اعتبرت أمينة مجموعة مقتنيات بي.آند.أو التراثية سوزي كوكس أيلولة هذه المقتنيات إلى شركة موانئ دبي العالمية بمثابة تعبير واضح وصريح عن استمرارية هذا التراث، الذي يعد على حد وصفها كنوزاً تاريخية نفيسة لا تقدر بثمن، كونها تمثل جزءاً من مواريث البحرية البريطانية والتاريخ البريطاني.
حيث أبدت شركة موانئ دبي العالمية التزاماً قوياً، ليس فقط بالحفاظ على هذه المقتنيات، بل وعملت كذلك على إكسابها قيمة مضافة تزيد من روعتها وجمالها وأهميتها الحضارية والتاريخية، الأمر الذي خلق وضعاً شبهته كوكس بالعائلة الواحدة تنحدر إلى نسبين مختلفين، وأوضحت مغزى ودلالة هذا التشبيه قائلة: لم تقدم شركة موانئ دبي العالمية على خطوة التخلص من هذه المقتنيات النفيسة، رغم أنها غير ملزمة قانونياً بموجب عقد الاستحواذ المبرم في عام 2007 بالحفاظ على تلك المقتنيات، ورغم أنها تدفع تغطية تأمينية لهذه المقتنيات تبلغ قيمتها 6.5 ملايين جنيه استرليني، ولكنها آثرت طوعاً الحفاظ على هذه المقتنيات.
وتضم المجموعة التراثية لشركة بي.آند.أو مقتنيات يصل عددها إلى 25 ألف قطعة يعود تاريخ بعضها إلى القرن الثامن عشر، وهى تعد أكبر مجموعة تراثية بحرية في العالم، وتتألف المجموعة من مجسمات تحاكي نماذج سفن جابت البحار والمحيطات في مراحل تاريخية مختلفة، بدءاً من السفن الشراعية ووصولًا إلى السفن التي تعمل بطاقة البخار، التي شكلت منعطفاً تاريخياً في تطور صناعة السفن في العالم، فضلًا عن لوحات زيتية تصور شخصيات تعد رموزاً في صناعة السفن العالمية، كما تضم المجموعة لوحات فنية تعبر عن الأحداث الضخمة التي شهدتها البحرية البريطانية على مدار تطورها التاريخي.
ويعتبر الموقع الالكتروني الرسمي لتراث بي آند أو مصدراً حيوياً للمعلومات، إذ يضم صوراً ومواد أرشيفية وتفاصيل عن تاريخ بي آند أو على مدى 175 عاماً، ويحتوي على قاعدة بيانات الكترونية تتضمن معلومات مثيرة ومفصّلة وسجلات شاملة عن تاريخ كل سفينة. كما يعرض الموقع مجموعة ضخمة من صور بي آند أو التي تم تصنيفها مؤخراً وتحويلها إلى نسخ رقمية للمرة الأولى.
وقامت شركة بي.آند.أو بتجميع مقتنيات هذه المجموعة مدفوعة بالشعور بأنها تصنع التاريخ وأن علامتها التجارية ستكون جزءاً من حركة التطور التاريخي في العالم إذا جعلت احترام وصون التاريخ جزءاً من ثقافتها.
قيمة تاريخية ثمينة
وترى كوكس أن القيمة التاريخية للمقتنيات تفوق بكثير قيمتها السوقية، وأنه رغم أن قيمة تغطيتها التأمينية تبلغ 6.5 ملايين جنيه استرليني، إلا أن قيمتها التاريخية لا تقدر بمال، وتقول في هذا الصدد: تجسد المقتنيات التراثية بالنسبة لنا جانباً من تاريخ البحرية البريطانية، ولكن يجب توفير تغطية تأمينية لها بحسب قيمتها الحالية في السوق التي لا تعكس بأي حال من الأحوال أهميتها وقيمتها التاريخية.
