تواصل (البيان) نشر حلقات من الدراسة المتخصصة بشروط ومعايير تطوير المجمعات الحضرية المستدامة تجسيداً لحرصها على زيادة الوعي بمفاهيم الاستدامة والتثقيف بفوائدها، وتناولت الحلقة التاسعة (كيفية دمج ممارسات التنمية المستدامة في المدن والمجتمعات فضلاً عن الأدوات والاستراتيجيات لضمان الحفاظ على ملامح التنمية المستدامة مع تطور المجتمع ونموه).

وفي الحلقة العاشرة هذا اليوم تركز الدراسة على ممارسات الاقتصاد المستدام والبرامج المستدامة للعمليات التي يمكن أن تكلف أقل من نظيراتها التقليدية بما يحقق أهداف الاستدامة... وإلى التفاصيل:

 

الاستدامة التشغيلية

لا خلاف على أن الاستدامة التشغيلية تعد بالغة الأهمية لصحة المجتمع على المدى الطويل؛ حيث يمكن أن تتعرض للخطر نوعية الهواء الداخلي وكفاءة استخدام الطاقة في مجمعة من الممارسات الخاطئة وهي كالتالي:

1- إذا ما استخدم السكان أو أطقم التنظيف مواد كيميائية خطرة.

2- أو استبدلوا المصابيح الكهربائية الموفرة للطاقة مع المصادر التقليدية.

3- إذا لم يتم تبديل أسطح مواقف السيارات النافذة، وملء الفراغات فتفقد فعاليتها.

4- إذا جرى استبدال النباتات الأصلية مع الشجيرات الغريبة ذات الصيانة العالية، فإن هذا سيقود لتراجع في المناظر الطبيعية المستدامة.

5- عندما تصل الأخشاب المعالجة، دهانات المركبات العضوية المتطايرة، مبيدات الأعشاب، المبيدات الحشرية، ومواد التنظيف الخطرة للعمليات اليومية للمجتمع المستدامة فإن حالة المناخ ستكون على المحك.

تتشكل الاستدامة التشغيلية من خلال صنع الخيارات عند التخطيط للبناء او للمجتمع. فعلى سبيل المثال، من أجل ضمان أن توفير البدائل لمعدات (التكييف، التبريد، التهوية) بأكثر الطرق استدامة، يجب أن يتم تركيب تلك المعدات بطريقة يمكن إزالتها من دون الحاجة لهدم الجدران أو الحاجة لقطع تلك المعدة لأجزاء. أيضاً المقدرة على تجنب إعادة الدهان السنوي أو الاستجابة للكتابة على الجدران بطريقة سريعة غير مكلفة محددة عبر اختيار المواد والتشطيبات الخاصة بالجدران الخارجية.

يمكن التقليل من هذه الأخطاء من خلال إنتاج تحليل دورة الحياة خلال عملية التنمية في التصميم الأولي والتي تتعرف إلى الأداء المستدام للمواد والأساليب التي يمكن استخدامها لتوفير خدمات الصيانة والمبادئ التوجيهية التنفيذية للمقيمين، أطقم التنظيم والصيانة.مع ذلك، فإن عدداً قليلاً جداً من المشاريع استكملت هذا النوع من التحليل على أساس التنمية الواسعة، على الرغم من أن عدداً متزايداً من الملاك ينفذون ذلك لأجزاء محددة مثل البركة أو مبنى مجتمعي.

 

معايير ومحددات

إن العمليات المستدامة ليست بسيطة مثل الاختيار بين الأخشاب والمنتجات الخشبية البلاستيكية للطوابق أو الأسوار، فعند وضع معايير للعمليات، يجب أن تكون برامج جداول الأعمال العديدة متوازنة بالقياس مع غيرها من الأعمال.ويجـــوز لبرنامج المنـــاظر الطبيعية المستدامة الدعوة إلى الأعشاب الموسمية، ولكن مسوقي المشروع وموظفي المبيعات يريدون شيئاً منمقاً أكثر إشراقاً وأكثر جمالاً لأحداث الاحتفالات في المنازل وخارجها. وقد يفضل بعض السكان تجهيزات الملعب المصنوعة من الأخشاب، ولكن المعدات من الصلب والبلاستيك قد يكون أكثر أماناً وأقل سمية وتوفر إمكان الوص ول بشكل أفضل. إن تجنب المبيدات يؤدي إلى زيادة تكاليف استبدال النباتات كما أن توفير الحقائب وأوعية مخلفات الحيوانات يمكن ان تحسن نوعية الجريان السطحي، ولكن بتكلفة كبيرة لجمعية ملاك المنازل.

