تناقص الموارد العالمية وتدهور البيئة بشكل كبير على مستوى العالم يجعل من القرن الجديد منصة لإثارة تساؤلات جدية حول معايير الصحة والحياة في مدن المستقبل). هذا ما خرجت به دراسة علمية أجرتها مؤخراً شركة دايموند ديفلوبرز تحت عنوان (شروط تطوير المجمعات الحضرية المستدامة.
وأضافت الدراسة بأن (مدننا وبلداتنا تحولت في القرن الماضي وبشكل كبير من نسيج يتميز بالكفاءة إلى ضواحي منخفضة الكثافة مترامية الأطراف. وهذا التحول لم يؤثر بشكل سلبي على الموئل الطبيعي في المناطق فقط لكن أيضا ساهم في استنفاد حيوية وتنوع مناطقنا الحضرية التقليدية.
ولفتت الدراسة إلى إن ثقافة الضواحي خلقت المجتمعات المكتفية ذاتياً مع مراكز للعمل والتسوق ومجمعات مكتبية وتخلت عن المركز والمرونة ومالت إلى أساليب قادت إلى التدهور ومعاناة البشر). وأشارت إلى أن معظم المدن التقليدية وممارسات البناء تطورت من قبيل الحاجة وليس بسبب أيديلوجية قائمة على العرض. لذا فإن إحساس تلك المدن بالاستدامة بزغ نتيجة وجود تناغم مع الطبيعة وحركتها وتطورها الدوري. تقول الدراسة بأن (تلك المدن التقليدية صمدت بوجه الزمن واستجابت لمجموعة كبيرة من الاحتياجات الوظيفية. وكان الكثير من سحر المدن قائم على طريقة اتصالها وعلاقتها بمزايا الحي وفسحت في ذات الوقت مجالاً للتعبير الديمقراطي عن ذلك التفاعل).
لكن الدراسة أشارت (إلى أن القرن الماضي شهد انحسار سحر وقيمة تلك المدن التقليدية وهذا راجع إلى ممارسات البناء العصرية التي تجاهلت محدودية الظرف البشري وبدأت توظف التقنية المبالغ بها لحل المشاكل بالجملة.إن المعايير وتقديم مواد البناء الرخيصة والنمذجة بكميات كبيرة واستهلاك موارد الطاقة ساهمت في مزيد من التهميش للممارسات التقليدية)
ولخصت الدراسة المبادئ التوجيهية لتصميم المشاريع المستدامة وبأسعار معقولة تحت 5 متغيرات رئيسية هي: 1-البيئة البشرية 2- المحافظة على الطاقة 3-المحافظة على الأرض والموارد 4-جودة الماء 5- جودة الهواء.
معايير البيئة البشرية
من المهم أن نوفر الفرصة لتحقيق التوازن في أنماط التفاعل البشري البيئي المختارة وفق 14 معياراً في المنطقة المستهدفة للاستدامة وأبرزها توفير حزام اخضر ونظم حجز المياه لتحسين التبادل والتوازن في الهواء بين معدلات الأكسجين وثاني أكسيد الكربون وبين الدورة المائية (الأمطار واستعمال الماء وعلى مستوى الارض من حيث العمليات الغذائية والمواد (الحدائق والغابات الحضرية وتقليل استعمال وإعادة استعمال وإعادة تدوير الموارد واستعمال الطاقة من خلال (المحافظة عليها واللجوء للموارد المتجددة وإستراتيجيات التصميم المعماري للمنطقة والمساكن والبنية التحتية).
1ـ- يساهم الحزام الأخضر بالحد من تردي المناخ ويزيد من مستويات الترفيه والتنوع البيولوجي. يجب لبرامج الحزام الأخضر أن تستعمل النباتات والحدائق ذات الطابع الأصلي والمحلي والتي تحافظ على المياه وتقلل من حاجتها للصيانة والعناية وتحتفي بالمزايا الفريدة للمنطقة. يجب تشجيع المزارع العائلية من خلال عمليات تخصيص حدائق ضمن الحزام الأخضر.
2- ينبغي الحفاظ على جريان الينابيع عبر إقامة بحيرات متوازنة توفر دعماً في المواسم الجافة وتقلل من فيضان الينابيع وتحد من تآكل التربة وتحسن من نوعية المياه والصيد وتوفر الاستجمام المطلوب.
3- تواصل التكلفة الباهظة أصلاً للطاقة غير المتجددة الارتفاع في القرن الواحد والعشرين وتعمل بالتالي على تحقيق تحول إيجابي نحو المحافظة على تلك الموارد وكذلك اللجوء للموارد المتجددة. إن ميزانية الطاقة المستدامة يجب أن تركز على استعمال الطاقة الكهرومائية الإقليمية والطاقة الشمسية والخلايا الشمسية ومزارع الهواء ضمن الحزام الأخضر.
