أكد الدكتور محمد العريان الخبير الاقتصادي العالمي، الرئيس التنفيذي ورئيس استثمارات مشارك في شركة المحيط الهادي لإدارة الاستثمارات المحدود "بيمكو" أن أبوظبي أفضل إمارة ومدينة ومنطقة في العالم واجهت تداعيات الأزمة المالية العالمية وأزمة الديون السيادية الأوروبية، مشددا على أن هذا النجاح غير المسبوق يرجع إلى تأقلم وتكيف الإمارة مع المستجدات التي عاشها الاقتصاد العالمي من جراء الأزمات المالية والاقتصادية التي تلاحقه منذ عام 2008.
وأرجع الدكتور العريان في محاضرة له أول من أمس في مجلس محمد بن زايد بحضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وجمع غفير من الشيوخ والوزراء ووكلاء الوزارات الاتحادية والمحلية أرجع تفوق أبوظبي إلى 3 أسباب رئيسة، أولها سياسة النمو الشامل التي اتبعتها أبوظبي لجميع القطاعات في الإمارة ولجميع الفئات سواء الغنية أو الفقيرة، وثانيها قدرتها الفعالة على إدارة ميزانيتها القوية بكفاءة عالية، وثالثها استمرارها في إنتاج سلع يتزايد الطلب عليها.
وتناول العريان في محاضرته التي جاءت تحت عنوان "الجمع بين المرونة والتكيف: التأقلم مع واقع تصحيح أداء الاقتصادات العالمية" شرحا تفصيليا للأزمات المالية والاقتصادية التي تعايشها دول منطقة اليورو وأميركا مشككا في قدرتها على النمو الاقتصادي الحقيقي خلال الفترة المقبلة كما توقع استمرار هذه الأزمات.
تطورات غير مسبوقة
واستهل الدكتور محمد العريان محاضرته مؤكدا على أن الحديث عن وضع الاقتصاد العالمي اليوم وما تحدث فيه من تطورات غير مسبوقة فرصة رائعة لتبادل الأفكار حول واقع هذا الاقتصاد بصفته يهمنا جميعا وليست هناك قضية أكثر صلة بنا جميعا أكثر مما يحدث حاليا في الاقتصاد العالمي.
ورأى أن العالم اليوم يشهد سلسلة من التطورات والأزمات اقتصادية التي كان يصعب التفكير في حدوثها ولكنها اليوم أصبحت حقيقة على الأرض وواقعا نعيشه جميعا.
وبدأ العريان سرد التطورات الاقتصادية الجسيمة التي يعيشها العالم اليوم من أوروبا حيث ناقش جميع قادة أوروبا الأسبوع الماضي طرقا جديدة للتغلب على أزمة الديون السيادية الأوروبية كما يسود نقاش كبير حول جدوى منطقة اليورو كما أن أوروبا اليوم تتوجه إلى الصين تطلب منها الأموال لإنقاذها وكل هذا لم يكن متوقعا أو متصورا على الإطلاق ولكنه حدث اليوم، كما لم يكن متوقعا أن يتردد البنك المركزي الأوروبي بتاريخه العريق في معالجة ديون منطقة اليورو وما يحدث في أوروبا من مفاجآت وأحداث لم تكن متوقعة تحدث في أميركا أيضا وبلا شك فإن ما أثير حول التصنيف الائتماني لأميركا شكل هزة عنيفة في الاقتصاد العالمي كما أن أميركا اليوم تواجه خطر الركود ووصلت فيها البطالة إلى معدلات مرتفعة جدا كما أن ربع المساكن فيها مدينة بمديونية عالية تفوق قيمة تلك المساكن؟
لجة عميقة
وتساءل الدكتور محمد العريان لماذا يحدث كل هذا؟ وأجاب قائلا: أعتقد أن ما يحدث حاليا يخبرنا بأننا وسط لجة وهوة عميقة خاصة وأن المعالجات التي حدثت لمواجهة الأزمات المالية في الغرب لم تكن كافية وبلا شك فإننا اليوم في طريق مليء بالمطبات ولا نعرف وجهتنا كما أننا جميعا نشعر بالخوف في عالم متعدد السرعات خاصة وأن الميزانيات في الغرب غير متوازنة والأعباء تتزايد والمديونيات الكبيرة تتفاقم كما أن هناك مشكلات قوية تواجه النمو الاقتصادي وبكل تأكيد فإن الغرب وعلى رأسه أميركا وأوروبا غير قادرين على النمو عكس ما يحدث في بعض الدول والأسواق الناشئة.
