أكدت دراسة لمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث، الذراع التشغيلية للأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي، أن اقتصاد دبي شهد تحولات مشهودة عبر مسيرة نموه وخاصة منذ عام 1999 ، وأن عملية التنويع الاقتصادي التي قامت بها دبي قد شهدت نجاحاً كبيراً بدلالة قدرتها على الاستجابة للتقلبات التي شهدتها أسعار النفط العالمية طوال العقود الثلاثة الماضية. وذكرت الدراسة أن الامارات تأتي في طليعة دول مجلس التعاون الخليجي في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية.

وأعد الكادر التنفيذي للمركز الدراسة التي جرت حول العلاقة بين النمو الاقتصادي وهيكل الصادرات واستراتيجية التنمية في دبي. وتأتي هذه الدراسة في إطار سلسة أبحاث السياسات الاقتصادية التي يضطلع بها المركز والتي تركز على قضايا الاقتصاد الكلي ذات الأهمية الاستراتيجية للاقتصاد المحلي. وتهدف هذه الأبحاث الى رفع مستوى الوعي لدى مراكز صنع القرار بشأن هذه القضايا، اضافة الى التوصل الى مجموعة من الاستنتاجات وتوصيات السياسة باتجاه تعزيز عملية التنمية الاقتصادية على مستوى إمارة دبي ودولة الامارات.

 

خصائص مشتركة

تبنت الدراسة منهجية المقارنة بين دبي من جهة واقتصادي سنغافورة وهونج كونج من جهة أخرى نظراً للسمات المشتركة بين هذه الاقتصادات، مثل عدد السكان، وارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي، والموقع الاستراتيجي كمركز للخدمات التجارية والمالية، فضلاً عن تزامن تجاربها التنموية في مطلع السبعينيات، وتدفق العمالة الوافدة اليهما، وتعدد الخلفيات الأثنية في التركيبة السكانية، بيد أن اقتصادي سنغافورة وهونج كونج يختلفان عن اقتصاد دبي بوصفهما قد سجلا ارتفاعات مشهودة في الانتاجية الكلية والتي كانت بمثابة الرافعة لنموهما رغم انخفاض كل من التراكم الرأسمالي ومعدل نمو العمالة فيهما.

واستهلت الدراسة باستعراض تطور معدلات النمو الاقتصادي في دبي منذ السبعينيات من القرن الماضي وحتى عام 2008، حيث أشارت الى ان الامارة قد شهدت معدلات نمو غير مسبوقة طوال المدة المذكورة، إذ ازداد معدل نموها الحقيقي من 6% خلال الفترة 1975-1990 الى حوالي 9% خلال الفترة 1991-2008 أي بمعدل نمو سنوي بلغ 7.5%، وبهذا فقد تفوقت دبي على كل من سنغافورة (7%)، وهونج كونج (6.1%)، فضلاً عن بعض الدول الصناعية المتقدمة، كالولايات المتحدة الأمريكية (3.1%) والتي تعد أكبر اقتصاد في العالم.

 

مصادر نمو دبي

قامت الدراسة بالبحث عن مصادر النمو في دبي. وفي هذا الصدد تشير الدراسة الى أن هذه المصادر هي توليفة من التراكمات المادية والرأسمالية، اضافة الى العمالة، والانتاجية الكلية لعوامل الانتاج. وقد تبين ان النمو الحاصل في رصيد رأس المال والعمالة قد سار موازياً للنمو الحاصل في الناتج المحلي الاجمالي للإمارة خلال العقود الثلاثة الماضية. وتؤكد الدراسة بان الانجاز الذي سجلته دبي على صعيد معدل نموها الحقيقي إنما يعكس النمو الحاصل في مختلف القطاعات المؤلفة لاقتصاد الامارة. وقد صاحب هذا الأداء ارتفاعا في معدلات التوظيف تزامن معها نمو مستمر في رصيد رأس المال.

وبالمقابل، بينما كان التوسع في النشاط الاقتصادي في الامارة ملفتاً، إلاّ أن حصة العامل من الانتاج لم ينم بنفس المنوال بسبب الأعداد الكبيرة والمتزايدة من العمالة الوافدة الذين قدموا الى دبي . وتوعز الدراسة هذه الظاهرة الى انخفاض انتاجية العامل وكذلك انتاجية عوامل الانتاج الكلية في الامارة نظراً لأن نسبة كبيرة من العمالة الوافدة قد تركزت في قطاع البنية التحتية والذي لا يتطلب عادة مستويات عالية من المهارات والمعرفة التكنولوجية مقارنة ببقية القطاعات كالصناعة مثلاً. أما في الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، فالحال يختلف حيث شهدت هذه الاقتصادات نمواً مطرداً في انتاجية العامل، والتي رغم ما تعرضته من تقلبات في بعض السنوات الى أن اتجاهها العام كان نحو الارتفاع. وفي هذا المجال، تنوه الدراسة الى الأهمية الكبيرة لإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والعمالية بالاتجاه الذي يرفع من مستوى انتاجية العامل.

كما افادت الدراسة بان الانتاجية الكلية كانت حساسة للارتفاع الكبير في حجم الانفاق العام لاسيما إبان الفورتين النفطيتين الأولى (1978-1979) والثانية (2002-سبتمبر 2008)، اضافة الى الازدهار الملفت الذي شهده قطاع العقار في نهاية العقد الماضي. من هنا، تفيد الدراسة أنه باستبعاد قطاعي النفط والعقار فأن الانتاجية الكلية تعد متباطئة كثيراً.