صيانة البنية التحتية

إن صيانة البنية التحتية تعتبر عاملاً في أهداف الأداء من البنية التحتية في حد ذاتها، فضلا عن أي فرص جديدة للممارسات المستدامة. حيث يمكن تصميم مرافق المياه مع منقحات للرواسب، على سبيل المثال، للسماح بإزالة الرواسب من دون تدمير الغطاء النباتي الأرضي الرطب.

وينبغي لبرنامج التحليل التعرف إلى الاستخدام المفيد للتعامل مع الطمى المحصود من الأحواض. وبالمثل الحمأة الناتجة من معالجة منشأة مياه الصرف الأخضر والتي يمكن نقلها لطمر النفايات أو يمكن استخدامها لتوليد غاز الميثان لتوليد الكهرباء أو الميثانول لاستخدامه في انتاج الايثانول.

إن العمليات المستدامة أمر حيوي لاستمرار برامج بناء الخضراء فهي تتطلب إضفاء الطابع المؤسسي على أهداف الاستدامة والأخلاقيات في موظفي العمليات. وغالباً ما تكون البرامج أكثر وضوحاً للجمهور من حيث المواد أو التصاميم المستدامة، وبالتالي، تكون لها قيمة عالية لوصفها نهج المطور للاستدامة وتثقيف الجمهور بشأن برامج الاستدامة المهمة.

 

من الإنفاق الى الدخل

وبالمثل، يمكن لبعض برامج الصيانة المستدامة أن تتحول من منطقة التكلفة إلى مصدر للدخل ليتم تطبيق هذا المبدأ على غيره من تكاليف الصيانة. على سبيل المثال، يمكن زراعة المناطق العامة أو استعمالها كغابة مستدامة لانتاج الأخشاب. هذا لا يجنب تكاليف الصيانة للمناطق المشتركة، بل إنه قد يولد الدخل. في حالة تسلمها مباشرة يمكن أن تكون هناك رسوم على جميع ملاك المنازل؛ لذلك فعلى المطورين أن يفهموا الهيكل المناسب ولاسيما في المشاريع التي تتدخل فيها كيانات غير ربحية وتعمل في مثل هذه البرامج. ومن أجل الاستفادة من هذه الفرص، فإن المناطق المشتركة أو مناطق التسهيلات حول الأملاك الخاصة يجب أن تكون قريبة ومناسبة الحجم للاستخدام.

 

مصادر دخل

من الممكن أن تنشأ أرصدة إضافية من خلال بناء أراض رطبة جديدة أو ترميم المجاري المائية المهددة بيئياً. وان تخصيص مناطق مصارف الكربون أو إدراج أفضل الممارسات الإدارية للحصول على مخزون نوعية مياه غير محددة المصدر قد خلق مصادر دخل جديدة للعمليات. وقد يؤدي استخدام المياه العادمة وإعادة استخدام المياه إلى تحقيق عوائد من بيعها فضلا عن الإيرادات من الاعتمادات التي تم إنشاؤها من خلال الحد من النيتروجين والفوسفور في المياه المستقبلة. يجب على المطورين النظر ليس فقط في توافر البرامج، ولكن عليهم النظر أيضا لكل من مصادر رأس المال للاستفادة من البرامج والتي سوف يستفيدون من عائداته.

إن خطط المطور لا تعتزم مواصلة دفع تكاليف التشغيل والتنمية بعد البناء. بل إن استراتيجيات الخروج تعتمد عادة عندما يتحمل واحد أو أكثر من مالكي العقارات التجارية أو الجمعيات السكنية التكاليف التشغيلية. في حين يمكن إنشاء وثائق لهذه الجمعيات يزيل عنهم عبء الاستمرار في برامج الاستدامة والتمويل.

