أكد محللون ومستثمرون عقاريون أن قوة الاقتصاد وضخامة مشروعات البنية التحتية في أبوظبي عززا من وضعية القطاع العقاري ومنعا حدوث تراجع كبير في أسعار الإيجارات. ويرى الخبراء أن تنفيذ المشروعات التنموية الكبيرة في أبوظبي رفع الطلب على العمالة وهو أمر له انعكاسات إيجابية على سوق السكن. وظل الاتجاه السائد هو ذلك النمط المتمثل في التراجع التصحيحي التدريجي.

 ومنذ بداية عام 2009 برزت توقعات كثيرة بأن سوق أبوظبي العقاري مهدد بتراجع وهبوط كبير بل وانهيار في الإيجارات السكنية والمكتبية، ودعم هذا التصور إقتراب مشاريع سكنية عملاقة كبيرة تنفذها شركات كبري على الإنجاز النهائي ودخول السوق.

وعلى مدار أكثر من عشرين شهرا ظل تأجير وحدة سكنية متوسطة حلما بعيد المنال بعد أن وصلت ايجارات الوحدات السكنية سواء المتوسطة والفاخرة مستويات غير معقولة لم تشهدها أغلى المدن العالمية حيث ارتفعت الإيجارات السكنية بنسب قدرتها شركات ومكاتب عقارية متخصصة بأكثر من 300 %، وكان الدليل الأبرز والأشهر لذلك هو إرتفاع إيجار الوحدة السكنية المتوسطة غرفتين وصالة من 45 ألف درهم إلى 180 ألف درهم.

 

قوة الاقتصاد

ولم يحدث انهيار مفاجئ ويبدو أنه لن يحدث ، فقوة الموقف الإقتصادي لأبوظبي وما طرحته من مشاريع عملاقة في مختلف القطاعات الاقتصادية استقطب عمالة ضخمة زادت من الطلب ، كما أن المعروض لم يزد إلا مؤخرا بعد أن تأخرت عمليات تسليم مشاريع سكنية ضخمة تنزل إلى السوق منفردة وبشكل تدريجي بطيء يؤدي على المدى البعيد إلى تصحيح السوق.

ويتفق خبراء السوق العقاري في أبوظبي على أن حالة اللاتوازن غير المسبوق الذي شهده سوق الإيجارات في أبوظبي خلال الأعوام من 2005 إلى 2009 وأدت إلى زيادة الإيجارات بنسب تعدت 300% في طريقها للإختفاء حيث يصحح السوق حاليا نفسه وسيعود إلى حالته قبل عام 2005 حيث كانت إيجارات المساكن والمكاتب منطقية ومعقولة.

وتشهد إيجارات المساكن والمكاتب في مدينة أبوظبي وضواحيها حاليا تراجعا ملحوظا، ويظهر هذا التراجع بشكل كبير في إيجارات الفيلات السكنية والمكاتب والوحدات السكنية خاصة وحدات الثلاث غرف وصالة بينما مازالت إيجارات الوحدات الاقتصادية غرفتين وصالة وغرفة وصالة وإستوديو مرتفعة بسبب كثرة الطلب عليها.

 

إيجارات الفيلات

ووفقا لمسؤولي مكاتب عقارية كبرى في أبوظبي التقتهم البيان فإن إيجارات الفيلات السكنية داخل وخارج مدينة أبوظبي هي الأكثر تراجعا حيث تراجعت إيجارات الفيلا المكونة من 6 أو 5 غرف حاليا إلى 200 ألف درهم مقارنة بنحو 450 ألف درهم خلال أعوام 2006 و2007 و2008 ، ووصلت قيمة إيجار الفيلا المكونة من 4 غرف إلى 180 ألف درهم حاليا بينما سجلت نحو 350 ألف درهم سابقا داخل المدينة كما تتراجع إيجارات الفيلات في مدن محمد بن زايد وخليفة أ وب إلى أكثر من ذلك حيث تتراوح إيجاراتها بين 170 ألف درهم و130 ألف درهم.

 

معروض كبير

ويرجع هذا التراجع في إيجارات الفيلات السكنية في أبوظبي وضواحيها كما يؤكد عبد الرحمن الشيباني المدير العام لمكتب الغانم للعقارات في أبوظبي إلى وجود معروض كبير من الفيلات الجديدة يتزايد يوما بعد الآخر في وقت يعد الطلب عليها محدودا وثابتا إلى حد كبير الأمر الذي سيساهم في تراجعها أكثر خلال الشهور المقبلة خاصة وأن أعدادا كبيرة من المواطنين فضلوا بناء أعداد كبيرة من الفيلات خلال السنوات الأربع الماضية داخل المدينة وخارجها بهدف استثمارها بعد أن حققت الإيجارات أرقاما قياسية لم تشهدها أبوظبي طوال تاريخها الحديث.

