ملأت الطفرة العقارية جيوب الكثيرين من المطورين بأموال طائلة خلال 2002/2008.لكن ذلك لا يعني التلميح بأن بين أولئك من كان يستحق أو لا يستحق جني تلك الأموال بالطريقة التي حدثت. فقد بذل الكثير من المطورين جهوداً جبارة لحفر أسمائهم في السوق بينما لم يتكبد البعض الآخر غير عناء جمع الأموال من المضاربات العقارية حتى في مشروعاتهم. فالأمر حينها لم يكن يحتاج لأكثر من قيام المطور بدفع 5% أو 10% من قيمة أرض المشروع ومثلها للإعلان عن بدء بيع الأقدام المربعة لتتجمهر في اليوم التالي أسراب المشترين من شرق الأرض ومغربها للفوز بشقة أو مكتب من المشروع الذي يحتاج إلى 3 سنوات على أقل تقدير لإنجازه.

كان من السهل جداً حينها مطالعة سيل هائل من أخبار «العلاقات العامة» التي تقسم بأغلظ الإيمان مؤكدة بيع المشروع 100% من دون أن يدري أحد كيف ومن ولماذا بيع المشروع كاملاً رغم أن المطور لم يحفر حفرة واحدة في ارض ذلك المشروع...! بالطبع كان المقصود تحريض المزيد من المشترين على دخول اللعبة سواء لجهة الشراء أو المضاربة.. وذلك ما كان يحصل. كانت تلك مهمة المضاربين الذين انقسموا إلى نوعين. النوع الأول هو المضارب الذي دفع باتجاه تعميم فكرة (أن من لا يشتري هذه الشقة اليوم بنصف مليون درهم سيضطر إلى شرائها بمليون ونصف المليون درهم في الغد القريب)...!

أما المضاربون من النوع الثاني فهم أولئك الذين سال لعابهم للأرباح الخيالية التي كان يجنيها المضاربون من النوع الأول وكبرت في عقولهم فكرة تقليدهم والسير على خطاهم والترويج والتسويق لأفكارهم وكان هذا النوع من المضاربين كبش الفداء عندما أطلت الأزمة العالمية برأسها من السوق العقاري الأمريكي لتضرب أسواق العالم بتداعيات لم يخرج منها سالماً إلا تلك البلدان التي تمتعت باقتصادات قوية وبحنكة المعالجة وسرعة وبراعة التدخل كما فعلت الإمارات حينها.

في عام 2010 تغير المشهد في السوق العقاري. اختفى المضاربون الذين ركبوا ظهر الطفرة في البداية بينما شوهد المضاربون من النوع الثاني وأولئك المشترين الملتحقين بالمقطورة الأخيرة للقطار العقاري، وهم يئنون من ضربات مطرقة التصحيح السعري التي لم تفرق بين مشروع وآخر في ذلك العام.... لكن ألم ينتبه أحد للمضاربين قبل قيام السوق بإقصائهم عام 2010؟

ولماذا كان البعض يملأ الساحات الإعلامية نفياً للتقارير التي تنتقد تلك المضاربات؟ والجواب المقتضب بأن كثيرين جداً طالبوا بتطويق تلك المضاربات وكثيرين طالبوا بعدم التدخل الحكومي لأن ذلك يتناقض مع مفاهيم السوق الحر لكن حقيقة الأمر كانت رفضهم لذلك التدخل لأنه لا يدعم تشييد مصالحهم على أنقاض مصالح الغير-.

 

2008 و2010

لم يرق للحريصين على مصلحة البلد رؤية نفر قليل يتلاعبون بالأسعار صعوداً...وصعوداً، لمجرد أنهم يعرفون كيف تؤكل الكتف في الصفقات العقارية الساخنة، فتصدت دائرة أراضي وأملاك دبي لذلك النفر عام 2008 بقانون شرعته السلطات العليا لتنظيم البيع على الخارطة لينزع مخالب وأنياب المضاربين اللاهثين فقط لتحقيق أرباح مجنونة على حساب كل شيء وأي شيء...!

تلقى السوق جرعة أوكسجين كبيرة بعد ضيق تنفس طارئ تسببت به المضاربات وجرى وضع خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها على آلية بيع العقارات على الخارطة منها عدم السماح بالبيع ما لم تكن الأرض مدفوعة بالكامل ومملوكة بالكامل للمطور وأن يكون العمل قد بدأ في المشروع وعدم السماح بالترويج له أو تسويقه إلا بعد تسجيله رسمياً في سجل المشروعات الحكومية وغيرها من الفرامل التي لولا لما كبحت تلاعبات المضاربين.

وصف أحد المطورين البارزين ذلك التحرك الرسمي بأنه يتناقض مع قوانين السوق الحر، ورأى «بأنه يدفع باتجاه هبوط السوق». حينها ردت الأراضي بأنها تريد حماية مكتسبات الطفرة بلائحة تمنع المضاربات المتكررة في العقارات التي يتم بيعها على الخريطة».وبرر مدير عام الدائرة سلطان بن مجرن ذلك التدخل لأن «المضاربات لا تفيد سوق دبي العقاري؛ لأنها ترفع الأسعار فوق إمكانيات المشترين النهائيين وبالتالي لن تجد أحدا يشتريها في النهاية».

