دخل سوق الإيجارات في الإمارات عموماً وفي دبي والشارقة على وجه التحديد مرحلة إغراء المستأجرين بالحصول على أشهر إيجار مجاناً في اعقاب خدمات مجانية مؤقتاً كالانترنت ومواقف السيارات وغسيل الملابس سعياً من المؤجرين للحفاظ على المستأجرين الذين مالت كفة الإيجارات إلى جانبهم عقب زيادة المعروض في السوق. وأبدى المؤجرون مرونة كبيرة في العام الماضي بقبول الإيجار السنوي على ‬12 دفعة بدلاً من اربع أو ثلاث دفعات وعدول أغلبهم عن مطالبة بعض المستأجرين بإيجار المثل ما يعد تطوراً لافتاً في سلوك المؤجرين وهم يواكبون متطلبات التصحيح السعري الذي يشهده سوق الإيجارات.

وبينما رجح المراقبون قيام إدارات أبراج سكنية في إمارة الشارقة بتقديم ‬3 أشهر إيجار مجاناً لحمل المستأجرين على البقاء أعلنت أحد أكبر شركات إدارة العقارات بدبي أمس منحها شهرين إيجار مجاناً لكل من يستأجر عقاراً في أحد المشروعات العقارية بمنطقة مردف بدبي.

وقالت الشركة (التي تحتفظ البيان باسمها) في رسالة نصية بعثت بها على الهواتف النقالة لقائمة واسعة من المستأجرين بأن (العرض يستمر حتى نهاية شهر فبراير/مارس المقبل ويشمل عقارات في منطقة مردف وتبدأ فيها الأسعار من ‬43 الف درهم للشقق المكونة من غرفة نوم وصالة). ويشكل هذا العرض حلقة جديدة في مسلسل التنافس المحموم بين شركات الوساطة والمطورين العقاريين في سوق الإيجارات للحفاظ على المستأجرين فقد سبق لشركات عدة تقديم خدمات مجانية للمستأجرين لحمل هؤلاء على توقيع فوري لعقود الإيجار أو تجديد المنتهي منها ليدخل سوق الإيجارات مرحلة جديدة لم يعد فيها المستأجرون يتنافسون للحصول على العقارات بقدر ما يتنافس المؤجرون أنفسهم للحصول أو للحفاظ على المستأجرين.

قائمة مجانية

وتضم قائمة الخدمات التي يمكن للمستأجر الحصول عليها مجاناً في الوقت الراهن في بعض الأبراج السكنية بدبي موقفاً لمركبته وغسيلا جافا لعدد محدد من الملابس فضلاً عن خدمات الإنترنت بمواصفات مقبولة متاحة بتقنية الواي فاي لجميع المستأجرين في المبنى. وأتت هذه الخدمات ثمارها سريعاً بإشغال كامل للوحدات السكنية في مبان سكنية تقع في مشاريع دبي الجديدة.

ويلاحظ انتشار هذه الخدمات في المباني التي جرى إنجازها مؤخراً ولم يتأخر ملاّكها في إدخالها إلى السوق لكن بطريقة تسويقية غير مسبوقة في سوق إيجارات كان يشترط دفع المؤجر لقيمة إيجار العقار السنوية دفعة واحدة. وأظهر المؤجرون استجابة سريعة لحركة تصحيح القيمة الإيجارية بتقديم مغريات للمستأجرين رغم أنهم يرون في تقديم تلك المغريات تنازلات مطلوبة لضمان العوائد.

مبادرات

أحد مبادرات الملاك المؤجرين توجههم لتحصيل إيجاراتهم عبر ‬12 دفعة بدلاً من ‬4 دفعات أو التعاقد على الإجارة المنتهية بالتملك ما سيمنح سوق الإيجارات وعقارات التملك الحر المزيد من الجاذبية وتحقق المزيد من الاستقرار في سوق العمل. أما المميزات التي كانت سبباً في رفع الإيجارات قبل أعوام تحولت الآن إلى عناصر جذب للمستأجرين وبات المؤجر يغري المستأجر بقرب العقار من المطار ومن مراكز التسوق والمدارس ولا يتركه قبل أن يوقع معه عقد يمتد لعامين بقيمة إيجارية ثابتة لكنها متهاودة.

وعدل العديد من الملاك عن مطالبة المستأجرين بما يعرف بإيجار المثل بسبب تراجع القيمة الايجارية في مناطقهم في إطار عملية تصحيح على خلفية رجحان كفة العرض على الطلب ما يجعل الإبقاء على قيمة العقود الحالية أو زيادتها بنسب قليلة في متناول المستأجر أفضل بكثير من بقاء الوحدة السكنية شاغرة.

حركة تصحيح

وبدأت ملامح تغير توجهات سوق الإيجارات لصالح المستأجرين في النصف الثاني من ‬2009 بعد أعوام من استغلال أغلب المؤجرين لنقص المعروض في السوق كسلاح فعال لفرض القيمة الإيجارية التي تتناسب مع طموحاتهم المالية.

