لاشك أن الأزمة الاقتصادية العالمية تركت آثاراً بالغة لاتزال تعاني منها دول كثيرة بمستويات مختلفة، وعلى الرغم من أن جهوداً جمة بُذلت ولاتزال من أجل النهوض بالاقتصاد وتنميته والخروج بأمان من الآثار الناجمة عن ركوده والتحرك بخطى ثابتة نحو اقتصاد متنام ومستدام، فان الامر يتطلب مراجعة السياسات والخطط القائمة من أجل قياس مدى فاعليتها في تحقيق النمو المستدام وتحقيق الازدهار المنشود والتخفيف من الاثار الاجتماعية للازمة.

ويطالب خبراء الجودة والإدارة في هذا المقام بمواجهة تداعيات الأزمة العالمية من خلال منظومة الجودة، والالتزام بالمواصفات القياسية، والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة فى إصدار المواصفات القياسية باعتبرها خط الدفاع الأول لحماية المستهلك وانعاش الاقتصاد، وتطبيق خطط لمواجهة مشكلات تراكم مديونيات بعض المؤسسات، والتغلب على تراجع مستويات جودة الإنتاج التي تأثرت بتداعيات الأزمة العالمية مثل إعادة هيكلة أنظمة عملها لتطبيق مخططات ترشيد النفقات، مع العمل على مضاعفة معدلات الجودة والإنتاج عبر خطط محددة بشكل مماثل لما حدث في دبي التي نجحت في إعادة هيكلة مؤسسات واجهت مشكلة مديونيات دون ان يؤثر ذلك في جودة الانتاج او يكون لذلك اية تداعيات اجتماعية.

اهتمام

ويحذر الخبراء من أن عدم الاهتمام بزيادة معدلات الجودة في الإنتاج اعتقاداً بعدم أهميتها خلال ظروف الأزمة العالمية، أو توفيراً للنفقات من الممكن ان يؤدي إلى نتائج عكسية. ويؤكدون ان إدارة الجودة الشاملة، واستراتيجيات حوكمة الشركات والشفافية أصبحت من أفضل الممارسات التي تلعب دوراً مهماً في دعم أهداف وتطلعات الحكومات لتوفير المزيد من فرص الاستثمار وتطوير بيئة تنافسية للأعمال قادرة على تعزيز الإنتاجية والابتكار، وايجاد المزيد من فرص العمل.

إن جميع أنشطة العمل المنتهية بمنتجات أو خدمات مصيرها البيع من أجل أن تحقق الربح المنشود هو الغاية النهائية من ورائها، لكن جودة الارباح من جودة المنتج وهنا يكمن التحدي من أجل البقاء في السوق من خلال تحقيق الاستدامة في الانتاج وتسويقه سواء كان المنتج سلعة أو خدمة، وذلك لايمكن أن يتأتّى إلاّ من خلال بلوغ أقصى مستويات الجودة للسلعة أو الخدمة ضمن إطار مفهوم التنمية المستدامة التي تنعكس آثارها على فئات المجتمع بما يحقق التنمية والاستقرار الاجتماعي التي ينشدها طرفا المعادلة المنتج والمستهلك.

ويؤكد مفهوم التنمية المستدامة على أهمية صون وتحسين جودة الحياة من خلال التأكد من أن القرارات التي نأخذها اليوم تَأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.

من هذه الرؤية يؤكد خبير الجودة الاردني الدكتور سامي عمارنه ان التنمية المستدامة تُكامِلُ مابين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لمجتمع ما من أجل تعظيم الرفاه والازدهار لأبناء المجتمع في الوقت الحاضر دون التأثير سلباً على مقدرة الأجيال القادمة في الحصول على الاحتياجات الخاصة بهم.

لذلك وكما يرى الدكتور عمارنه فإن هناك رابطا عضويا كبيرا مابين التنمية الاقتصادية والبيئية، وهذا مايبلور جوهر مفهوم التنمية المستدامة والذي يَستَوجِب من أي اقتصاد مستدام فعلاً أخذ الاعتبارات البيئية بالحسبان من قبل صانعي القرارات في الحكومات ومؤسسات الأعمال والمنظمات ومن قبل الأفراد. إن مفتاح النجاح لذلك يكمن في التركيز على الأولويات في البداية، وبهذه الطريقة يتم ترسيخ القاعدة للتغييرات المؤسسية على المدى الأبعد.

مراعاة

ومن أجل تحقيق ذلك ضمن منهجية علمية مبنية على تجارب دول اخرى يحدد الدكتور عمارنه سبعة امور يجب مراعاتها:

1- ضمان وجود استراتيجية عليا ومركزية للتنمية المستدامة تضمن توفير التوجيه المركزي على المديين القريب والبعيد.

2- ضمان ملائمة منهجيات وأساليب الرصد والقياس وفاعلية توصيل نتائجها لصانعي القرار من خلال تفعيل دور الجودة: Plan, do, study, act (خطط، نَفِّذ على مستوى بسيط، إفحص النتائج وتحقق من الفاعلية، إنهض بالتنفيذ على مستوى أعلى ودائم) وهي القاعدة المعروفة لخبير الجودة Deming والمعروفة باسم Deming Wheel.

3- ضمان أن تكون أهداف الجودة لتحسين الأداء في الوزارات والمديريات والمؤسسات المختلفة متوائمة مع معايير الجودة بكونها (SMART) أي محددة (Specific)، قابلة للقياس (Measurable)، قابلة للتحقيق (Achievable)، ذات صلة بالموضوع (Relevant) ومحكومة بأَجَل زمني محدد (Time Bound).