لكن لماذا إستاء بعض المطورين؟ قال أحدهم حينها « المضاربات لا تضر السوق، بل تقوم بتنشيطها»، ونشطت الأراضي في التثقيف باحتمال حدوث تأثير سلبي على المستثمرين الذين ينتهجون المضاربة مؤكدة دعمها للمضاربات الصحية التي لا تتجاوز عوائدها 10% من قيمة الصفقة وليس مضاعفتها 10 مرات نزولا عند رغبة بعض الجشعين. وقال بن مجرن «هدفنا دعم السوق، والمحافظة على نموها، ونعرب عن تأكيدنا أن الاستثمار العقاري هو استثمار على المدى البعيد».

لم تكن هذه المرة هي الأولى التي يظهر بعض المطورين استياءهم من عملية التنظيم التي كان السوق بحاجة ماسة لها وثبت بالتطبيق والممارسة بأن اعتمادها وفر الحماية لكل الأطراف بمن فيهم منتقدوها والمعارضون لها.. وكان قانون «ضمان التطوير العقاري» الذي ألزم المطورين العقاريين بفتح حسابات ضمان لكل مشروع يطورونه بهدف إيداع المبالغ النقدية التي تحصل من المشترين، ومنعتهم من التصرف بها ريثما يكتمل المشروع، أثار استياءً لم يظهر عند المطورين الذين سبق لهم وأن اغتنوا من السوق لكن مطورين صغارا حزموا حقائبهم وخرجوا من السوق بخسائر.

في الأعوام التالية التي تلت تنظيم البيع على الخارطة وحسابات الثقة لم يعد غريباً أن تظهر أسعار العقارات في المشاريع المعروضة في أغلب مكاتب البيع ومنصاتهم في المعارض من دون مبالغات أو فروقات سعرية أو كما يصطلح عليها في السوق العقاري بالـ (بريميوم ).

لقد تحولت إعلانات البيع إلى بيانات صريحة عن غياب تام للمضاربين الذين حققوا أرباحاً غير مسبوقة مستغلين الطلب وسرعان ما تكبدوا خسائر لاسعة كنتيجة طبيعية لجشعهم. فـ«السوق يمضي قدماً في الاتجاه الصحيح» بحسب سلطان بطي بن مجرن مدير عام دائرة أراضي وأملاك دبي وهو يرد على سؤال لـ «البيان» حول تقييمه لمجريات ومستجدات السوق. وأراد بن مجرن أن يلخص المشهد بأكمله عندما أكد قائلاً «لم يعد هناك مضاربون. وهذا ما يجعل الحكم على أن السوق يمضي في الاتجاه الصحيح منطقياً وموضوعياً».

بن مجرن لم ينس الإشارة إلى أن «أغلب المطورين العقاريين باتوا اليوم أكثر سعادة من أي طرف آخر في المعادلة العقارية كونهم أصبحوا على تواصل مباشر مع المشتري النهائي الذي يتعامل مع العقار على انه استثمار طويل الأمد سواء كان للسكن أو للعمل أو للإيجار».

ولفت إلى أن «السوق العقاري يبعث بدلالات واضحة على نضجه مادام قد أقصى المضاربين بعيداً عن مساره الطبيعي وبدأ المحافظة على أدائه بحرفية القلة القليلة من المضاربين الذين لا يرفعون شعار اضرب واهرب». رجل الأعمال سالم الموسى الذي تطور إحدى شركاته مشروع فالكون ستي احد أكثر المشاريع العقارية تميزا على مستوى العالم، قال لـ «البيان» ان من الضروري الانتباه إلى أن الأسعار العقارية التي وضعها المطورون عشية الطفرة ومن دون مبالغات المضاربات أو رغبات المضاربين لم تهبط على الإطلاق وحافظت على مستوياتها.

وأشار الموسى إلى أن احد المطورين العقاريين الكبار في سوق دبي لا يزال يبيع عقاراته بالأسعار ذاتها التي كان يبيع بها قبل حدوث الأزمة. ومع أن الموسى لم يسم تلك الشركة إلا انه تساءل: ماذا يعني ذلك؟

ألا يعني أن الأسعار المنطقية لا تزال تحافظ على مستوياتها؟. لكنه أشار إلى أن من يبيع الآن يجب أن يبيع بأسعار اليوم المدعومة بانخفاض أسعار البناء ومواده وأجور العمالة ومن غير المعقول أن ينفذ المشروع بأسعار اليوم ويبيع بأسعار الأمس عندما كانت مؤشرات أسعار تكاليف التنفيذ لا تأبى النزول أو التصحيح.

 

مراقبة السوق

احمد المطروشي رئيس جمعية دبي العقارية قال ان على بعض المطورين أن يستثمروا الفرص الاستثمارية التي يتيحها السوق الآن. وقال ان مراقبة مجريات السوق ومحركاته من عرض وطلب يجب أن تدفع هؤلاء المطورين إلى التفكير السريع والجاد إلى مبادرات تخدم العميل وإذا تحقق هذا الهدف فسيكونون قد حققوا هم أيضاً نمواً لا يستهان به.

وقال المطروشي ان هناك سبلا كثيرة لابتكار مبادرات نوعية في هذا التوقيت وستكون نتائجها في صالح معادلة التطوير العقاري. لكنه أكد بأن على المطورين العمل جنباً إلى جنب ولا بأس من أن تكون المنافسة بينهم بما يؤدي إلى التكامل.