استكمالاً لشروط ومعايير تطوير المجمعات الحضرية المستدامة التي نشرت (البيان) الحلقة الأولى منها الأسبوع الماضي، نواصل في الحلقة الثانية استعراض ‬11 خطوة تدعم البيئة البشرية في مدن الغد كما جاءت في دراسة (شروط تطوير المجمعات الحضرية المستدامة).

إن ظهور خيارات التصميم المستدام توفر لنا وعداً ملموساً بسبب نهجها الشمولي في مواجهة الأزمات البيئية وخلق الرابط الحقيقي بين الطبيعة والثقافة. تنبع أهميتها في بحثنا على جو حضري متوازن بيئياً وهذا يعتمد على قدرة تلك المشاريع على تحسين النظم الداعمة للبيئة البشرية الحيوية والتزامها بتحقيق مستقبل مستدام للأجيال المقبلة. كذلك كجزء من عناصر الجاذبية، يوفر التصميم المستدام لمخططي المدن والمهندسين المعماريين الرؤى الخاصة بخلق أماكن متفاعلة تركز على استمرارية المسكن البشري والترابط بين الناس والمكان.

إن المبادئ التوجيهية للتصميم المستدام هي أداة فعالة لإثبات النظرية والجودة وتطبيق التصميم المستدام للمجتمع الحضري. وتبرز استراتيجيات التصميم المتكاملة في مختلف المستويات المتميزة الخاصة بتعريف المجتمع وتحقيق التوافق مع المرافق الطبيعية والجوار والوحدات السكنية والمجمعات والكتلات السكنية.

وتعد الاستراتيجيات من هذا النوع بحثاً قوياً وأداة تعليمية وتسويقية لتعزيز التخطيط للمجتمع المستدام والمشاريع من هذا النوع. ويمكن استعمالها من قبل أي مدينة كدليل لتطوير برنامج حضري مستدام وشامل.

وتتنوع السياسات الخاصة والاستراتيجيات

 

 

بحسب الظروف المحلية لكن المبادئ الخاصة بالتفاعل بين البيئة والإنسان والمزايا الناجمة عن تطبيق مثل هذه الاستراتيجيات قابلة للتطبيق على المستوى العالمي.

أن تطبيق برنامج مستدام يتطلب تعاوناً بين الجهات المعنية والمؤسسات المحلية والأفراد من القطاع الخاص. وهذه العمليات يجب أن تعزز الجهد الوطيد والشعبي والمشاريع المثالية وتقدم دفعاً للجميع ولقادة المجتمع لتبني خيارات مستدامة وخضراء.

 

الحفاظ على الطاقة

‬1- المحافظة على الطاقة. فالتعرض للشمس ومعدات الإضاءة ذات الكفاءة والأجهزة هي عناصر مهمة في الحفاظ على الطاقة. الكثير من قوانين الطاقة هي فعالة لكن التوفير عبر التصميم الجيد يمكن أن يتخطى ما يتم توفيره عن طريق التصميم التقليدي بنسبة تتراوح بين ‬30-‬80٪. يمكن تحقيق اكبر قدر من التوفير عبر تحسين كافة قرارات التصميم عبر منهج تحليل النظم والامتثال للقوانين. قس كل وحدة بشكل منفصل لتوفير الوسائل لكل مستعمل لمراقبة وتوفير المال والموارد. كذلك يمكن تحقيق توفير كبير عبر التصميم الجيد للمناطق السكنية والسيارات تستهلك مرة ونصف إلى مرتين أكثر من ميزانية المنزل التقليدي من الطاقة مع كل أجهزته.