ونوه إلى أن أوروبا تعاني من أربع مشكلات وتحديات جسيمة أولها وجود الكثير من الديون الضخمة في بعض بلدانها مثل اليونان، وثانيها أنها غير قادرة على النمو، وثالثها لديها صعوبات كبيرة يواجهها ساسة أوروبا ونظامها السياسي ونحن نشهد خلال الفترات الماضية اجتماعات متواصلة لقادة أوروبا دون نتائج إيجابية كبرى تذكر والواضح أن الأوربيين يلاحقون المشكلات ولا يسبقونها وهذه مشكلة المشاكل ورابعا أن أوروبا غير معتادة أو محصنة ضد هذه المشكلات ولذلك يستغرق حلها وقتا طويلا حيث إنها ليست مشكلات دورية بل مشكلات هيكلية في اقتصاديات دولها وبلا شك تواجه أوروبا اليوم صعوبة كبيرة وحقيقية في معاودة نشاطها ونموها الاقتصادي مرة أخرى.
التغلب على الأزمات
ورأى الدكتور العريان أن أوروبا تحتاج إلى 5 أشياء رئيسة للتغلب على أزماتها المالية والاقتصادية الحالية أولها أنها بحاجة إلى دخول دورة السوق العالمي والأوروبي مرة أخرى وحتى الآن فإن الأسواق الأوروبية هابطة. أما الأمر الثاني فهو أن أوروبا تحتاج إلى التمييز بدقة بين البلدان الأوروبية التي تعاني من مديونيات عالية الأخرى التي لا تعاني من هذه المديونيات ولكنها غير قادرة على الاقتراض بتكلفة أقل.
والأمر الثالث هو أن أوروبا تحتاج إلى فرض إصلاحات هيكلية جذرية في اقتصادياتها وبلا شك فإن هذه الإصلاحات تشكل كابوسا للسياسيين الأوروبيين كما أن هذه الإصلاحات لو تمت فإن مكاسبها ستكون على المدى البعيد وليس القريب. ويتمثل الأمر الرابع في وجود مشكلات كبيرة تعاني منها البنوك والمصارف الأوروبية خاصة أن تداعيات أزمة الائتمان العالمية كانت عليها صعبة للغاية وعليها أن تقرر كيف سيكون حال هذه البنوك خلال الثلاث سنوات المقبلة.
أما الأمر الخامس فهو المتعلق بموقف ألمانيا وهل ستقدم المساعدة الحقيقية للبلدان الأوروبية الأخرى أم لا، وهل هناك بديل آخر حيث يدور تفكير حول منطقة يورو جديدة بعدد أقل من الدول وبنسبة تكاملية أقل وللآن لم نر أي تقدم على الساحة الأوروبية وبلا شك فإن هذه الحالة الصعبة التي تعيشها أوروبا تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي وتؤدي إلى استمرار حالة القلق والخوف لدى الجميع.
مثلان للتوضيح
وضرب الدكتور العريان مثلين يوضح بهما وجهة نظره، الأول هو شركة آي بي إم، حيث كان من المتوقع عشية ثورة الكمبيوتر أن تكون أهم علامة تجارية في العالم وأن تسيطر على السوق العالمي وهذا ما لم يحدث والسبب في ذلك أنها أصبحت أسيرة في قفص الخمول الإيجابي، حيث لم تطور نفسها بشكل أكبر وتبدع لتلاحق تطورات السوق واحتياجاته على الرغم أنها واصلت عملها بقوة، ودخل منافسون أقوياء لها.
أما المثل الثاني فهو الملاكم العالمي الشهير محمد على كلاي في معركته مع الملاكم جون فيرمون، حيث كان من المتوقع أن يفوز فيرمون لكن كلاي طور من تدريباته واستأجر من يضربه بقوة حتى يصبر على ضربات فيرمون ويوم المعركة بدا كلاي بتصرفات لم تكن معتادة عليه وتمكن بعد الجولة السابعة أن يحقق النصر بسبب تأقلمه وتكيفه مع ضربات فيرمون الأليمة.
قال الدكتور محمد العريان الخبير الاقتصادي العالمي، الرئيس التنفيذي ورئيس استثمارات مشارك في شركة المحيط الهادي لإدارة الاستثمارات المحدود "بيمكو" أن الأزمات المالية ليست مقتصرة على أوروبا بل على الغرب وبخاصة أميركا واليوم فإن أكبر منطقتين اقتصاديتين في العالم (أوروبا وأميركا) ليست لديهما القدرة على النمو السريع بمعدلات كبيرة ولم يعد أحد منهما محصنا ضد الأزمات وسنرى بلدانا أخرى ستعاني وبلا شك فإن ما يحدث في أميركا سيؤثر على العالم أجمع حيث يسود الخوف والقلق أكثر مما هو عليه حاليا.