وفي بداية عملية الاستحواذ طفت على السطح المخاوف بشأن مصير هذا التراث، وانطلقت هذه المخاوف من مشاعر قلق سادت حينذاك إزاء إمكانية أن يقوم المالك الجديد (موانئ دبي العالمية) بتبديد هذا التراث الذي يعد جزءاً من تاريخ بريطانيا، التي بسطت في قرون سابقة نفوذها على مناطق كثيرة في العالم بفضل امتلاكها قوة بحرية لم يكن بمقدور أحد حينها مضارعتها، ولكن سرعان ما تبددت هذه المخاوف، عندما ظهر جلياً للعيان أن شركة موانئ دبي العالمية حريصة على الحفاظ على ديمومة هذا التراث ليكون أحد الروافد التاريخية التي تشكل خلفيتها الثقافية والحضارية والتاريخية.
وتحكي كوكس فصول هذا المقطع المهم في تاريخ انتقال ملكية مجموعة مقتنيات بي.آند.أو التراثية إلى شركة موانئ دبي العالمية قائلة: كان هناك قلق على مصير هذه المقتنيات التراثية، وذلك لأن الحقيقة التي كانت ماثلة في العقول حينذاك هي النظر إلى شركة بي.آند.أو على أنها شركة بريطانية، ومن ثم ثار القلق بشأن مستقبل هذا التراث، ولكن تبدد القلق بمرور الوقت، فعلى مدى خمس سنوات لم يمس هذا التراث من قريب أو بعيد، ولم يتم تبديده أو التصرف فيه، وهو أمر يثير الإعجاب والتقدير.
وتابعت كوكس سرد شهادتها، بوصفها واحدة من العاملين الذين أمضوا جزءاً من حياتهم المهنية والوظيفية في شركة بي.آند.أو، ثم انتقلوا إلى شركة موانئ دبي العالمية بعد إنجاز عملية الاستحواذ، قائلة: كنا بالتأكيد نأمل أن يتم الحفاظ على هذه المقتنيات التراثية، حيث لم يرد في عقد الاستحواذ بند يلزم شركة موانئ دبي العالمية بالحفاظ على هذا التراث.
وبالتالي، كان الحفاظ على المقتنيات التراثية من عدمه مسألة اختيارية محضة بالنسبة لشركة موانئ دبي العالمية، ولكننا محظوظون للغاية أن زمام القيادة انتقل إليها، فقد أظهرت قناعة وإيماناً عميقين بضرورة الحفاظ على هذا التراث، بوصفه جزءاً أصيلاً من نموذج أعمالها واستراتيجيتها.
ولا نعلم على وجه اليقين المصير الذي كان يمكن أن يواجه هذه المقتنيات، إذا ما كانت القيادة انتقلت إلى أياد أخرى ترتأي أن دفع 6.5 ملايين جنيه استرليني للتأمين على هذه المقتنيات مبلغاً ضخماً يجدر توفيره، فنحن محظوظون للغاية أن شركة موانئ دبي العالمية أدركت القيمة الكبيرة والسامية الكامنة في هذا التراث، وما ينطوي عليه من إمكانيات ضخمة.
تبديد مشاعر القلق
كانت المسألة والكلام مازال على لسان كوكس - بالغة التعقيد بالنسبة للمواطن البريطاني، حيث كان من الممكن التعرف على ردود أفعال تتباين طفيفاً فيما بينها، ولكنها تمحورت بشكل أساسي حول مشاعر تتعلق بالولاء والهوية والتاريخ البريطاني، وغير ذلك من التعبيرات التي تجسدها العلامة التجارية لشركة بي.آند.أو، وبالتالي انطوى الأمر على تحديات تتعلق بكيفية ضمان توفير المعلومات الحقيقية عن هذه المقتنيات لكل شخص، وبدورنا قمنا بإطلاع الجميع على القصة كاملة.
