حبست لندن انفاسها في يوليو من عام 2005 انتظارا لتصويت اللجنة الأولمبية الدولية لمعرفة إن كان سيقع الاختيار على العاصمة البريطانية لندن لاحتضان دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 وتم تخصيص 8 مليارات جنيه استرليني لبناء هذا المشروع الحيوي الذي يتطلع إليه المستثمرون من جميع أنحاء العالم وخاصة من منطقة الخليج وجاء قرار اللجنة باختيار لندن لتكون مقر حدث الأولمبياد ليشيع القرار فرحة كبيرة عمت أرجاء بريطانيا. كانت الفرحة تتجاوز احتضان لندن لهذا الحدث العالمي الرياضي الضخم فاقتصادياً يعني هذا الاختيار خلق آلاف من فرص العمل الجديدة لأبناء العاصمة لندن ويعني سياحيا تدفق ملايين الزوار على لندن لمشاهدة هذا الحدث العالمي، وبالتالي تحقيق عوائد كبيرة، ولكن للقائمين على المشروع كان التحدي أكبر من ذلك بكثير فقد كان يكمن في تحقيق حلم بريطاني وهو بناء أول مشروع أولمبي من نوعه في العالم يعتمد الاستدامة من الألف إلى الياء، ومنذ لحظة الإعلان عن اختيار لندن كمقر لاحتضان حدث الأولمبياد تحولت مدينة ستراسفورد شرق العاصمة لندن إلى خلية نحل لا تتوقف عن العمل، أتيح لصحيفة (البيان) ووسائل إعلامية أخرى من المنطقة الاطلاع عليها عن قرب وخاصة أن 85٪ من أعمال البناء في المشروع قد اكتملت. 15 من مارس الحالي يوم مهم بالنسبة للندن وبريطانيا ككل حيث سيبدأ العد التنازلي للحدث أي 500 يوم ستفصل لندن عن أضواء العالم التي ستسلط عليها كما سيشرع في بيع 8 ملايين تذكرة لحضور الأولمبياد ذلك المشروع الضخم الذي خصصت له ميزانية بنحو 8 مليارات جنيه إسترليني.
وترى بريطانيا من خلال احتضانها لأول مشروع أولمبي مستدام في العالم يتحول بعد انتهاء حدث الأولمبياد إلى مشروع سكني متكامل يشكل حماية للبيئة سيضيف إلى الدور الكبير الذي طالما لعبته بريطانيا في الحركة الأولمبية على مستوى العالم، وتأمل بريطانيا من خلال هذا المشروع في ترك إرث مستدام يهدف إلى تطوير البيئة في القرن 21 هو ببساطة يصفه البريطانيون بالحلم البريطاني.
وجرى الاستعانة بخبرات المصممة المعمارية المتميزة البريطانية العراقية الأصل زها حديد في وضع التصورات الأولية لمشروع مجمع الأولمبياد (أولومبيك بارك) حيث كان المشروع الضخم بحاجة لتصميم يضعه على الخارطة العالمية وهو ما حققته له حديد فيما تولت شركة أتكنز البريطانية مهام الاستشاري للمشروع.
الاستدامة في كل مراحل المشروع
اختيار مدينة ستراستفورد التي تقع شرق العاصمة البريطانية لندن لاحتضان دورة الألعاب الأولمبية في 2012 كان تحديا في حد ذاته وهو اختيار سيضع تلك المدينة الفقيرة والمهملة لسنوات طويلة على الخارطة مجددا فتاريخيا كانت تمتاز هذه المدينة الخضراء التي كانت تعج بالقنوات المائية والأنهار بكونها أرض لصناعة البلاستيك، فيما أقل ما توصف به اليوم هو أنها من الأحياء الأكثر فقرا في بريطانيا والمهملة لسنوات طويلة، أراضيها الخضراء وقناوتها المائية وأنهارها هجرها النقاء والصفاء لتصبح مرتعا للملوثات الكيميائية والمعدنية وأصبحت مستنقعا ترمى فيها السيارات والعربات والأثاث.. الخ من ملوثات الإنسان الحضارية. التحدي كان لا يكمن فحسب في إعادة إحياء تلك الأرض الميتة والأنهار والقنوات الملوثة بل في جعل تلك المدينة الفقيرة والمهملة محط أنظار العالم وأيضا الإبقاء عليها نشطة حتى بعد الانتهاء من الحدث وجاء الجواب في الاستدامة فماذا فعلت لندن بهذه المدينة الفقيرة؟.