استراتيجيات تصميم المدينة
توفير تسلسل هرمي متداخل للمناطق المركزية (المدينة والمناطق والأحياء) مدعومة ببنية تحتية فعالة تركز على النقل العام وممرات المشاة. ينبغي عكس هذه البنية التحتية من خلال الطرق الخضراء في المجتمع والأنشطة التي ستزيد الاستمتاع بالمشي وسهولة الوصول إليها. إن استراتيجيات التصميم الحيوية الخاصة بالمدن ملخصة أدناه:
4 - تجديد مركز المدينة وطابعها التاريخي لتسهيل إقامة مركز جغرافي مركزي ومثالي. إن إعادة هيكلة مركز المدينة سيعمل على تعزيز حوافز النمو الاقتصادي ويؤسس لنقطة ديناميكية رئيسية في المدينة.
5- الاهتمام ومنح الأولوية بنظم حركة المشاة وخطوط النقل العام. إن تحديد الطرق الخضراء الواضحة وإقامة نظم النقل الفعالة في كافة أرجاء المدينة يساهم بشكل كبير في تقليل استهلاك السيارات للطاقة غير المتجددة. هذه أفضل إستراتيجية فردية ممكنة في تحقيق التوازن بين دورة ثاني اكسيد الكربون والأوكسجين وتحسين نوعية الهواء ضمن المشروع.
6- يجب أن يكون المشروع مكتفياً ذاتياً من ناحية إدارة الموارد (تعرف تقليدياً بالتخلص من النفايات) من خلال اعتماد الأولويات للحد أولا ثم إعادة استخدامها وتدويرها. إن هذا النموذج يعزز من المشاريع المجتمعية القائمة على الموارد المستدامة واستعمالها وإعادة استعمالها وإعادة تدويرها.
7- تعزيز الإحساس بالانتماء للمجتمع. جميع الخصائص والمواصفات في الموقع (الطبيعية والثقافية والتاريخية... الخ) يجب المحافظة عليها واستعادتها. ينبغي وضع معايير جودة صارمة لنوعية الحياة في القرية وتأمين الوصول السهل لوسائل الراحة والخدمات التي يجب تطويرها. إن الحي المتماسك أمر بالغ الأهمية لتحقيق مجتمع صحي وآمن ومستدام. يجب التركيز على ضمان سهولة وصول السكان إلى: * مدارس الحي (يجب أن تكون أهم المرافق الحيوية مركزة لضمان حي بجودة عالية. إن الموقع المركزي هو حيوي لإقامة بيئة المشي).* الطرق الخضراء والأراضي الرطبة ومواطن الحياة البرية والحدائق والمناظر وغيرها.* النشاطات المركزة (داخليا وخارجيا) والخدمات (المرافق الحكومية المشتركة والرعاية اليومية والتسوق واعادة التدوير... وغيرها)
8- توفير أولوية لحركة المشاة وسهولة وصولهم إلى أهدافهم (بين المشاريع السكنية والمرافق والخدمات في الحي). إن إقامة ممرات الدراجات الهوائية والمماشي مهمة لتعزيز إحساس الفردي والمشاة بالمجتمع السكني. هذه الممرات والمماشي يجب أن تكون مرتبطة بصورة مريحة مع مواقف ومحطات معينة ويجب أن يكون فيها خطوط موازية للطرق وشوارع السيارات. إن خطوط المشاة والدراجات هي أكثر كفاءة من حيث استهلاك الطاقة والتكاليف مقارنة مع خطوط السيارات توفير مساحات كافية لركزن الدراجات. تقليل خدمات السيارات لأقل حد ممكن. الشوارع الضيقة هي إستراتيجية جيدة للحد من حركة المرور.
9- الزخم وليس الامتداد. يجب تقديم تصميم يقوم على الاستخدام الأمثل والفعال والمكثف للأراضي.
زيادة كفاءة استعمال الأراضي يقلل من تكاليف البنية التحتية. توفير كثافة معتدلة من 12-16 وحدة سكنية على كل هكتار يعزز من تركيز حركة المشاة والسلامة. كما أن إقامة الوحدات المجمعة هي إستراتيجية مهمة للمناطق التجارية والصناعية.
10- تطوير مجمعات سكنية محددة: 25-30 وحدة بمواصفات ثقافية ونمط حياة متشابه ومرافق ترفيه اجتماعي مشتركة ومساحات مفتوحة تشكل كتلة متماسكة. يمكن توجيه الوحدات السكنية باتجاه الجنوب لتعزيز الراحة وتوفير الطاقة.
11- تحدد مناطق الأرض والمرافق بدقة المناطق العامة والخاصة. يجب تحديد ضوابط الاستخدام والمسؤوليات لنحو 60-70 بالمائة من العقارات في المجمع.
هذا يسمح للمستخدمين بإضافة لمسات شخصية على المناطق السكنية ويقلل من تكاليف الصيانة.
12- تقليل الارتداد الأمامي. توفير شرفات وحدائق خارجية وغيرها لتعزيز الأنشطة البشرية والاجتماعية والمراقبة والإحساس بالأمان.
