مَنْ ينطق باسم دبي، فإنه يقصد حياة الرفاهية. يقصد ذاك البلد، الذي يتطاير فيه غبار الذهب عبر الهواء، وتتحول فيه الرؤى إلى حقيقة. ويبدو أن المال ليس مقياساً لكل الأشياء، بل براعة العقول: أن تعيد أتلانتس الغارقة مجدداً إلى الحياة مجسدة ذلك باحد اكبر الفنادق في العالم، أن تبني أطول مبنى في العالم، برج خليفة، أو أن تعيش على جزيرة اصطناعية على شكل شجرة نخيل تتواجد بعيداً في البحر.

«غير معقول»، «جنون» يقول بعض الذين تطأ أقدامهم للمرة الأولى في هذه المدينة الصحراوية. أما الآخرون فيقولون «حماس وإثارة»، «قمة السعادة»، «متعة الترف». وبين هذين الرأيين الشديدين فإنه بالكاد سيجد المرء وجهة نظر أخرى.

هذه البقعة من الأرض قصة من قصص ألف ليلة وليلة بالنسبة لسكانها. ولكن هناك عددا ليس بالقليل من الأجانب الذين يبتهجون بابتسامة شماتة، لأن الأزمة المالية العالمية أصابت إمارة دبي: وعلى عكس المحيط الاقليمي، فإن المرء يعتمد في دبي على الأسواق المالية.

الحيرة تتملك الزائر من طريقة التعامل مع البيئة. فبسرعة يتم إحضار المعايير البيئية العاليمة في مشاريع البناء العملاقة. كما تصبح هناك حقوق أكثر بالنسبة لآلاف العمال الوافدين من المناطق الفقيرة والأكثر فقراً في آسيا. يتحدث سائق سيارة أجرة شاب «أنا ممتن لأنني أستطيع أن أعمل هنا. في بلدي بنغلادش لدي بديل واحد فقط وهو الجوع. الآن أعيل عائلتي الكبيرة في بلدي من خلال مدخولي. أريد البقاء هنا لأطول وقت ممكن».

كل ثلاث سنوات تقوم وزارة الداخلية بفحص حالات الإقامة الخاصة بكل عامل وافد. ومن يحصل على الضوء الأخضر، يمكنه أن يبقى لمدة ثلاث سنوات مجدداً، بشرط أن يكون لديه عمل. ولا يجب عليه دفع ضرائب على مدخوله.

لا يتساهل القانون مع الجرائم صغيرة ام كبيرة. ويوضح الفريق ضاحي خلفان تميم، قائد عام شرطة دبي «لدينا قوانين واضحة. أي عامل وافد يقوم بجريمة، عليه مغادرة بلدنا». وهو فخور لانخفاض معدل الجريمة.

ويذكر أنه يمكن للنساء أيضاً الخروج ليلاً على الطرقات بدون أي خطر. ولكن لا يشاهد المرء كسائح الكثير من شعر المرأة العربية الجذاب على كل حال: هن محجبات ويرتدين جميعهن بدون استثناء رداءً أسود طويلاً (العباية). وكلما كانت المرأة أكثر ثراءً، كان القماش مطرزاً. وتزين الأصابع مجوهرات تحبس الأنفاس. وتكمل النظارات الشمسية والحقائب المظهر الأنيق، الذي تفوح منه روائح عطور قوية.

ومن يرى هؤلاء النساء يتجولن في الأسواق ومراكز التسوق العديدة، سيستشعر الثقة بالنفس وراء الحجاب. ويقول قائد عام شرطة دبي على سبيل التذكير «إن نساءنا الشابات يعملن كطيارات ومهندسات وسيدات أعمال ويدرسن في الخارج». دبي مدينة صغيرة على شاطئ الخليج العربي، مساحتها ‬3885 كيلومترا مربعا ويقطنهها ‬1,8 مليون نسمة. وبدأت في منتصف الستينات إنتاج النفط الخام. وبسرعة كبيرة تحولت إلى بلد التفوق وإلى واحدة من أغنى مدن الأرض.

وخلال جيل واحد بالنسبة للإماراتيين أصبحت قصة من قصص ألف ليلة وليلة حقيقة: يودعون الزمن والسكن في التجمعات العائلية، ليدخلوا منازل فخمة. ليقودوا السيارات رباعية الدفع بالإضافة إلى إرسالهم لأبنائهم إلى الجامعات، حيث يفضلون إنجلترا أو الولايات المتحدة الأميركية، لإعدادهم لتلبية متطلبات بلدهم القادمة. وهي متطلبات كبيرة، يعرفونها بأنفسهم أفضل من الجميع.

وهذا الطريق السريع من التعليم التقليدي إلى شبكة الإنترنت والتطور المذهل لم يكن ممكناً لولا قيام آل مكتوم من الاستفادة من عائدات النفط في البنى التحتية وتقاسمها مع الشعب. فمن النادر أن تتواجد كثافة بأعداد المليونيرين في أي بلد آخر في العالم.

والتفوق يتحدث..

تُؤثر على الضيف الأوروبي بشكل واضح رباطة الجأش في مواجهة الصعوبات. يقول قائد عام شرطة دبي «إننا نحل المشاكل بالأفكار. وعندما تكون فكرة معينة غير فعالة، فإننا ندرس فكرة جديدة أخرى».

وبالمثل صرح محمد أهلي مدير عام هيئة الطيران المدني في دبي، وعلي عبد الوهاب مدير منطقة أوروبا الغربية والشرقية في وزارة السياحة.

كلهم فخورون بالإنجازات، وفخورون أيضاً بالحاكم، الذي يقودهم في هذا العصر. ومن هذا المنطلق يستطيع المرء أن يفهم لماذا يتواجد أطول مبنى في العالم، برج خليفة الذي يبلغ ارتفاعه ‬808 أمتار في دبي.

ويبدو أن الفرح الحقيقي يكون بناء على إمكانية تحقيق رؤية تدفع بريادة دبي دائماً إلى أعلى مستويات الأداء. ويقف الأوروبي مذهولاً أمام هكذا شجاعة وثقة كبيرتين.

يقول ضاحي خلفان تميم، «الألمان موثوقون جداً ومنظمون. ويستطيع المرء الاعتماد عليهم. وبكل سرور، نقوم بالأعمال التجارية معهم» لذلك تحظى الشركات الألمانية في دبي بالاحترام والتقدير. ويعتبر الألماني دقيق وأمين. ويقول «تم بناء قواتنا اقتداء بالشرطة البافارية». وقد اجتمع مراراً مع رئيس شرطة ميونخ للحوار.

وفي نفس الاتجاه تحدث محمد أهلي، فالمبنى الجديد الرائع في مطار دبي نشأ من خلال تعاون وثيق في تبادل الخبرات مع مدير مطار ميونخ ميشائيل كيركلو.

كما يتحدث أهل دبي بلا أي خوف أيضاً حول مستقبلهم، أي ذلك اليوم الذي سينفذ فيه النفط. ويوضح علي عبد الوهاب من وزارة السياحة «نحن نعتمد على أعمدة أساسية أخرى مثل السياحة».

لقد شهد شباب المدينة تطور قريتهم الصغيرة لتصبح جزءاً من مدينة دبي ويقول احدهم: «كان ذلك رائعاً. لدينا الآن طرق واسعة، بينما كنت أعبر الرمال في السابق كي أذهب إلى المدرسة». وهو يريد الآن أن يساعد على ضمان بقاء دبي في المقدمة: «بلا حدود» يبدو هذا كشعار له جذور عميقة في عقول هذا الجيل الشاب.