القمح الروسي للظروف المناخية التي خفضت من حجم المنتج لتغطية الاستهلاك المحلي الروسي وانتشار الأوبئة التي تصيب المحاصيل الزراعية تؤثر في المعروض بصفة عامة وتمنع الاستيراد من الدول الموبوءة كما حدث في وقف استيراد الخضراوات من الاتحاد الأوروبي عقب تفشي بكتريا اي كولاي المميتة في ألمانيا أو مرض أنفلونزا الطيور الذي أدى إلى إيقاف استيراد الطيور في الإمارات من نحو 28 مصدراً حول العالم خلال الفترة من عام 2003 حتى عام 2007 أو قيام بعض الحكومات بفرض حظر على استيراد المنتجات الزراعية من ولاية تشيبا اليابانية من أجل تهدئة المخاوف المتزايدة من احتمال تعرضها للتلوث الناتج عن التسرب الإشعاعي من محطة فوكوشيما النووية كما قررت الحكومة اليابانية وقف بيع المنتجات الزراعية من تشيبا في السوق اليابانية خوفاً من احتمال تعرضها للتلوث الإشعاعي فضلاً عن ترابط أسواق السلع الغذائية مع أسواق النفط الذي تتنوع استخداماته في مجال الزراعة والنقل مما يعرض أسعار الغذاء للتقلبات نتيجة ارتباطها بالتقلبات في أسعار النفط.