وتابعت قائلة: نحن لم نشعر بالقلق على الإطلاق بشأن مستقبلنا كعاملين في شركة بي.آند.أو، التي لم تكن مجرد أصول مادية يسهل نقل ملكيتها من مالك لآخر، بل كانت تمتلك أصولاً غير مادية يعود إلى مالكها الجديد مسألة إدراك قيمتها من عدمه، وكانت مجموعة المقتنيات التراثية أحد تلك الأصول غير المادية، وكنا نتطلع حينذاك إلى أن تستمر شركة بي.آند.أو بنفس الوضعية التي كانت عليها، وهذا ما حدث بالفعل.
ولم يقتصر الأمر على هذا الحد، فقد قامت شركة موانئ دبي العالمية بإضافة موانئ جديدة إلى محفظة موانئ شركة بي.آند.أو، كما عملت على إضفاء قيمة مضافة جديدة للمقتنيات التراثية على نحو يكسبها المزيد من الروعة والجمال والأهمية التاريخية، وبالتالي أعتقد أن عملية الاستحواذ أضافت الكثير إلى المقتنيات التراثية، وليس بالمقدور التكهن بما كان سوف يحدث لهذا التراث إذا ما كانت الشركة المستحوذة ليست موانئ دبي العالمية.
ومن منظور كوكس، ضمنت عملية الاستحواذ استمرار العلامة التجارية لشركة بي آند أو، فلم تطرأ تغييرات على الوضعية المتميزة والفريدة لمجموعة المقتنيات التراثية، حيث استمرت شركة موانئ دبي العالمية في اتباع نفس استراتيجية شركة بي آند أو بخصوص المجموعة التراثية، بل قامت كذلك بوضع لمساتها التطويرية على هذا التراث بما يزيد قيمته التاريخية.
وتتحدث كوكس عن استمرار الاهتمام بالمجموعة التراثية قائلة: من السهل النظر إلى المرحلتين ما قبل وبعد الاستحواذ على أنهما يسطران قصة واحدة لم تطرأ تغييرات على فصولها مع تغير المالكين، وهذه الاستمرارية حققت قدراً كبيراً من النجاح، حيث أصبحت شركة موانئ دبي العالمية تمتلك تاريخاً يرجع إلى عام 1837، وهذا التاريخ مازال حياً وقائماً.
العائد التجاري
وترى كوكس أن تحقيق عائد تجاري ومادي من هذه المقتنيات مسألة قيد الدراسة، وإن كانت هناك مبادرات مهمة في هذا الصدد، ومن بينها إعطاء الترخيص لتصوير اللوحات والصور الذي يحقق مزايا عديدة على صعيد تحقيق عائد من جانب، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الناس لرؤية هذه المقتنيات التراثية من جانب آخر، بل وهناك حماية قانونية لها من أعمال التصوير غير القانوني.
وتابعت كوكس قائلة: أعتقد أن الترخيص الذي نقوم بمنحه يحقق عائداً تجارياً، ورغم انه لا يدر أموالًا كثيرة لكنه يتيح الفرصة للمزيد من الناس لرؤية هذه المقتنيات، ويسمح في الوقت ذاته بتحقيق بعض العوائد التي تضمن الاستثمار في هذه المقتنيات، حيث تباع هذه الصور حالياً في المتاجر.
ونحصل على جزء من حصيلة بيعها. واختتمت كوكس حديثها قائلة: ربما تختلف العلامتان التجاريتان لشركتي موانئ دبي العالمية وبي.آند.أو، ولكن تبقى هناك مواريث ثقافية وتاريخية مشتركة فيما بين الشركتين، وهو ما يضع نموذج أعمال شركة موانئ دبي العالمية على المسار الصحيح، بأن تكون قادرة على تحقيق نمو على الأجل الطويل ربما لفترة زمنية أخرى قد تصل إلى 250 عاماً، وفي نهاية المطاف يمكن توصيف الوضع بأنه أشبه ما يكون بوضع عائلة واحدة تنحدر إلى نسبين مختلفين.