وينوه الشيباني إلى أن ظاهرة الفيلات المغلقة خارج المدينة إختفت بشكل كبير وستختفي نهائيا خلال الشهور القليلة المقبلة حيث يقوم مستثمروها بتأجيرها بالقيمة الإيجارية لها في السوق حاليا بعد أن قبلوا بأوضاع السوق الجديدة ، لافتين إلى أن إستقرار الإيجارات بعد تراجع كبير إضافة إلى تزايد المعروض خاصة من الفيلات السكنية في مدينة محمد بن زايد وخليفة أ وخليفة ب يدفع المستثمرين لتأجير فيلاتهم بأسعار السوق حتى لايتكبدوا خسائر أكبر مما تحملوه خلال الشهور الماضية.

 

الوحدات السكنية

وبدأ التراجع في إيجارات المساكن بالوحدات السكنية الفاخرة حيث شهدت إيجاراتها خلال العامين الماضي والحالي تراجعا بنسبة كبيرة في مدينة أبوظبي وصلت إلى نحو 50% مقارنة بإيجارات أعوام 2006 و2007 و2008.

وتتواجد حاليا داخل مدينة أبوظبي أبراج سكنية تضم مئات الوحدات السكنية الفاخرة تتكون من ثلاث غرف وصالة تتراوح قيمتها الإيجارية بين 125 ألف درهم و130 ألف درهم مقارنة بإيجارات أعوام الطفرة التي تجاوزت 300 ألف درهم.

وتنتشر الأبراج السكنية الفاخرة في أماكن كثيرة في مدينة أبوظبي وبصفة خاصة في شارع خليفة والكورنيش والنادي السياحي والخالدية وشارع المطار وترتفع فوق الكثير من هذه الأبراج لافتات مكتوب عليها للإيجار باللغتين العربية والإنجليزية.

كما طال التراجع أيضا الوحدات السكنية القديمة حيث تراجع إيجارات الوحدة السكنية ثلاث غرف وصالة من 280 ألف درهم إلى 90 ألف درهم حاليا في مناطق عديدة في العاصمة والوحدة السكنية غرفتين وصالة من 170 ألف درهم إلى 75 ألف درهم بينما كان التراجع محدودا في الوحدة السكنية غرفة وصالة حيث تراجع من 80 ألف درهم إلى 60 ألف درهم والأستوديومن 60 ألف درهم إلى 35 ألف درهم والسبب في ذلك يرجع إلى كثرة الطلب على هذه النوعية من السكن حيث أن نسبة كبيرة من العمالة الوافدة من العزاب.

كما كان التراجع في المناطق الخارجية مثل مصفح ومحمد بن زايد كبيرا أيضا وأصبح بالإمكان حاليا تأجير وحدة سكنية غرفتين وصالة فيهما بقيمة إيجارية تتراوح بين 50 ألف درهم و55 ألف درهم بينما كانت هذه القيمة لاتقل سابقا عن 120 ألف درهم.

 

حقيقة واقعة

ويشير مبارك العامري مدير شركة الصمود العقارية إلى أن التراجع في الإيجارات السكنية الجديدة والقديمة حقيقة والدليل على ذلك الإعلانات الكثيرة التي تؤكد وجود معروض كبير منها وبإيجارات معقولة وإن كانت مازالت مرتفعة ، لافتا إلى وجود تراجع كبير في الطلب على الإسكان الفاخر في أبوظبي خلال الشهور الماضية .

وقال إن إيجارات هذا الإسكان تراجعت بنسب كبيرة وصلت إلى نحو 50% وستتزايد هذه النسبة خلال الشهور المقبلة خاصة مع دخول آلاف الوحدات السكنية الفاخرة الجديدة.

وأرجع السبب في ذلك إلى أن فترة طفرة الرواج العقاري التي سبقت الأزمة المالية العالمية 2008 شهدت تنافسا بين غالبية الشركات العقارية والملاك المواطنين على إنجاز مشروعات للإسكان الفاخر فقط بسبب إرتفاع عوائده وتمثل ذلك في إنشاء عشرات الأبراج السكنية الشاهقة الأمر الذي أدى تراجع أعداد بنايات الإسكان المتوسط والإقتصادي بشكل كبير ، وخلق حالة من عدم التوازن في السوق العقارية بسبب ندرة المعروض من نوعي الإسكان سواء الفاخر أو المتوسط.