13- الحد من تأثير المواقف. لا تدع المرائب والكراجات الكبيرة تهيمن على مداخل البيوت. عندما يكون ذلك ممكناً يجب ركن السيارات خلف الوحدة السكنية أو إقامة مواقف على شكل وحدات صغيرة تتسع لما بين 8-12 سيارة. مناطق ركن السيارات مكلفة (300 قدم مربع لكل سيارة) وتتطلب مساحات أرضية كبيرة بحجم المناطق السكنية. وفر نحو 30-40 بالمائة من المواقف للسيارات الصغيرة (8 ظ 41) للمساعدة في تقليص تأثير المواقف على المنظر العام. عندما يكون ذلك ممكنا قم بإنشاء الوحدات السكنية بحيث تكون مرتفعة بنحو 2-3 أقدام عن مناطق المواقف.
ظلل مواقف السيارات مع ستائر من الأشجار. في الوحدات المؤجرة أجر مساحات المواقف بالتالي فإن المنازل مع سيارة أو لا سيارة لا تدفع ثمن المواقف بالنسبة للآخرين.
14- فكر بالصغير والذكي ليس بالكبير وغير المجدي. إن الحجم يرتبط عموماً مع التكاليف. المنازل الصغيرة وذات الكفاءة العالية هي أفضل وأقل سعراً (من ناحية مبدئية وفيما يتعلق بتكاليف التشغيل على المدى الطويل). التاون هاوس هو نموذج ممتاز للسكن الذي يوفر معيشة ذات نوعية بكفاءة متميزة. إن إنشاء الجدار التقليدي يمكن أن يستهلك ما يصل إلى 50٪ من الطاقة وتكاليف الصيانة للبيت المستقل. يجب تجديد مناطق المسكن لتعكس الأنشطة الداخلية وتكون مطلة ومفتوحة على الحدائق الخارجية والساحات ومساحات المجمع المفتوحة. إن التصميم الداخلي العام للمناطق الخاصة يمكن أن يعزز من العيش والكفاءة في استخدام المساحات.
بالتعاون مع دايموند ديفلوبرز
التصميم المستدام يزيد مقدرة المدن على الصمود والتطوير
قال المهندس فارس سعيد رئيس شركة دايموند ديفلوبرز بدبي بأن (التصميم المستدام يعزز المقدرة لدى المجتمعات السكنية والنظم الحضرية الأوسع لتقليل تأثيرها البيئي في محاولة لخلق أماكن قادرة على الصمود والتطور).
وأضاف (في قلب هذا النموذج يبرز النهج البيئي الذي يأخذ في عين الاعتبار ليس الطبيعة فقط لكن كذلك العنصر البشري محلياً وعالمياً.وإيماناً منا بأهمية نشر الوعي المتعلق بالتطوير العقاري المستدام إجتهدنا في وضع نحو 25 إستراتيجية تصميم وتستكشف العمليات التي تشير إلى إعادة خلق الفن وتصميم الأحياء المستدامة ونشرها لتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة لاسيما وأن وسائل الإعلام المحلية تبذل جهداً طيباً لتحقيق هذا الوعي على الرغم من نقص المصادر العربية وهو ما نحاول التأسيس له ليواكب التشريعات والقوانين التي تصب في النهاية في تحقيق هدف الاستدامة).
وأشار سعيد إلى أن (هذه الدراسة التي ننشرها في البيان على حلقات مهتمها توليف مبادئ الإستدامة في نماذج خاصة بتصميم القرى والمدن وتأمل في الحد من الكثير من التوجهات والأخطاء الخاصة بالممارسات الماضية).
لافتاً إلى أن هذه الاستراتيجيات هي مؤشرات للتنمية المستدامة ويتم استخدامها لتحديد الصفات المتأصلة وتركز على القدرات والآثار الإيكولوجية لتوضيح مكانة وأهمية إقامة المجتمعات المثالية. علاوة على ذلك، فإن هذه الإستراتيجيات وضعت لتمكن المصممين من إقامة النموذج ومعايير القياس وأساسيات إقامة برنامج مستدام وكذلك تتبع عملية التجديد في المدن).
وتم ترتيب هذه المبادئ التوجيهية ضمن خمسة متغيرات رئيسية لتحقيق الاستدامة وهي البيئة البشرية والحفاظ على الطاقة والحفاظ على الأرض والموارد (الطعام والمواد) وجودة الهواء والماء.
وأشار سعيد إلى أن ظهور خيارات التصميم المستدام توفر لنا وعداً ملموساً بسبب نهجها الشمولي في مواجهة الأزمات البيئية وخلق الرابط الحقيقي بين الطبيعة والثقافة. تنبع أهميتها في بحثنا على جو حضري متوازن بيئياً وهذا يعتمد على قدرة تلك المشاريع على تحسين النظم الداعمة للبيئة البشرية الحيوية والتزامها بتحقيق مستقبل مستدام للأجيال المقبلة.
كذلك كجزء من عناصر الجاذبية، يوفر التصميم المستدام لمخططي المدن والمهندسين المعماريين الرؤى الخاصة بخلق أماكن متفاعلة تركز على استمرارية المسكن البشري والترابط بين الناس والمكان.