علي الاعتراف بأن من يرى ليس كمن يسمع لقد أدهشني التحول المذهل الذي طرأ على هذه المدينة الفقيرة كنت ضمن الوفد الإعلامي الذي دعي من قبل هيئة التجارة والاستثمار التابعة للحكومة البريطانية للوقوف على هذا التحول الهائل في ستراتفورد الفقيرة.
البداية كانت في تخصيص نحو 8 مليارات جنيه إسترليني لبناء مشروع المجمع الأولمبي (اولومبيك بارك) حيث يعمل في هذا المشروع نحو 12 ألف عامل، فيما خصصت لوسائل الإعلام مساحة تتسع لنحو خمس طائرات جامبو عملاقة لتغطية الحدث الضخم إعلاميا حيث يتوقع تدفق 20 ألف وسيلة إعلامية من مختلف مناطق العالم لتغطية الحدث. أعين وقلوب البريطانيين تتطلع إلى تاريخ 15 من مارس الحالي حيث يبدأ بيع تذاكر حضور الأولمبياد ويبدأ العد التنازلي على افتتاح الحدث. 500 يوم تفصل ستراتفورد عن أضواء العالم التي ستسلط عليها وعلى لندن بشكل عام.
الأساس وهي الأرض الذي سيقف عليها المشروع كانت البداية حيث كانت هناك حاجة لهدم 220 مبنى وتنظيف الأرض من آلاف المخلفات الاسمنتية والحجرية مع الحفاظ على المخلفات التي نتجت عن عمليات الهدم والإزالة حيث أعيد استخدام 90٪ منها في عمليات البناء مجددا وبالتالي كان الأمر بمثابة إحياء للإرث القديم بالنسبة للبريطانيين. التربة كانت مرتعا لمخلفات بلاستيكية ومعدنية اختلطت بها على مر السنين كانت أسهل الطرق وأسرعها هو حمل تلك المخلفات ورميها بعيدا ولكن ذلك لم يكن التوجه الذي اعتمده القائمون على المشروع حيث أعادوا استخدام تلك المخلفات مجددا في عملية البناء كما استخدموا غسالات ضخمة لتنقية 2 مليون طن من التربة علقت بها مواد ورواسب كيميائية لتصبح بذلك أكبر عملية تنظيف تجرى على تربة في بريطانيا حتى وصلوا بتلك التربة لدرجة عالية من النقاء تجعل من الأمن حتى على الطفل الصغير احتضان حفنة من التراب بين يديه وبالتالي أعيد استخدام 85٪ من تلك الرمال في عمليات البناء في المشروع الضخم. وفي بناء المجمع الأولمبي كانت هناك حاجة لنقل الأعمدة الكهربائية من فوق الأرض إلى تحت الأرض أي تحول أكثر من 50 عمودا كهربائيا من فوق الأرض إلى تحت الأرض من خلال نفقين على امتداد 6 كيلومترات ليصبح مشروع النفقين هو الأكبر على مستوى أوروبا. إلى جانب الطرق والجسور والقنوات المائية والزراعية التي شقت للمشروع كما تم بناء مركز لإعادة تدوير المياه.