ويوضح العامري أن إيجارات المساكن القديمة شهدت تراجعا أكبر خلال الشهور الماضية لافتا إلى أن هذا التراجع مرشح للإستمرار بسبب دخول بنايات سكنية وفيلات وأبراج جديدة إلى مدينة أبوظبي وضواحيها خلال الشهور المقبلة حيث سيتم تأجير هذه البنايات بقيم إيجارية أقل كثيرا مما كان سابقا وسينعكس ذلك على إيجارات المساكن القديمة بالطبع.

 

توقعات متفاوتة

وطوال العامين الماضي والحالي توقع مسؤولو المكاتب العقارية والخبراء العقاريين والمستثمرين أن تتعرض إيجارات أبوظبي لهبوط كبيرإلا أن هذا لم يحدث بل كان التراجع تدريجيا وبطيئا. ويرجع الخبير العقاري الدكتور مهندس دكتور فؤاد الجمل مدير شركة تراست للمقاولات وأحد المستثمرين العقاريين ذلك إلى أن نسبة لايستهان بها من المشاريع الجديدة لم تسلم في مواعيدها وعلى سبيل المثال أبراج جزيرة الريم الأربعة عشر التي تضم أكثر من 4500 وحدة سكنية كان من المقرر أن تسلم أواخر 2009 إلا أنه لم يتم تسليم إلا 4 أبراج منها للمستثمرين إلا مؤخرا أي منتصف عام 2011 ومازالت هناك 8 أبراج لم تسلم وقد تسلم في عام 2012 إضافة إلى مشاريع أبراج أخرى تأخرت في التسليم الأمر الذي أجل التراجع والهبوط الكبير في الإيجارات.

وينوه إلى أن العديد من المستثمرين طرحوا تأجير وحداتهم السكنية في أبراج الريم حاليا بقيمة إيجارية تصل إلى 120 ألف درهم بينما كانوا يخططون لتأجيرها بنحو 200 ألف درهم وبلاشك فإن تراجع إيجارات الوحدات السكنية بجزيرة أبوظبي (العاصمة) التي لاتبعد عن جزيرة الريم إلا دقائق معدودة بنسبة تراوحت بين 35% و40% حالت دون تأجير وحدات الريم بإيجارات أعلى وأتوقع أن تتراجع إيجارات الوحدات السكنية لاقديمة غرفتين وصالة إلى 60 ألف درهم أو 55 ألف درهم خلال الأشهر الستة حيث ستدخل السوق أبراج سكنية جديدة.

ويرى أن العديد من مستثمري وحدات أبراج الريم سيضطروا لامحالة لتأجير وحداتهم بقيمة إيجارية أقل حيث من المتوقع أن تفرض عليهم رسوم صيانة تتراوح رسومها للقدم المربع الواحد مابين 10 دراهم و15 درهما وبالتالي إذا كانت الوحدة السكنية تتكون من 1200 قدم فإن رسوم صيانتها السنوية تصل إلى نحو 15 ألف درهم وبالتالي فلو تم تأجير وحدة سكنية بقيمة 120 ألف درهم فإن قيمتها الإيجارية الصافية للمستثمر ستكون في حدود 105 ألاف درهم وأعتقد أن الكثير من المستثمرين سيسارعون في تأجير وحداتهم ولن ينتظروا كثيرا خاصة وأن العديد منهم مدين للبنوك بنسبة كبيرة من قيمة وحداتهم الإستثمارية.

 

معروض متزايد

أما الخبير الإقتصادي رضا مسلم شريك شركة تروث للإستشارات الإقتصادية في أبوظبي فيوضح أن سوق أبوظبي العقاري سيكون قريبا شبه متخم بالمعروض من الوحدات السكنية لافتا إلى أن السوق وفقا لدراسات الشركة شهد زيادة في البنايات السكنية من 160 ألفا و435 بناية عام 2009 إلى 170 ألفا و982 بناية بنهاية عام 2010 أي بزيادة أكثر من عشرة آلاف بناية ومن المتوقع أن يصل عدد البنايات السكنية في أبوظبي بحلول عام 2013 إلى 183 ألفا و445 بناية سكنية وعام 2015 بنحو 194 ألفا و624 بناية سكنية والظاهرة الجديرة بالملاحظة هنا أن المعروض يتزايد بشكل مستمر نتيجة دخول بنايات سكنية بدأت عمليات تشييدها منذ ثلاث سنوات إلى السوق خلال الفترة المقبلة وهذه المشاريع تخص شركات الإمارة الكبيرة مثل الدار وصروح والقدرة ومنازل وإشراق وبالتالي فإن تراجع الإيجارات بصورة أكبر قادم لامحالة ولاشك في ذلك.