‬2- يجب توجيه الوحدة السكنية بشكل دقيق نحو الشمس واختر الموقع المناسب. استفد من استراتيجيات الطاقة الشمسية السلبية من خلال توفير المزيد من النوافذ المساحات الشمسية/البيوت الخضراء والمشاتل والحدائق المقامة في الجهة الجنوبية من الوحدات السكنية. ظلل الوحدات لرفع مستوى الراحة في الصيف من خلال استعمال النباتات المتدلية والتعريشات والنباتات ذات الفروع. النباتات لا توفر الظل فقط لكنها تزيد من التبريد عبر عملية التبخر ويمكن أن توفر فرصاً للاستمتاع والطعام (العنب والتفاح والخوخ وغيرها.. الزراعة المستدامة).

عليك بتقليل من عملية إقامة نوافذ مواجهة للشرق والجنوب فهي تكون غير مريحة أثناء الصيف الحار عندما تكون مقامة في تلك الاتجاهات.

‬3- يجب زيادة استعمال موارد الطاقة المتجددة واستراتيجيات الطاقة الشمسية السلبية والإيجابية. لذا يمكن توجيه المساكن والمساحات الكبيرة المفتوحة من المكان باتجاه الجنوب. إلى جانب تظليل النوافذ فكر في طرق التبريد السلبي مثل التكديس أو نظم التهوية الطبيعية لتجنب تغير الهواء وحركته غير المناسبة القادمة من الجهة الشمالية. تشهد نظم الطاقة الشمسية تطورات متسارعة وتحقق مستويات غير مسبوقة من الكفاءة فكر مثلاً بإقامة نظام تدفئة شمسية وتحديداً لتوفير المياه الساخنة والنظم الفوتوضوئية سواء في الفترة الحالية أو في المستقبل.

‬4- يجب اختيار المواد التي توفر الطاقة والموارد وطرق البناء الموفرة للطاقة. إن الطاقة الكامنة في المبنى هي طاقة كبيرة. إعادة استعمال/تجديد الهياكل والوحدات القائمة واستعمال مواد للبناء الجديد التي تملك كميات منخفضة من الطاقة الكامنة، والتي تأتي من موارد متجددة/مستدامة وتضم أعلى مكونات قابلة لإعادة التدوير (‬50-‬80٪). راجع الأدلة الخضراء المتعددة للتقليل من المواد السامة وإتباع طرق الإنتاج المناسبة. التقليل وإعادة الاستعمال و/أو إعادة تدوير كافة المواد أثناء البناء. وفر وأعد استعمال الطبقة الترابية الحيوية والمهمة التي تنجم عن الحفر في إقامة الحدائق.

 

الحفاظ على الأراضي

‬5- طبق استراتيجيات التقليل وإعادة الاستعمال وإعادة التدوير. يجب توفير الحوافز والتسهيلات للحفاظ على الثروة المادية والمالية. في قلب كل وحدة وفر مركز لإعادة التدوير كما يجب توفير خدمات إعادة تدوير مريحة وعملية تحويل المخلفات إلى سماد في المجمع. يمكن الاستغناء عن خدمة النفايات التقليدية نهائيا عبر إعادة تدوير ‬100٪ من المتخلفات القابلة لإعادة التدوير وإقامة نقاط تجميع المواد والحد من الخدمات التقليدية للنفايات. إن إعادة التدوير تعتبر استراتيجية مهمة لتقليل استهلاكنا. شجع شراء المنتجات التي تضم محتويات معاد تدويرها أو قابلة لإعادة التدوير عبر تقديم عناصر مفضلة شخصياً ومؤسسيا ومجتمعياً أو تحديد سياسة بهذا الخصوص.

‬6- صمم المبنى مع زراعة مستدامة ومساحات مفتوحة ومناطق مجتمع. إن الزراعة المستدامة توفر مناظر طبيعية يمكن استعمالها كطعام وتتميز بالديمومة (أشجار الفاكهة وكروم العنب وأشجار التوت وغيرها).

توفر الزراعة المستدامة الجمال وتكاليف الصيانة المنخفضة والظل والغذاء ويمكن حصادها من قبل العائلات أو مجموعات مجتمعية وبيعها محلياً لاستعمال العائدات في مشاريع تحسين الموقع وغيرها من المشاريع. الجأ للبستنة والحدائق التي تركز على المناظر الطبيعية المحلية وتوفر المياه وليس فقط تلك التي توفر المنظر.