لقد قلل بعض المطورين أو تجنبوا تكاليف الصيانة عن طريق نقل ملكية مناطق المشروع - مثل الطرق والحدائق والمياه والصرف الصحي، ومرافق مياه الأمطار- إلى الجمعيات المحلية أو للمؤسسات شبه الحكومية مثل مناطق تنمية المجتمع.

وقد تكون هذه الكيانات أو لا تكون على استعداد لمواصلة العمليات بطريقة مستدامة. أحياناً الالتزام باستمرار البرامج يمكن فرضها في النقل. وتقدم الكيانات العامة أي التزامات رهنا بتوافر التمويل. ويمكن للمطورين والجمعيات الناجحة الاحتفاظ لنفسها بالحق في فرض معايير معينة أو الحفاظ على خصائص معينة بأنفسهم.

بعض الزيادة المالية في الرسوم في مناطق التنمية المجتمعية تسمح بإنشاء كيانات عامة جديدة لديها المقدرة - ليس فقط على تغطية التكاليف الرأسمالية للبنية الأساسية ولكن أيضاً - لدفع تكاليف الصيانة المستمرة.

إن أحد الآليات لسد بعض الثغرات في التمويل هي إيجاد طرف ثالث، فمنظمات الإشراف غير الربحية كما هو الحال في الاتصال مع نقل الملكية الخاصة بالأراضي الحساسة بيئياً لهذه الأنواع من الكيانات، هنا يمكن تحديد أطراف ثالثة لتوفير بعض وظائف الصيانة المستدامة المباشرة، وتنفيذ برامج تثقيفية خضراء، واقتراح التغييرات والتقنيات الجديدة المستدامة لتصبح متاحة. ويمكن تمويل هذه الكيانات من الرسوم المفروضة في الوثائق التأسيسية على إعادة بيع الممتلكات داخل المجتمع والتبرعات ومساهمات المطور.

تمثل الاستدامة التشغيلية جانباً رئيساً من الملف الشخصي للمشروع الأخضر. وضمان التمويل الطويل الأجل لبرامج الاستدامة هو التحدي في كثير من الأحيان. هذه الصعوبة تبرز أهمية الإنشاء والانضمام إلى الرؤية الشاملة التي تقود جميع جوانب التصميم.

 

استراتيجيات الكوارث والاستبدال

ثمة مسألة صيانة أخرى مهمة وهو كم يعتبر هذا المجتمع وأفراده مستداماً من حيث كوارث الطقس. قد يخسر المجتمع المناظر الطبيعية بسبب الحرائق أو الجراد. السيول يمكن ان تخرج الأراضــي الرطبة الاصطناعية المستخدمة لصقل مياه الأمطار وملء المستنقعات بالرواسب. قد تكون طـــواحين الهواء والخلايا الكهروضوئية والمباني الخضراء موجودة في مناطق عرضة للبرق والبرد والثلج والأعاصير والزلازل. بالطبع، تحديث شهادات التأمين هو أمر بالغ الأهمية، بالإضافة إلى وجوب التخلي عن احــــتياطيات معينة إن لم تكن كــافية. أفضل طريقة للتحضير لغضب الطبيعة تعتمد على التصميم المرن للمشروع والتي تمكن ليس فقط حماية المقيـــــمين ولكن البقاء وتجاوز أحداث التقلبات المناخية بطريقة جيدة ومعقولة مع إصلاحات محدودة وسهلة واقتصادية.

مع ذلك يجب أن يضم التصميم المستدام تقييم أفضل السبل لتهيئة البيئة التي شيدت للأحداث الكارثية. في أي وقت عندما يتم استبدال الهيكل، فإنه من المؤكد أن تكون هناك نفايات من الناحية البيئية، فضلاً عن الجانب الاقتصادي. وبالتالي، توقع الأحداث الأكثر احتمالا والتصميم بناء عليه يمكن أن يعتبر مهماً بالنسبة للمشروع المستدام. وإقامة المباني خارج السهول الفيضية، وتصميم الأراضي الرطبة التي شيدت مع المساحات لتخفيف الفائض، وتوفير الحماية ليشمل المعدات الحساسة كلها جزء من ضمان الاستدامة.