ولفت إلى أن سوق أبوظبي خلال العامين الماضي والحالي لم يشهد تراجعا وهبوطا كبيرا في الإيجارات أسوة بأسواق إمارات أخرى وهناك أسباب عديدة وراء ذلك أبرزها ضخامة المشاريع الجديدة التي أطلقتها إمارة أبوظبي خاصة في قطاعات البنية التحتية والمطارات والغاز والنفط والطاقة الكهربية وغيرها وكل هذه المشاريع إستلزمت عمالة جددية ، إضافة إلى التأخر في تسليم مشاريع كبرى كان من المقرر تسليمها خلال أعوام 2009 و2010 ، وقوة المركز المالي لملاك بنايات أبوظبي فضلا عن أن الشركات الحكومية وشبه الحكومية تستأجر لموظفيها وحدات سكنية بإيجارات مرتفعة ، إضافة إلى عدد لايستهان به من العمالة التي كان تعمل في مشاريع دبي إنتقلت للعمل في أبوظبي مما أوجد طلبا طارئا .

وتوقع الكثير أن تهبط الإيجارات خلال العامين الماضيين إلا أن هذا لم يحدث بشكل كبير وكان التراجع بطيئا وتدريجيا وأتمنى من الجهات المعنية في الإمارة عدم التدخل في السوق لأن عدم دخول الوحدات السكنية الجديدة خاصة الوحدات الإقتصادية يعرض الإقتصاد الوطني للإمارة للخسارة.

ويوضح أن الإيجارات مقبلة على تراجع أكبر خلال الفترة المقبلة لافتا إلى أن توقعاته تركز على أن مشاريع الحكومة تتجه بقوة حاليا على نوعية المشاريع كثيفة رأس المال وقليلة العمالة كما أنها تشجع التوطين وبالتالي فإن حجم العمالة الوافدة في الإمارة سيتراجع تدريجيا وفي ظل تراجع الطلب من الوافدين الذي يقابله زيادة في المعروض من الوحدات السكنية خاصة الوحدات الجديدة فإن جميع الإيجارات ستنخفض أكثر ولكن ليس من المتوقع أن تتراجع إلى مستويات عام 2004 لأن ذلك يحتاج إلى وقت أطول قد يستغرق عدة سنوات ولكن ستكون الإيجارات في مستويات معقولة خلال العامين المقبلين.

ويلفت إلى أن التراجع الذي طال إيجارات الفيلات والوحدات السكنية في أبوظبي ومناطق خليفة أ وخليفة ب ومحمد بن زايد خلال العام الماضي وتزايد خلال العام الحالي كان متوقعا بسبب قوة المركز المالي لملاك أبوظبي.

ويرى أن حالة السوق العقاري في أبوظبي متأرجحة خلال العامين الماضي والحالي ولكن بشكل عام فإن سمة هذا السوق هو التراجع وقد يستقر السوق على تراجع وخاصة في بداية "موسم النشاط" خلال شهري سبتمبر وأكتوبر حيث من المتوقع كما هو معتاد سنويا أن يشهد سبتمبر وأكتوبر نشاطا ملحوظا في كافة قطاعات الأعمال يؤدي إلى زيادة أعداد العمالة التي تدخل المدينة الأمر الذي يرفع الطلب مرة أخرى على السكن في المدينة بشكل ملحوظ .

والملاحظ هذا العام أن الطلب ليس كبيرا كما كان الأعوام الماضية وأصبح بالإمكان حاليا تأجير وحدات سكنية غرفتين وصالة بنحو 70 ألف درهم وهذا كان غير متصور منذ 3 سنوات وهذا المؤشر يؤكد على أن التراجع في الإيجارات مستمر وسيتزايد خلال الفترة المقبلة.

 

سوق غامض

لفت الخبير العقاري صالح المنصوري مدير مكتب أبوظبي للعقارات أن سوق أبوظبي غامض وغير واضح المعالم مؤكدا على أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الإيجارات ستتراجع بشكل كبير سواء داخل أو خارج مدينة أبوظبي، لافتا إلى أن الموقف الاقتصادي لإمارة أبوظبي قوي للغاية، ويتجسد ذلك في طرح مشاريع ضخمة جديدة كفيلة باستقطاب عمالة كبيرة وهناك مشاريع ضخمة للبنية التحتية والطرق والمطار وغيرها مازالت تحتاج إلى عمالة خاصة وأن هذه المشاريع ستنفذ على عدة سنوات وبالتالي فإن الحياة ستدب بقوة في أوصال الإقتصاد الأمر الذي يزيد الطلب على السكن فيها وبصفة خاصة الإسكان المتوسط.

ويشكك في حدوث تراجع كبير في الإيجارات خلال العام المقبل مع تسليم العديد من المشاريع الجديدة وعلى رأسها أبراج جزيرة الريم مشيرا إلى أن الطلب على السكن في أبوظبي سيظل قائما.