النباتات والأشجار الأصلية المحلية تتطلب القليل من مياه الري أو لا تحتاج للمياه على الإطلاق كما أنها تتطلب عناية وموارد أقل. قلل من تكاليف الصيانة العالية للمناطق العشبية عبر عدم قصها والسماح لها بالنمو حتى في المناخ الجاف لتأخذ شكلها الذهبي عندما تجف.

‬7- توطين الاقتصاد. شجع البرامج الخاصة بالمناطق المجاورة ومشاريع المشاركة وتبادل الموارد والمواهب المحلية. إقامة أسواق للحرف والمنتجات والمزارعين وتعزيز الإحساس بالفخر بالمجتمع وشجع سياسات إعادة الاستعمال وإعادة تدوير الموارد وحد من تدفق المنتجات الاقتصادية من موارد غير مجتمعية. وفر حدائق للعائلات مجاورة للوحدات وخصص مساحات في هذه الحدائق وأقم العديد من المماشي الخضراء. عزز ورش العمل لتعزيز الاهتمام والوعي بمزايا الزراعة والبستنة العائلية.

 

الحفاظ على المياه

‬8 - يجب تطوير مناطق المشاريع المائية وتعزيز مساحات الأراضي الرطبة في مختلف أرجاء الموقع. حافظ على المياه في الموقع لأطول فترة ممكنة. هذا يسمح لترشح المياه لباطن التربة والمناظر المائية وتقلل فيضان المصب ويعزز من نوعية الماء والتنوع البيولوجي. يمكن لهذه الإجراءات أن تعزز من المزايا الفريدة لكل موقع وتوفر مساحة للترفيه والتعليم.

‬9- استعمل الأجهزة الموفرة للمياه. إن أجهزة المحافظة على المياه والتركيبات في المنزل يمكن أن توفر وتقلل من استعمال المياه بنسب تتراوح بين ‬30 و ‬70 ٪ (المراحيض منخفضة التدفق والصنابير ذات التدفق المنخفض والأجهزة التي تتميع بكفاءة الطاقة والمياه) وتجنب الأجهزة الأوتوماتيكية التي تهدر المياه مثل الرشاشات المائية. الجأ لنظم الري بالتنقيط، فهي أكثر كفاءة بشكل كبير مقارنة مع الرشاشات الأوتوماتيكية. احصد مياه الأمطار وجمعها والماء الرمادي من المنزل وغيرها من الوحدات. طور خزان لحفظ الماء الرمادي لاستعمالها في ري المناظر الطبيعية وماء المراحيض المستعمل للتنظيف.

 وفر مناطق رطبة اصطناعية في الموقع. فالمواقع الرطبة هي خيار اقتصادي مهم لمعالجة الماء الغير نظيف. هذه الاستراتيجية تنطبق على المشاريع الكبيرة والصغيرة على حد سواء وهي خيار اقتصادي أفضل كثيراً من منشآت معالجة المياه المهندسة والتقليدية.

 

توازن

‬10- يجب تطوير ممرات خضراء وأحزمة خضراء في المدن لأن الأشجار بالغة الأهمية لراحة الإنسان ولتحقيق الموازنة بين الكربون والأكسجين. تحتاج المدن لتحقيق هذا التوازن في دورة إنتاج الأكسجين عبر زيارة المزيد من الأشجار وعليك أن تأخذ مبادرات بهذا الاتجاه. إن المساحات الخضراء تعزز من الرغبة بالعيش في هذه المناطق السكنية.

فالمحافظة على الأراضي الرطبة وخلق غابة حضرية يمكنها أن تعزز من الشعور بالترفيه ومتعة العيش والاستدامة. تمتص الأشجار المواد السمية من الجو وتخلق الأكسجين وتوفر الظل والتبريد الخاص بالمجتمع عبر عملية التبخر وتضيف المزيد من الرطوبة في المساحات الداخلية والمفتوحة. كما أن هذه الأشجار والأراضي الرطبة توفر متعة بصرية وتمثل إضافة نوعية لتحقيق بيئة سكنية مستدامة.