بناء هيكل الاستاد الأولمبي
في نوفمبر 2007 تم الكشف عن مشروع الاستاد الأولمبي والذي يأخذ شكلا بيضاويا على مساحة 2,5 كم مربع وهو الأكبر من نوعه في بريطانيا منذ أكثر من قرن يتوسطه تجويف إسمنتي يتسع لنحو مشكل من طبقتين الطبقة العليا عبارة عن حلقة فولاذية تتسع لنحو 55 ألف متفرج. رود شيرد المهندس المعماري للمشروع تجاهل التقليدية المتبعة في هذا النوع من المشاريع وكان يبحث عن تصميم يمكن الاستفادة منه بعد انتهاء الحدث. وبعد أشهر طويلة وجدوا الحل وهو من خلال استاد ذي قاعدة فولاذية بكراسي دائمة للمتفرجين تتسع لنحو 25 متفرجا تعلوها حلقة فولاذية بكراسي مؤقتة تتسع 55 ألف متفرج يمكن الاستغناء عنها بعد الحدث أما السقف فكان التحدي الأكبر يكمن فيه حيث وجد إيان كروكفورد مدير المشروع أن الرياح تشكل تحديا للمشروع والذي صمم في الأصل بلا سقف إلا أنه وجد أن قوة الرياح من شأنها أن تشكل دوامات هوائية عنيفة داخل استاد الملعب قد تؤثر على اللاعبين وبالتالي تم الاستعانة فيرغيس ماكووكيلد مهندس البنية التحتية لدراسة مشكلة الرياح قاد إلى بناء هيكل فولاذي إلا أنه وجد أن الهيكل المعدني أصبح ثقيلا ويستخدم كثيرا من الصلب وبالتالي تم تصميم شبكة من الأسلاك المعدنية التي يمكن شدها والتحكم في الرياح وفي نوفمبر 2007 كشف عن مجسم الاستاد الفريد وفي مايو 2008 بدأ ببناء أجزاء الاستاد الذي نقلت عبر شبكة من القطارات خصصت للمشروع الفريد حيث نقل 1500 طن يوميا من أجزاء البناء في الاستاد على امتداد سبعة أيام في الأسبوع، وقد ساهم ذلك في خفض الانبعاث الكربوني بنسبة 50٪ مقارنة بالنقل الاعتيادي عبر الشاحنات وقد ساهم ذلك أيضا في خفض كلفة النقل لمواد البناء التي يحتاجها المشروع في حين أن 75٪ من عمليات النقل في المشروع تمت عبر السكك الحديدية التي خصصت للمشروع. الاسمنت والذي هو الآخر لم ينقل بالطرق التقليدية الاعتيادية والتي عادة ما تتم عبر الشاحنات وإنما نقل من خلال وسائل نقل مستدامة مثل القطارات عبر سكك حديدية في المشروع حيث تم نقل نحو 50٪ من مواد البناء فيما نقل 12 طنا يوميا من مواد البناء عبر تلك القطارات حيث حمل ما يقرب من 75 شحنة يوميا من المواد المستخدمة في بناء المشروع وقد ساهم المشروع في خلق مزيد من فرص العمل في قطاع البناء في لندن فيما ساهم المشروع في تطوير مهارات نحو 240 عاملا في المشروع.
مشروع سقف الميراث
مشروع المجمع الأولمبي (اولومبك بارك) كان يحتاج لتصميم يضعه على الخارطة العالمية وبالتالي كان لابد من الاستعانة بالمصممة المعمارية المتميزة البريطانية العراقية الأصل زها حديد لتصميم المشروع بما فيه تصميم مشروع (سقف الميراث) المخصص للمركز المائي في الألعاب الأولمبية بشكله المتموج وطول 160 مترا وبوزنه الذي تجاوز 3000 طن التحدي الأكبر في المشروع حيث تستقر دعائم التركيب الضخم على ثلاث ركائز اسمنتية فقط لتقديم مساحةٍ مفتوحةٍ لسباقات ومسابح الغطس الكبيرة للمرفق وأكثر ما يميز هذا المبنى المرونة التي أظهرها سقفه والذي ساعده على تحقيقها شكله المنحني الفعال ويصف البريطانيين مشروع حديد بأنه مثال كلاسيكي على عظمة لندن.