وتساءل الدكتور العريان ما هو الحل وما هو المطلوب منا حاليا؟ وأجاب المطلوب اليوم هو أن ندافع ونقوم بهجمات متفرقة كما يحدث في مباريات كرة القدم أو الملاكمة وأن نتكيف ونكون مرنين في التعامل مع التطورات العالمية وأن نبتعد عن حالة الخمول الفعال أي نواصل نفس العمل بدون إبداع.
تميز أبوظبي
وأضاف: عندما ننظر إلى الاقتصاد العالمي اليوم ونبحث عن من تأقلم وتكيف مع أزماته المالية سنرى أن إمارة أبوظبي هي أفضل إمارة ومكان في العالم وبلا شك فإنها تأقلمت مع تداعيات الأزمة المالية العالمية وكلنا معجبون بها خاصة وأنهم يواجهون الأزمة بمرونة وتكيف كبير، وليس المهم اليوم أن تكون أنت أكثر قوة أو أن تواجه هيكلية اقتصادية مختلة بل المهم أنك تحتاج إلى أن تتأقلم وتتكيف وأن تغير برامجك وأن تعمل وأن تتخذ مواقف وسياسات وأن تكون قادرا على الدفاع وفي نفس الوقت أيضا تهاجم وأن تكون قادرا على امتصاص الألم وكما قلت ليس هناك في العالم أفضل من منطقة الخليج وخاصة إمارة أبوظبي في مواجهة الأزمة المالية العالمية خاصة مع وجود أمرين مهمين هما وجود القدرة الفائقة على إدارة الميزانية القوية، ووجود سلعة أو سلع تنتجها ويحتاجها العالم وبلا شك فإن أبوظبي طورت ونوعت من سلعها خاصة مع وجود طلب كبير عليها من دول عديدة في العالم خاصة دول جنوب شرق آسيا وبلا شك فإن أبوظبي نجحت وتمتعت بإمكانية المرونة والتكيف في مواجهة الأزمات المالية.
لن أفعل أفضل من برناكي
لو كنت مكان بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي ماذا كنت ستفعل؟ سؤال وجهه أحد الحضور للدكتور محمد العريان فأجاب قائلا: لن أفعل أفضل مما فعله بن برناكي وأعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي فعل كل ما فيه إمكانياته لكن المشكلة في الساسة، حيث إن الأميركيين لا يملكون الإدارة الحاسمة التي تحل مشكلات الإسكان وسوق العمل والبطالة وبلا شك فإن وزارات الخزانة والعمل والإسكان ليست تحت سيطرة الاحتياطي الأميركي ورئيسه.
الدور الدفاعي في مواجهة الأزمات المالية
قال الدكتور محمد العريان الخبير الاقتصادي العالمي، الرئيس التنفيذي ورئيس استثمارات مشارك في شركة المحيط الهادي لإدارة الاستثمارات المحدود "بيمكو" " إن ما تملكه أبوظبي ومنطقة الخليج من أموال لا تضمن لها النجاح بنسبة 100% في مواجهة الأزمات المالية ولكن الذي يضمن النجاح هو كيفية التكيف والقدرة الفعالة للقيام بدور دفاعي قوي يساعدك على الهجوم الانتقائي القوي وأن تتعرف على الفرص الاستثمارية وأن تنتهزها ولا تكون ضحية للتعثر وأن ترفع فرص وإمكانيات الاستفادة من التغييرات التي تجدث حولك وأن تجمع بين المرونة والتكيف معا وهذا ما نجحت فيه أبوظبي بجدارة.
وواصل قائلا: ميزة أخرى لأبوظبي وهي أنها أخذت بسياسة النمو الشامل ولم تركز على قطاع بعينه عكس ما حدث في الغرب حيث تركز النمو في جهة واستفاد منه الأغنياء والأثرياء ولعل المظاهرات الشبابية الغاضبة التي نشاهدها اليوم في أميركا وأوروبا دليل على صحة ما أقوله، ومن المهم جدا أن تحقق نموا شاملا يخدم جميع الفئات الفقراء والأغنياء كما فعلت أبوظبي.



