اختتمت أمس أعمال المؤتمر السنوي السابع عشر للطاقة الذي نظّمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبوظبي بحضور الدكتور هانز بليكس وزير خارجية السويد الأسبق المدير العام الفخري لـلوكالة الدولية للطاقة الذرية ونخبة من المسؤولين والمتخصّصين في مجال الطاقة من داخل الدولة وخارجها حيث أكد بليكس أن برنامج الإمارات النووي يقوم على قواعد راسخة وشفافة ويخطو بقوة إلى الأمام.
وأوضح الدكتور جمال سند السويدي مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في الكلمة الختامية للمؤتمر أن الجلسات أسفرت عن نتائج عدّة أهمّها أن الوقود الأحفوري سيظل المصدر الرئيسي لاستهلاك الطاقة لعقود مقبلة وأن من أهم العوامل الحاسمة التي تؤثر في الطلب المتوقع للنفط استمرار عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسات الحكومية بشأن الطلب على الطاقة والاستثمار في الدول المنتجة واستعادة مستويات الإنتاج السابقة من قبل المنتجين الرئيسيين في العالم العربي. وشدّد على أهميّة إنشاء مجموعات من شركات الطاقة المتجدّدة في دول التعاون جميعها واستمرار الدعم الحكومي لها وإصدار التشريعات المنظمة والتعاون الدولي لتعزيز مستقبل الطاقة النظيفة والمستدامة. كما شدد على ضرورة قيام دول مجلس التعاون بوضع خطة شاملة في ما بينها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة وإقامة شبكة إمدادات أكثر فاعلية بين دول المجلس.
وأعلن الدكتور جمال سند السويدي أن المؤتمر السنوي المقبل للمركز سيعقد يومي 26 و27 مارس من عام 2012 تحت عنوان أمن الماء والغذاء في الخليج العربي. كما تقدّم بوافر الشكر إلى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة رئيس مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية وإلى أصحاب المعالي والسعادة وكل المشاركين على إسهاماتهم العلمية القيمة.
الكلمة الرئيسية
وكان الدكتور هانز بليكس وزير خارجية السويد الأسبق المدير العام الفخري لـلوكالة الدولية للطاقة الذرية الرئيس السابق لـلجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش (الإنموفيك) في العراق ألقي كلمة رئيسية في المؤتمر أمس أشار فيها إلي أن هناك حججاً قوية تدعم اعتماد خيار الطاقة النووية في دول الخليج موضّحاً أن برنامج الطاقة النووية المدنية الذي يجري تطويره حالياً في الإمارات هو حلّ فعال لاحتياجات البلاد من الطاقة. وقال: برنامج الإمارات له قواعد راسخة وشفاف ومن المتوقع أن تمد مفاعلاته احتياجات أبوظبي والإمارات من الكهرباء كما أنه يخطو بقوة إلي الأمام وتقوم إمارة أبوظبي حاليا بجهد كبير لتنفيذه.
وأكد أن الإمارات لعبت دوراً قيادياً في تبنّي برنامج متطوّر للطاقة النووية المدنية مشيرا إلى أن هناك حاجة ملحّة في الخليج إلى تبادل المعلومات النووية على غرار الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية. مشيراً إلى أن انتشار الأسلحة النووية لا ينتج تلقائياً من البرامج النووية المدنية .
ونوه إلى أن الاستخدام الآمن للطاقة النووية هو خيار مقنع لتلبية احتياجات الطاقة في المستقبل وإنه يبدو أن المعارضة الشعبية لاستخدام الطاقة النووية تتأثر بشكل جوهري بالمخاوف من التسرّب الإشعاعي مبيناً أن بعض هذه المخاوف منطقي ولكن بعضها الآخر غير منطقي إطلاقاً.
أمن الطاقة والأسواق العالمية
وتناولت الجلسة الثالثة للمؤتمر التي ترأستها الدكتورة حمدة علي آل ثاني الفلاسي مديرة المركز الوطني لأبحاث الطاقة والمياه في مياه وكهرباء أبوظبي موضوعات أمن الطاقة والأسواق العالمية وتحدّيات الطاقة الرئيسية في مواجهة الاقتصاد العالمي وظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيراتها في أسواق الطاقة.
وأشار الدكتور سلمان سيف غوري كبير الاقتصاديين في إدارة التخطيط الاستراتيجي والسياسات في شركة قطر للبترول إلى أنه مع النمو السكاني والاقتصادي العالمي السريع ولا سيّما في البلدان النامية سيزداد استهلاك الطاقة. وقدّم غوري توقعات لإجمالي استهلاك الطاقة الأولية العالمي حتى عام 2050 مع تقويم لكيفيّة الاستجابة المتوقعة لزيادة الطلب على الطاقة. مبيّناً أنه من المتوقع أن يكون الجزء الأكبر من الطلب على الطاقة مرتبطاً بآسيا.
الاحتباس الحراري
وتناول الدكتور محمد العشري رئيس شبكة سياسات الطاقة المتجدّدة للقرن 21 زميل مؤسسة الأمم المتحدة في الولايات المتحدة الأمريكية ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيراتها في أسواق الطاقة فأوضح أن العالم قد دخل حقبة جديدة تميّزت بالاهتمام بمسائل أمن الطاقة وتغيّر المناخ وكيفيّة حصول الفقراء على خدمات الطاقة الحديثة. ولفت العشري النظر إلى أن المجتمع الدولي قد وافق في قمة كوبنهاغن عام 2009 وقمة كانكون عام 2010 على الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة العالمية بحيث لا تزيد على درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. مشيراً إلى أنه نظراً إلى أن الطلب العالمي على الطاقة سيستمر في النمو بحيث يمكن أن يزيد على الضعف بحلول عام 2050 فإن خفض الانبعاثات العالمية بنسبة 50% على الأقل عن مستويات عام 1990 سيتطلّب تحولاً تقنياً غير مسبوق في كيفيّة إنتاجنا واستخدامنا للطاقة.