جيم هيفيرن الشريك الأول في مكتب زها حديد للتصميم المعماري قال في لقاء إعلامي ان مشاركتهم في التصاميم المعمارية لمشروع الأولمبياد قائم على إستراتيجية واضحة، وأضاف أن ما يمز المشروع هو إمكانية تفكيك أجزاء منه مثل الجناحين المتصلين في الحلبة الرئيسية للمشروع والتي يمكن تفكيكها في غضون 9 أشهر من انتهاء حدث الأولمبياد. وأكد على أهمية الموازنة ما بين ما يريده العميل وأيضا ضمان تحقيق الاستدامة في المشاريع التي يتم تصميمها، وأكد على أن الاستدامة باتت مطلبا ضروريا متوقعا خلال خمس إلى عشر سنوات المقبلة أن تتجه التشريعات لجعل الاستدامة مطلبا اساسيا في عمليات البناء ولتشييد في بريطانيا. وأضاف أن هناك مطالب للوصول بالانبعاث الكربوني إلى الصفر في بريطانيا بحلول 2016 آملا أن تتحقق تلك المطالب. وعن تأثر مشاريعهم بالاضطرابات التي تعيشها بعض دول المنطقة قال ان الشركة لديها عدة مشاريع في مصر وتونس وليبيا، قائلاً إن تلك المشاريع ستكون هادئة في تلك الدول لحين عودة الاستقرار مجددا لتلك الدول. وأكد على أن المعمارية المتميزة زها حديد مهتمة كثيرا بولادة مشاريع في العراق بلدها الأم، وقال ان حديد وضعت أفكارها وتصوراتها في مشروع ( سقف الميراث) في الأولمبياد كما كشف عن مشاركتهم في مسابقات التصاميم المعمارية والخاصة باحتضان قطر لمسابقات كأس العالم. وأكد على ضرورة استغلال المشاريع الرياضية والأولمبية بعد انتهاء الحدث من خلال تحولها لمشاريع تجارية وسكنية يمكن للمجتمع الانتفاع منها وكذلك المستثمرين وخاصة أن اموالا طائلة تستثمر في تلك المشاريع الرياضية.
المنتزه الأولمبي
يضم مجمع الأولمبياد أكبر منتزه في بريطانيا يتم بناؤه منذ أكثر من قرن مقتبس عن منتزه فكترويا التاريخي ويضم المنتزه أنهارا متعرجة وغابات وقد صمم لامتصاص الأمطار الغزيرة وبالتالي أصبح بالإمكان حماية خمسة آلاف منزل في المنطقة من مخاطر فيضانات الأنهار. كما تم زراعة 5 آلاف شجرة في المنتزه الأولمبي إلى جانب 380 ألف زرعة تم زراعتها في الأراضي الرطبة في المشروع وكذلك الحفاظ على الثروة الطبيعة من الطيور والخافيش... الخ
ما بعد الأولمبياد
صمم المجمع الأولمبي (اولمبيك بارك) على أساس الاستفادة من مجسمات المشروع بعد انتهاء حدث الأولمبياد وبالتالي تصميم المشاريع القائمة كان يعتمد البناء المؤقت أي إمكانية فك وتركيب أكثر من كونه يميل للبناء الدائم والابتعاد عن استخدام عمليات اللحام في تركيب المشاريع الرياضية المتعددة في المجمع الأولمبي ليتحول المشروع بعد انتهاء الأولمبياد إلى مشروع سكني متكامل يضم بنايات ب 2800 شقة ذات كلفة منخفضة وأخرى بكلفة السوق إلى جانب مركز تسوق ضخم وقنوات مائية ومدارس ومستشفيات.. الخ.
