أكد د. سلطان أحمد الجابر الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» أن صياغة استراتيجية شاملة للطاقة تقوم على مزيج متنوع من المصادر تعتبر العمود الفقري للتنمية الاقتصادية المستدامة.
وقال في مقالة تحليلية: إن دولة الإمارات نهجت منذ تأسيسها مساراً ثابتاً من الجهود الحثيثة والخطى الواثقة لمواكبة النهضة التنموية والسير في مقدمة الركب الحضاري، بل ودخول ميدان السبق في كافة الأصعدة والمجالات، ابتداءً من التطوير الحضري والبنية التحتية، مروراً بأحدث ما توصل إليه العلم من تكنولوجيا وتقنيات حديثة وإبداعية، وذلك وصولاً إلى بناء مجتمع متوازن يجمع ما بين الرفاهية الاجتماعية والتقدم الاقتصادي والمحافظة على البيئة تماشياً مع أفضل ممارسات التنمية المستدامة.
التنمية المستدامة
وأضاف: في ظل الاهتمام الدولي بتحقيق التنمية المستدامة والمحافظة على البيئة والتصدي لتداعيات تغير المناخ، وفي ضوء التغيرات التي تشهدها الساحة العالمية من ظروف اقتصادية، كان لزاماً على المجتمع الدولي التفكير بجدية لمعالجة أحد أهم دعائم التنمية وأول ركائز الاقتصاد العالمي، ألا وهو موضوع الطاقة الذي يعد بمثابة العمود الفقري لأي عملية تنمية.
وهذا التوجه العالمي قد وضع دولة الإمارات جنباً إلى جنب مع العديد من الدول المتطورة والتي تحقق معدلات نمو مرتفعة، في السعي إلى صياغة رؤية استراتيجية شاملة لموضوع الطاقة ووضع استراتيجية واضحة لتأمين الطاقة المستدامة اللازمة لكافة جوانب التنمية الحضارية، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية (بما فيها النفط والغاز) لضمان ديمومتها واستمرارها على المدى الطويل، هذا من جهة، وخلق مناخ اقتصادي متوازن تشكل الطاقة أحد ركائزه بدلاً من أن تكون عبئاً عليه، من جهة أخرى. وفي ضوء هذه المعطيات، اكتسب النقاش العالمي بشأن أمن الطاقة والتنمية المستدامة والتصدي لتحديات تغير المناخ زخماً كبيراً في الآونة الأخيرة، وذلك على مختلف المستويات العالمية والإقليمية والمحلية.
بعد استراتيجي
وقال الجابر: بالنسبة لنا في منطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يكتسب توفير الطاقة بعداً استراتيجياً إضافياً ففي حين تحتاج غالبية بلدان العالم إلى الطاقة لتوفير إمدادات الكهرباء والتدفئة والتبريد ودعم النشاط الصناعي والزراعي، فإننا نحتاج إلى الطاقة لجميع هذه المجالات مضافاً إليها عنصر حيوي هو تحلية المياه وذلك نظراً لقلة الأمطار في المناخ المداري الذي يهيمن على منطقتنا.
ولفتت القيادات السامية لدول الخليج إلى هذا الموضوع في إعلان أبوظبي للدورة الحادية والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي أكد على أهمية الربط بين ضمان أمن المياه وتنويع مصادر الطاقة كضرورة حيوية وأولوية استراتيجية لمستقبل بلداننا. فرغم أن منطقتنا تمتلك ثروات كبيرة من الموارد الهيدروكربونية، إلا أن موضوع الطاقة يبقى من أهم الأولويات نظراً لطبيعة المناخ الجاف وافتقار المنطقة للأنهار والأمطار.
مزيج متنوع
وواصل الجابر قائلا: يبرز سؤال ملح بشأن الحل الذي يضمن توفير الطاقة اللازمة لاستمرار النمو الاقتصادي والاجتماعي، مع المحافظة في الوقت نفسه على سلامة البيئة وضمان الانتقال إلى المصادر الجديدة على نحو سلس لا يتسبب بأي انقطاع أو نقص في الإمدادات. والجواب يكمن في الاختيار الذي اعتمدته دولة الإمارات، ألا وهو التركيز على بناء القدرات في مزيج متنوع من مصادر الطاقة، يشمل: الموارد التقليدية (الهيدروكربونية)، والطاقة النووية السلمية والآمنة، ومختلف أشكال الطاقة المتجددة.