وذكر أن هذه المخاوف قد ساعدت على تحفيز أسواق الطاقة النظيفة حيث وصل استهلاك الطاقة الجديدة والمتجددة خلال عام 2010 إلى ثلاثة أضعاف مستوياته مقارنة بعام 2000.
وأوضح أن الاستثمار العالمي في الطاقة المتجدّدة قد ارتفع بنسبة 32% خلال المدة من عام 2009 إلى عام 2010 ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 211 مليار دولار. كما أن الطاقة المتجدّدة ولّدت ما يقدّر بنحو 16% من الاستهلاك النهائي للطاقة في العالم بالإضافة إلى أنها ساهمت بنحو 20% من إنتاج الكهرباء في العالم. وقال إن الطاقة المتجدّدة قد ساهمت بما في ذلك الطاقة الكهرومائية بنحو 50% من إجمالي قدرة توليد الطاقة الإضافية عام 2010.
المخاطر النووية
وتحدّث أنتوني فروجات زميل باحث أول في برنامج الطاقة والبيئة والتنمية في مؤسسة تشاتام هاوس في المملكة المتحدة عن المخاطر النووية وانعكاساتها على أسواق الطاقة والبيئة موضّحاً أنه في بداية عام 2011 كان هناك كثير من التساؤلات والشكوك حول دور الطاقة النووية المستقبلي في أسواق الكهرباء العالمية خاصة وأن أزمة فوكوشيما وما تلاها من مراجعات لشؤون السلامة والتخطيط الوطني قد أضافت مزيداً من المخاوف والاعتبارات المتعلّقة بالسلامة. وأوضح أن انتشار الطاقة النووية يمثّل تنويعاً في الوقود للتخلّص إلى حدّ ما من تقلّبات أسعار الوقود الأحفوري وبالتالي يمكن أن يزيد من أمن الإمدادات ويساعد على استقرار السوق.
كما تطرّق فروجات إلى الآثار البيئية الرئيسية وانعكاسات السوق على الطاقة النووية كما سلّط الضوء على المسائل ذات الصلة التي تواجه المرافق والحكومات والمستثمرين.
سياسات الطاقة
وناقشت الجلسة الرابعة التي ترأستها الدكتورة مريم حسن الشناصي وكيل وزارة البيئة والمياه سياسات الطاقة في دول المجلس والبحث عن الحلول الجيواستراتيجية لمخاطر تقلّبات أوضاع النفط في منطقة الخليج العربي.
وذكر الدكتور محمد رمادي الأستاذ في قسم الاقتصاد والإدارة المالية في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في السعودية سياسات الطاقة في دول مجلس التعاون أن دول الخليج تواجه معضلات متزايدة في إدارة العرض والطلب لموارد الطاقة على حدّ سواء. وأن من المتوقع أن يشهد الطلب المحلي على الطاقة نمواً كبيراً على مدى العقدين المقبلين ولا سيّما في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر مدفوعاً بزيادة التوقعات والعوامل الديمغرافية والتنويع الاقتصادي.
وأوضح أن الربيع العربي أدّى إلى تغيير بعض الافتراضات السابقة بأن القطاع الخاص سيكون القوة الرائدة للتغيير الاقتصادي إلى فرضية تقوم على تدخّل حكومي أكثر استدامة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وأن هذا سوف يدفع حكومات دول مجلس التعاون إلى اتخاذ خيارات مؤلمة بين العقلانية الاقتصادية والسياسية في سياساتها المحلية حيال الطاقة.
وسيتعيّن على دول التعاون أن تتحدّى مجموعة القواعد القائمة المتعلّقة بكيفيّة إدارة برامجها الخاصة بالطاقة المحلية كلاً على حدة سواء كانت تتعلّق بالنفط أو الغاز أو الطاقة المتجدّدة أو النووية ووضع خطة لتحقيق اكتفاء بالطاقة وشبكة إمدادات أكثر فاعلية بين دول مجلس التعاون. وتساءل: هل ستتضافر جهود دول مجلس التعاون معاً من أجل تزويد الدول الأعضاء في الكتلة الأكثر إنتاجاً والأكثر احتياجاً للطاقة أو أنها ستستمر في توزيعها المحلي غير الفعال للطاقة ولا سيّما الغاز وتتّبع سياسات منفردة في مجال الطاقة؟ وهل ستُعيد دول مجلس التعاون النظر في صادراتها طويلة الأجل لغير دول المجلس لمصلحة التكامل الإقليمي في مجال الطاقة؟ وهل سترى دول التعاون في ذلك حجر الزاوية كي تبني عليه وحدة اقتصادية فعلية تشبه الاعتماد المتبادل بين دول الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقة؟
ونوه الدكتور أحمد شكارة الباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية إلي أن النفط وغيره من مصادر الوقود الأحفوري الحيوية سيستمر يلعب دورا جوهريا في تحديد العوامل الجيواستراتيجية في المسيرة الطويلة لمنطقة الخليج العربي نحو الأمن والاستقرار. وقال شكارة إنه من الواضح أن الولايات المتحدة وهي المستهلك الأكبر للنفط على المستوى العالمي لم تضع حتى الآن حلولاً تقنية أو تشريعية شاملة للتغلّب على المخاطر المرتبطة بالنفط بينما تواجه دول أخرى تحديات خطرة في محاولة العثور على خيارات لطاقة بديلة قابلة للاستمرار.