4- ضرورة الربط المتكامل مابين جوهر التخطيط والاعلام الحكومي والتخطيط الخاص بالتنمية المستدامة في كامل شبكة المؤسسات الحكومية والخاصة.

5- تأمين الاطار القانوني لاستحداث وتنفيذ استراتيجية للتنمية المستدامة والتي تضمن أن تكون عملية اتخاذ القرارات البيئية أكثر شفافية ومسؤولة من قبل كافة السلطات الفاعلة في الدولة.

6- بناء الأعمال والصناعات المستقبلية من خلال الاستثمار بالمهارات، التعليم، الإبقاء على الضرائب منخفضة، فتح الأسواق للمنتجات والخدمات الوطنية وخلق الظروف للنجاح المتواصل للصناعات والتي هي أساس الازدهار الوطني.

7- النهوض بالدولة لتكون أفضل مكان للأُسر لضمان العيش الكريم للأطفال، دعم المجتمعات المحلية والعيش في بيئة آمنة ومأمونة.

منهجية

ويوضح الدكتور عمارنه إنه إلى جانب المنهجية الفاعلة في التنمية المستدامة، فإن العنصر الهام لتحقيق الجودة والذي يُلقي بالمسؤولية على عاتق المؤسسة الصانعة للسلعة أو الخدمة هو أن يكون العميل محور اهتمامها الدائم وشغلها الشاغل، فَبِغير ذلك لايمكن لها المحافظة على زبائنها مما يؤدي الى فقدانهم ولجوئهم الى منتجين آخرين للسلعة أو الخدمة المطلوبة ، ذلك لأن المنتجين كافة في تنافس وسباق متواصل ، ومن لايتقدم في هذا السباق ويواصل السعي المستمر لبلوغ التميز وأقصى مستويات الجودة والتي تصل وتفوق توقعات العملاء ، فإنه متخلِّف لامحالة عن غيره من المنتجين وهو بالتالي صائر الى الخسران والخروج من السوق.

ولبلوغ ذلك، على المؤسسة أن تسعى للحصول على شهادات المطابقة مع المواصفات العالمية للجودة: ISO 1009 وSix Sigma وللبيئة: (ISO 10041) وللسلامة: (OHSAS 10081 Six-Sigma وهي أدنى الدرجات في سلَّم الرقي باتجاه قمة التميز.

لكن وصول المؤسسات إلى المراتب العالمية الأولى في الجودة تكمن في دمج أنظمتها الإدارية في الجودة والبيئة والسلامة والتعامل معها بنفس المستوى من الأهمية والالتزام الدائم ومن قِبَل أعلى المستويات الادارية فيها حتى أدنى مستويات العمالة بما في ذلك مُزَوّدي الخدمات من خارج المؤسسة (المتعهدين) والموردين والذين يجب أن تنطبق عليهم جميع المعايير النافذة على المؤسسة ذات الصلة بالجودة والسلامة والبيئة، إذ هنالك الكثير من العملاء الذين يشترطون قبل الموافقة على ابرام عقود الشراء أن تكون المؤسسة البائعة للسلعة أو الخدمة حاصلةً على شهادات نافذة بالمطابقة مع المواصفات الدولية للجودة والبيئة والسلامة والتي تُلزم المؤسسة بتفعيل هذه المواصفات على الموردين ومزودي الخدمات المتعاملين معها. وهناك العديد من الدول التي تفرض القوانين لديها على المؤسسات العاملة بها بعدم استيراد أي سلعة أو خدمة من أي مورد غير حاصل على شهادات المطابقة مع هذه المواصفات الدولية ، فهو ليس بالأمر الخياري بل هو مُلزِمٌ ومتطورٌ في الزاميته وتعاظمه وشموليته مع مرور الوقت.

لذلك على المؤسسات كما يؤكد الدكتور عمارنه أن تعي هذا التحدي الجارف وأن تبدأ بمراجعة سياساتها واستراتيجياتها وخططها لتكون مُمَحورةً حول تحسين الأداء المتواصل ليواكب التطور في معايير الجودة لمنتجاتها وخدماتها وتنسجم مع المتطلبات المُستحدثة والمُتغيرة باستمرار لعملائها وفقاً للمعايير الدولية. كما أن على المؤسسات مراجعة الكفاءات والقدرات والسُّلوكيات لقواها ومواردها البشرية والتعامل معها بصفتها الرأسمال الحقيقي والجوهري والفاعل في تحقيق القيمة المضافة والميزة التنافسية لمنتجاتها وخدماتها. وعليها ان أن تنهض بفاعلية الأداء لأجهزتها الإدارية العليا المتمثلة بمجالس الادارة والادارة العليا التنفيذية ومواردها البشرية الذين هم قِوام العملية الانتاجية الضّامن لاستمرارها والمرتَكَزُ الأساسي القادر على تلبية طلبات العملاء بأقل تكلفة وأعلى إنتاجية.

ويدعو الدكتور عمارنه المؤسسات إلى اعتماد المؤشرات العالمية لقياس جودة الأداء وأهمها: معدل النمو المستدام الذي يُتيح لصانعي القرار بالمؤسسة مراجعة الأداء والوقوف على النمو المالي في المؤسسة واتخاذ الاجراءات التصحيحية في الوقت المناسب بما يضمن تصويب مسارها وإعادة الحياة والنمو الطبيعي لها لتتجاوز اية عقبات قد تعترض مسيرة الانتاج كالتي أفرزتها الازمة العالمية.