الوقود التقليدي
وقال سلطان الجابر: إن التطور المتسارع والإنجازات العملاقة التي حققتها دولة الإمارات، منافسة بذلك أكثر الدول الصناعية تطوراً خلال الأربعين عاماً المنصرمة من عمرها منذ تأسيسها، يدل وبدون شك أن الدولة قد اكتسبت خبرات مميزة ومعارف راسخة في قطاع الطاقة والصناعة النفطية، استخدمت خلالها ليس فقط أحدث التكنولوجيا المتوفرة عالمياً بل أحدث النظم الاقتصادية في استقطاب الاستثمارات العالمية وإرساء الشراكات الاستراتيجية. وتعتمد قطاعات الاقتصاد في دولة الإمارات بشكل أساسي على الوقود التقليدي (الهيدروكربوني)، بما في ذلك أنظمة توليد الكهرباء وتحلية المياه، والصناعة ووسائل النقل وإلى ما هنالك.
وأضاف: من الضروري إذاً إعادة النظر في أسلوب استخدامنا للطاقة التقليدية بحيث نضمن أعلى مستويات الكفاءة مع استهلاك أقل قدر ممكن من الموارد. فعلى سبيل المثال، تسهم التقنيات النظيفة المتطورة في تعزيز إنتاج الطاقة وطرق توزيعها واستخدامها.
ومن الأمثلة الأخرى لتكامل التقنيات النظيفة مع الطاقة التقليدية، عملية التقاط الكربون وتخزينه (CCS) التي تجمع انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة بما يسهم في الحد من تداعيات تغير المناخ، ويمكن حقن هذا الكربون في حقول النفط الهرمة واستخدامه لتعزيز استخراج النفط مما يتيح الاستغلال التجاري لمزيد من الغاز الطبيعي الذي يستخدم عادةً لحقن آبار النفط وتعزيز إنتاجها.
الطاقة المتجددة
وأوضح الجابر أن جهود الدولة أبدعت في مجال الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، فقد عملت خلال السنوات الخمس الأخيرة محققةً ما لم تستطع العديد من الدول الأخرى إنجازه في هذه الفترة الوجيزة نسبياً. وانبثقت هذه الجهود من رؤية القيادة الرشيدة واستراتيجية الحكومة الواضحة والتي أعلن عنها بشفافية ووضوح الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أثناء انعقاد القمة العالمية لطاقة المستقبل، التي دأبت أبوظبي على استضافتها للأعوام الأربعة الأخيرة على التوالي، لتؤكد التزامها بأن تشكل مصادر الطاقة المتجددة أحد المكونات الأساسية لمزيج الطاقة في الإمارة، وذلك كجزء لا يتجزأ من خطة أبوظبي الاستراتيجية 2030.
وتعد الطاقة الشمسية من أهم مصادر الطاقة المتجددة في دولة الإمارات، وفي هذا الصدد، اتبعت شركة أبوظبي لطاقة المستقبل مصدر أحدث ما توصل إليه العلم في تكنولوجيا الطاقة المتجددة بكافة مجالاتها لتطوير العديد من المشاريع المحلية والعالمية معتمدة على أطر اقتصادية واستثمارية مجدية وناجحة، حيث دخل عدد من المشاريع مرحلة التشغيل الفعلي، مثل محطة الألواح الكهروضوئية باستطاعة 10 ميجاواط في مدينة مصدر التي تعد أكبر محطة عاملة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط. كما يجري العمل وفق الجدول الزمني المحدد لبناء محطة شمس 1 للطاقة الشمسية المركزة بطاقة إنتاجية قدرها 100 ميجاواط، إضافةً إلى العديد من المشاريع قيد الدراسة في هذا المجال.
ولا تقتصر الجهود على الطاقة الشمسية أو تنحصر ضمن نطاق الدولة، حيث تسعى إمارة أبوظبي، من خلال مصدر، إلى بناء أرضية صلبة ترسخ من خلالها مكانتها العالمية. وتنفرد مصدر بمنهجية متكاملة تشمل كافة جوانب ومراحل سلسلة القيمة في القطاع وذلك عبر خمس وحدات أعمال تشمل التعليم والأبحاث والتطوير في قطاع الطاقة المتجددة والاستدامة من خلال معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا، والاستثمار في التقنيات النظيفة من خلال مصدر للاستثمار، وتطوير محطات الطاقة المتجددة داخل الدولة وخارجها من خلال مصدر للطاقة.
ومن المشاريع العالمية التي تشارك فيها مصدر محطة خيماسولار للطاقة الشمسية المركزة والتي دخلت مرحلة التشغيل مؤخراً في اسبانيا. وتم تنفيذ مراحل مهمة ضمن مشروع مصفوفة لندن لطاقة الرياح البحرية في المملكة المتحدة، إضافة إلى العديد من المشاريع الأخرى في مختلف أنحاء العالم.