‬11- البناء باستعمال مواد خضراء: تتحسن نوعية الهواء الداخلي وصحة البشر بشكل كبير عن طريق استعمال مواد بناء خضراء (غير سمية). اطلع واستفد من أدلة البناء الخضراء الخاصة بالمواد التي لا تعتبر سمية وتتميز بمحتوى كبير قابل لإعادة التدوير والتي يتم إنتاجها من موارد مستدامة.

 

بالتعاون مع المدينة المستدامة/دايموند ديفلوبرز

مدن المستقبل صغيرة وكفؤة ومتنوعة وفاعلة

 

 

قال المهندس فارس سعيد رئيس شركة دايوند ديفلوبرز بدبي بأن (تدهور البيئة بشكل لافت على مستوى العالم وتناقص الموارد العالمية يجعل من القرن الجديد منصة لإثارة تساؤلات جدية حول معايير الصحة والحياة في مدن المستقبل).

وأضاف (بأن ذلك يدفع الكثيرين على مستوى الحكومات وشركات القطاع الخاص إلى المزيد من البحث في هذا المجال لجهة إجراء دراسات علمية تبحث في محاور (شروط تطوير المجمعات الحضرية المستدامة).

لافتاً (إلى أن الإمارات وسعت من توجهاتها وممارساتها فيما يتعلق بالاستدامة على مجموعة أصعدة وتفوقت على مستويات عدة وباشرت خططاً طموحة تجعلها في المستقبل القريب السباقة عالمياً في تحقيق الأهداف السامية للاستدامة).

وأوضح سعيد بأن (مدننا وبلداتنا تحولت في القرن الماضي وبشكل كبير من نسيج يتميز بالكفاءة إلى ضواحي منخفضة الكثافة مترامية الأطراف. وهذا التحول لم يؤثر بشكل سلبي على الموئل الطبيعي في المناطق فقط لكن أيضا ساهم في استنفاذ حيوية وتنوع مناطقنا الحضرية التقليدية).

ولفت سعيد إلى أن (ثقافة الضواحي خلقت المجتمعات المكتفية ذاتياً مع مراكز للعمل والتسوق ومجمعات مكتبية وتخلت عن المركز والمرونة ومالت إلى أساليب قادت إلى التدهور ومعاناة البشر). لذلك يعمل المصممون المعماريون على صياغة المدن المستقبلية تحت عنوان (مدن صغيرة تتمتع بالتنوع والكفاءة والاكتفاء والفعالية).

وأشار إلى إن معظم المدن التقليدية وممارسات البناء تطورت من قبيل الحاجة وليس بسبب أيديولوجية قائمة على العرض. لذا فإن إحساس تلك المدن بالاستدامة بزغ نتيجة وجود تناغم مع الطبيعة وحركتها وتطورها الدوري.

لافتاً إلى أن (تلك المدن التقليدية صمدت بوجه الزمن واستجابت لمجموعة كبيرة من الاحتياجات الوظيفية. وكان الكثير من سحر المدن قائم على طريقة اتصالها وعلاقتها بمزايا الحي وفسحت في ذات الوقت مجالاً للتعبير عن ذلك التفاعل).

لكن سعيد يقول أيضاً بأن ( القرن الماضي شهد انحسار سحر وقيمة تلك المدن التقليدية وهذا راجع إلى ممارسات البناء العصرية التي تجاهلت محدودية الظرف البشري وبدأت توظف التقنية المبالغ بها لحل المشاكل بالجملة.

إن المعايير وتقديم مواد البناء الرخيصة والنمذجة بكميات كبيرة واستهلاك موارد الطاقة ساهمت في مزيد من التهميش للممارسات التقليدية).