 

قطاعات قيادية للنمو

أوضحت الدراسة أن دبي قد استطاعت أن تعيد هيكلة اقتصادها بنجاح، وتجسد ذلك بصورة رئيسة في انخفاض اعتمادها على النفط، حيث -طبقاً للاحصائيات- انخفضت حصة النفط من الناتج المحلي الاجمالي وبصورة مستمرة طوال العقود الثلاثة الماضية، من 48% خلال الفترة 1975-1980 الى 6% خلال الفترة 2005-2008، وكذا الحال بالنسبة لمعدل نمو القيمة المضافة والتي انخفضت من 13% الى -11% خلال المدة المذكورة.

وفي هذا السياق، تثير الدراسة تساؤلاً مفاده "كيف يستطيع اقتصاد مثل دبي لايزخر بالموارد الطبيعية أن يحقق مثل هذا الأداء الاقتصادي المتميز؟ وتجيب الدراسة على هذا التساؤل بأن الامارة تمتلك عدداً من القطاعات القيادية مثل السياحة والتجارة والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والتشييد والنقل والتي شهدت جميعها نمواً متواصلاً خلال العقود الماضية. بيد أنه وبالمقابل شهدت قطاعات أخرى انكماشاً مثل المرافق العامة والخدمات الحكومية رغم الارتفاع النسبي الحاصل في معدلات نمو الاستثمار والتوظيف فيهما.

ولاحظت الدراسة أن الانتاج شهد نمواً سريعاً خلال العقد الماضي، وكما هو الحال معدل نمو التوظيف، والتراكم الرأسمالي. وعلى نحو محدد، ازداد معدل النمو السنوي للقيمة المضافة للتجارة من 6.3% في التسعينيات الى 28.7% خلال العقد الماضي، أي نما لأكثر من أربعة أضعاف، وبالنسبة لقطاع التشييد من 7.3% الى 17.5% أي نما لأكثر من ضعفين خلال الفترة ذاتها.

 

انتاجية العامل

أما بالنسبة لمستويات انتاجية العامل على الصعيد القطاعي، فقد لوحظ انه في كل من قطاع التجارة والقطاعين المالي والعقارات كان المستوى سالباً خلال فترة التسعينيات. وفي قطاع الخدمات العامة (مثل الماء والكهرباء والغاز) كان المستوى راكداً خلال الفترة المذكورة ذاتها مقارنة بما شهده من نمو كبير في كل من سنغافورة وهونج كونج. ويتضح من ذلك ان معدلات النمو الاقتصادي لدبي خلال العقد الماضي قد تأثرت بصورة كبيرة بالنمو الحاصل في القطاعات غير التجارية. هذا وتجدر الاشارة الى أن أهم محددات الانتاجية هي التطور التكنولوجي والابتكارات، اضافة الى السياسات الفاعلة والبيئة الاقتصادية المحفزة.

وبالنظر الى الاحصائيات المتعلقة بمتوسط الانتاجية للقطاعات الرئيسة للامارة ومقارنتها فيما بينها يتجلى بالفعل أن الفجوات ليست على درجة كبيرة من الأهمية، كما أن ثمة مجالاً لرفع الانتاجية في كل من قطاعي التصنيع والخدمات الشخصية على نحو خاص.

 

فرص النمو

و تطرح الدراسة سؤالين استراتيجيين، أولهما: هل ثمة فرص مستقبلية للمزيد من النمو؟ وثانيهما، هل بوسع الأسواق الخارجية أن تصبح محركاً للنمو الاقتصادي لدبي. وتفيد الدراسة أن قطاع التصدير في دبي قد شهد نمواً متواصلاً خلال العقدين الماضيين. حيث ازداد بمعدل بلغ 33% سنوياً. كما ازداد معدل نمو إعادة التصدير حوالي 38% خلال الفترة ذاتها. ثم ركزت الدراسة على أصناف المنتجات المصدرة، وفيما إذا كانت هذه الاصناف ضامنة لنمو مستدام في المستقبل. وفي هذا السياق اعتمدت الدراسة على مؤشر "درجة تعقد الصادرات".

 

البحث والتطوير

استنتاجات أساسية

وفي الختام، توصلت الدراسة الى عدد من الاستنتاجات حول واقع الصادرات والنمو الاقتصادي لدبي، أهمها

أن التحولات التي شهدها اقتصاد دبي عبر مسيرة نموه وخاصة منذ عام 1999 كانت مشهودة.

ان عملية التنويع الاقتصادي التي قامت بها دبي قد شهدت نجاحاً كبيراً بدلالة قدرتها على الاستجابة للتقلبات التي شهدتها أسعار النفط العالمية طوال العقود الثلاثة الماضية.

بيد أنه، ومن جانب آخر، نوهت الدراسة الى أن انتاجية العامل والانتاجية الكلية لعوامل الانتاج لم تنم على نحو واف. فالنمو الحاصل في الامارة مرده، فضلاً عن النمو الذي شهدته بعض القطاعات الرئسية، هو النمو المتراكم في كل من رأس المال والعمالة غير الماهرة.

ان اجراء مقارنات في مجال النمو بين تجربة دبي وتجارب شبيهة لها مثل سنغافورة ذات دلالات بالغة لجهة رسم الاستراتيجيات المتعلقة بمستقبل اقتصاد الاماراة وخاصة ما يتعلق بـ "فجوة الانتاجية"، هذا بالرغم من أن معظم القطاعات في دبي قد حققت مستويات من الانتاجية على قدم المساواة مع مثيلاتها في سنغافورة.

بيد أن ثمة فجوة في مجال البنية التحتية للكفاءات المستخدمة في مؤسسات القطاع العام بين دبي وسنغافورة.

شهدت الصادرات تطورات ملموسة سواء من الناحية الكمية أو النوعية، بيد أن ثمة حاجة ماسة للمضي قدماً في تطويرها بغية مواكبة التطورات الحاصلة على خريطة التنافسية العالمية.