وأدى دخول عشرات الآلاف من الوحدات السكنية والمكتبية إلى السوق منذ العام الماضي إلى قلب معادلة العرض والطلب ليفقد العقار ندرته في السوق ويصبح متاحاً أمام المستأجرين بمواصفات ومميزات وأسعار منافسة. ولم تجد جهود المؤجرين نفعاً في وقف حركة التصحيح التي باتت تتمتع بدعم حكومي يتمثل بسياسات عديدة أبرزها التدخل مرات عديدة لكبح جماح أسعار الإيجارات عبر تحديد سقف أعلى للزيادة إلى جانب قيام شركات مثل دبي للعقارات التابعة لدبي القابضة ومجموعة وصل التابعة لحكومة الإمارة بضخ آلاف الوحدات السكنية الجديدة بأسعار تقل عن مثيلاتها في الأعوام السابقة بنسبة ‬50٪ تقريباً.

مالذي يحدث؟

يتابع المراقبون باهتمام بالغ التحرك اللافت والفاعل من المؤجرين للاحتفاظ بالمستأجرين في إطار عملية تصحيح تتصاعد على محورين الأول يتعلق بتراجع طبيعي للأسعار والثاني يرسم علاقة صحية وموضوعية بين المستأجر والمؤجر الذي كان حتى وقت قريب الطرف الأقوى الذي يملي القيمة الايجارية بعيدا عن معطيات العرض والطلب في سوق الإيجارات في الإمارات عموما ودبي على نحو خاص.وتلقى مبادرات ملاك العقارات للمستأجرين ترحيباً في السوق وتولد قناعة بأنها ستساعد المستأجرين على ترتيب أوضاعهم بطريقة أكثر استقرارا من ذي قبل.

اغتنام الفرصة

يغتنم العديد من المستأجرين فرصة التصحيح السعري لتغيير عقاراتهم المؤجرة إلى مساحات أكبر بقيمة أقل أو شراء عقارات بأسعار منافسة دون الحاجة إلى قروض عقارية أو تمويل مصرفي. وسيتوجب على مؤسسات التمويل عدم هدر الوقت في مراقبة السوق والتعجيل في التحرك لمواكبة متطلبات المستأجرين والمشترين بمرونة أكبر لاسيما وان البنوك تقر بوجود صفقات عقارية يجري إبرامها من دون تمويل مصرفي ما يفوت على تلك المؤسسات فرصة تعظيم أرباحها. وبينما تتفاوت مؤشرات العرض والطلب في أسواق إيجارات عموم مدن الدولة إلا أن أسواق دبي وابوظبي والشارقة وعجمان تحديداً تشهد حالياً دخول عشرات المباني إلى السوق.

جاذبية السوق

أجمع مراقبون ومديرو شركات استشارات ووساطة عقارية على أن مواصلة سوق الايجارات تحقيق المزيد من التراجع لأسباب متنوعة يساهم بقوة في زيادة التنافسية والمقدرة على تحمل أعباء المعيشة وإنعاش جاذبية عموم مدن الدولة بعدما شكلت عاملاً ضاغطاً على الإقتصاد وزادت من أعبائه التضخمية خلال الفترة مابين ‬2002 لغاية ‬2008 . وأشاروا إلى أن الإيجارات تسببت في وقت سابق في فقدان نسبة كبيرة من المستأجرين المقدرة على التوفيق بين متطلبات السكن وباقي النفقات المتصلة بالمعيشة. ولجأ الكثير من أصحاب العائلات إلى ترحيل أسرهم للتخفيف من المصروفات التي أفقدت قوتهم الشرائية تأثيرها الإيجابي في حياتهم اليومية وجدوى الأعمال التي يزاولونها.

لكن الصورة التي بدأت تتضح معالمها خلال العام الجاري تؤكد انقلاب الصورة - مع تنامي الطلب على الإيجارات وتحديداً من قبل العائلات المتوسطة والكبيرة- فقد مهدت زيادة المعروض في كم ونوع الوحدات السكنية الطريق أمام تصحيح سعري شمل القيمة الإيجارية وأسعار البيع إلى جانب تصحيح العلاقة مابين أطراف العلاقة بعدما شهدت تجاذبات منها ما تبخر بالتوفيق والتصالح ومنها ما ذهب الى المحاكم تحت عنوان المنازعات الإيجارية. وأضافوا بأن صدور قوانين ومراسيم تحدد القيمة الإيجارية وتعدل العلاقة مابين المؤجر والمستأجر وتنظم العلاقة بين البائع والمشتري في مناطق التملك الحر وقطع الطريق أمام الاستخدام السيئ لشيكات المشترين أو المستأجرين أدت دوراً محورياً في تغيير سلوك أطراف العلاقة لجهة المرونة في السداد وجدولة الدفعات وخفض الأسعار بما قاد إلى إنعاش سوقي الإيجارات والبيع وإضفاء المزيد من الاستقرار على تعاملاته.