إذا كان لا يمكن حماية المعدات بشكل كاف، فإن تصميم البدائل الجاهزة للاستعاضة يكون مهماً. على سبيل المثال، الحفاظ على نظام الحماية للأشجار والنباتات الناضجة نسبياً تسمح بسرعة، باستبدال غير مكلف. ولعل الأهم، مع ذلك، هو التخطيط لتحقيق أفضل ما يمكن بالنسبة للوضع السيئ. والتعليمات يجب أن توضع في المكان الذي يبين كيف سيتم تدوير مخلفات البناء الناتجة عن حدوث العاصفة، أو سقوط الأشجار بسبب رياح العاصفة وكيف سيتم تعويض موائل الحياة البرية وتوفير الطعام والمأوى وخطط إعادة الأعمار والتقدم في تبني التكنولوجيات الخضراء. وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي للخطط أن توفر مكاناً لتوفير السلامة والتعافي للناس والحيوانات الأليفة. ينبغي أيضا إيلاء الاهتمام لصيانة وترميم الأنظمة الطبيعية التي قد تتحمل وطأة الأحداث العاصفية، للحد من الأضرار الهيكلية. يمكن لحاجز الجزر، والأراضي الرطبة الساحلية والكثبان الرملية، ووقوف الأشجار تخفيف آثار العاصفة. وتغييرها يساعد على حصول ضرر في المستقبل.

 

استدامة الكائنات ووسائل الراحة

تغيّر تصرفات الإنسان لا محالة في البيئة الطبيعية، بمــا في ذلك السمات التي جلبها الناس إلى تلك المنطقة في المقام الأول. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه التغيرات أن تكون عميقة. هجرة الكائنات المنتشرة الطرق، وعمــــليات التهيئة التي تتم للمجتمعات الجديدة.

لقد انتقلت الزهور المزروعة والنباتات من الساحات إلى الغابات. وتوفر النباتات الغذاء والمأوى للحياة البرية الأصلية؛ لذلك غالباً ما تستبدل بأنواع لها صفات جمالية فقط. في بعض البلدان نجد حيوانات مفترسة تجوب الغابات، تقتل الحيوانات الصغيرة والضعيفة في طريقها. حتى القطط تفترس الطيور المغردة. بينما نقصت مناطق الشواطئ على طول الجداول والبحيرات.

 

تكاليف الصيانة أكبر مصدر للقلق في كل المشروعات

يقول المهندس فارس سعيد رئيس شركة دايموند ديفلوبرز المطورة لمشروع المدينة المستدامة: إن تكاليف الصيانة في أي مشروع سواء كان (مشروعاً مستداماً أو غيره) تمثل مصدر قلق؛ لذا فإن أي مشروع على مستوى الحي أو مشروعات المجمعات السكنية يجب أن يأخذ تلك التكلفة في الاعتبار.

واضاف: إن المجتمعات التي تشمل منطقة حديقة كبيرة أو المساحات المفتوح وغيرها من الميزات الحساسة بيئياً هي مصدر قلق بسبب تكاليف الصيانة. فتكاليف الصيانة العالية والمتصلة بالممارسات المستدامة والميزات يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع رسوم جمعية أصحاب المنزل وبالتالي تآكل القدرة على تحمل التكاليف.

ولفت سعيد إلى أن بعض خبراء الاستدامة الحالية يركزون على خطوط الاستدامة الثلاثية (أي الاستدامة البيئية، والاستدامة الاجتماعية، والاستدامة الاقتصادية)، كأداة ثلاثية الأبعاد. ففي هذه الحالة، فإن أحد الأركان مثل (البيئية) يضعف الركن الآخر (الاجتماعية).

ويعتقد سعيد بأن (في حالة تنفيذها فإن العديد من البرامج المستدامة للعمليات التي يمكن أن تكلف أقل من نظيراتها التقليدية. حيث يتم شراء كميات أقل من الكهرباء والمياه الصالحة للشرب ومواد كيميائية أقل كما أن تقل كميات النفايات وتكاليف التخلص منها. ومن جانب بآخر فإن هذه التكاليف المخفضة تأتي على حساب مصاريف رأس المال؛ لذلك فإن الهيكلة المالية لازمة للتأكد من أن الكيان يتمتع بتكاليف منخفضة إما بدفع تكاليف رأس المال أو توفير بعض التسهيلات للسداد أو كتحقيق الفوائد المالية نتيجة للكفاءة التشغيلية.