أكدت وزارة الاقتصاد أمس انتهاءها من إعداد مشروع قانون جديد للغش التجاري والتدليس، مشيرة إلى أن المشروع تم اعداده وفق أفضل الممارسات العالمية وروعي فيه تشديد العقوبات المفروضة على المخالفين، ومن المتوقع صدروه خلال العام المقبل. جاء ذلك خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الأول لمكافحة الغش التجاري والتقليد الذي نظمته وزارة الاقتصاد ومعهد التدريب والدراسات القضائية في فندق فيرمونت البحر في أبوظبي أمس، بحضور سلطان بن سعيد المنصوري وزير الاقتصاد وقيادات الوزارة والمعهد وممثلي القطاع الخاص.

وألقى حميد بن بطي المهيري الوكيل المساعد لشؤون الشركات التجارية في وزارة الاقتصاد كلمة الوزارة خلال المؤتمر، وشدد فيها على أهمية القانون بعقوباته الجديدة، مؤكدا أن مشروع قانون الغش التجاري والتدليس دخل في مرحلته التشريعية النهائية.

تعديات كثيرة

وأكد الوكيل المساعد أهمية المؤتمر، مشيرا إلى أنه يعنى بمكافحة كل أشكال التعديات، سواء كانت تعديات على أصحاب الحقوق أو المستهلك أو الاقتصاد الوطني بالتشويه والتخريب، موضحا أنه يلقي الضوء على الدور المحوري والمهم للدولة في مجال مكافحة الغش التجاري من خلال تطوير التشريعات والقوانين الفعالة، وللحد من هذه الظاهرة لحماية حقوق الملكية الفكرية بهدف تعزيز أداء التنمية الاقتصادية وحماية الاقتصاد الوطني من خلال توفير بيئة آمنة خالية من التعديات التجارية بكافة أشكالها.

ونوه الوكيل إلى أن قضية الغش التجاري وتقليد السلع مهمة تماما، حيث تؤثر بصورة مباشرة في أداء النمو الاقتصادي والسلامة العامة، وتعيق الابتكار والابداع، وتكبد أصحاب العلامات التجارية وأصحاب الحقوق خسائر فادحة، وتشكل مكافحتها عبئاً كبيراً على الحكومات والأجهزة المختصة.

تنسيق وتعاون

وأكد حرص وزارة الاقتصاد على توحيد الجهود والتنسيق الدائم مع شركائها الاستراتيجيين من دوائر التنمية الاقتصادية ودوائر والجمارك والقطاع الخاص من أجل الحدّ من ظاهرة الغش التجاري والتقليد، إضافة إلى الاستعانة بدور القضاء في التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.

وأكد أن قضية الغش تؤثر بشكل ملحوظ في أداء الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن قيمة البضائع المقلّدة والغش التجاري عالمياً تبلغ ‬780 مليار دولار سنوياً، تشكل نسبة تتراوح بين ‬5 ٪ و‬10٪ من قيمة التداول التجاري العالمي، ويبلغ نصيب الدول العربية منها ‬50 مليار دولار.

وأوضح أن الإمارات ووفقاً لشهادة المنظمات الدولية والعربية المعنية تعد من أفضل الدول في مجال تطبيق وسن التشريعات المتعلقة بحماية حقوق الملكية الفكرية، مشيرا إلى أن نسبة القرصنة بلغت بها ‬35٪ فقط، وهي الأفضل على مستوى العالم العربي، فضلاً عن مواكبتها للتقنيات التكنولوجية الحديثة، وسرعة التحرك بالتعاون مع شركائها الاستراتيجيين في مواجهة التقليد والغش التجاري.

جولات تفتيشية

وأوضح أن الوزارة تعمل بشكل متواصل على تكثيف جولاتها التفتيشية لمكافحة الغش التجاري، مشيرا إلى أن الوزارة قامت خلال عام ‬2010 بنحو ‬24 ألفاً و‬183 جولة تفتيشية، وجهت خلالها ‬1698 مخالفة شملت متابعة قانون حماية المستهلك وضبط السلع المقلدة والمغشوشة ومتابعة قانون العلامات التجارية والتفتيش على المصانع.

وشدد على أن الوزارة ستواصل التزامها العميق ببذل كافة الجهود ورفع مستويات التنسيق مع الجهات المعنية من أجل التواصل بهدف بناء منظومة متكاملة من شأنها تعزيز الوعي بمخاطر الغش التجاري والتقليد، والعمل على محاربة هذه الظاهرة الخطيرة.

واختتم الوكيل المساعد كلمته مؤكداً أن قضية الغش التجاري والتقليد هي قضية وطنية تتطلب حسا عاليا من المسؤولية وتضافر الجهود ووضع استراتيجيات فعالة بعيدة المدى ولسنوات طويلة من أجل مواجهة سلبيات وتحديات هذه الظاهرة الخطرة حفاظاً على أداء الاقتصاد الوطني والسلامة العامة وحماية البيئة الاستثمارية والاستهلاكية والناتج القومي.

آثار خطيرة

وأكد الدكتور محمد محمود الكمالي المدير العام لمعهد التدريب والدراسات القضائية في كلمته أن الآثار المدمرة لظاهرة الغش والتقليد خطيرة ولا يمكن إغفالها، مشيرا إلى ضرورة تعاون كافة الجهات للتصدي لهذا الخطر الزاحف وحماية حياة وصحة المستهلك وحقه في الحصول على سبل العيش الآمن في ظل بيئة تجارية آمنة، حتى يتم رفع قدرات الأفراد والمؤسسات على الأداء والتنافس الناجح في كافة مجالات التجارة.

ولفت إلى أن تطوير القوانين والتشريعات وتشديد العقوبات في هذا المجال مهم، والأهم من ذلك تقوية التفتيش على مختلف المؤسسات والشركات في الدولة وضبط المخالفين للقوانين التجارية المعمول بها في الدولة، ومنها قانون مكافحة الغش والتدليس من خلال القيام بجولات تفتيش مستمرة على المراكز والأسواق ومصانع المواد الغذائية والاستهلاكية للتحقق من عدم وجود مخالفات لنظام مكافحة الغش وللتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، وتوقيع الجزاء الرادع على المخالفين، بالإضافة إلى إقامة شراكة مع الجهات ذات الصلة مثل وزارات الصحة والداخلية الجمارك وغرف التجارة والبلديات والجهات القضائية للتصدي لهذه الظاهرة.

واستعداد معهد التدريب والدراسات القضائية للتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية لرفع التوعية في جميع القطاعات. وأشار إلى أن ما تتمتع بها الإمارات من رؤية شاملة وبيئة متطورة جعل منها مركزا إقليمياً ودولياً مرموقاً للتعمير والاقتصاد الناجح، ويتسم بالأمان والاستقرار، وتتأكد مكانتها العالمية في سوق المال والأعمال بصفة مستمرة.

حماية المواطنين

وشدد على مدى خطورة الدور الذي يتعين على الدولة القيام به حماية لمواطنيها ووقايتهم من مخاطر اقتناء الأدوات واستهلاك المنتجات المقلدة والمغشوشة، مشيرا إلى قلة خبرة المواطنين وعدم تمييزهم بين أنواع السلع المتعددة والمتشابهة، فضلاً عن انتشار الغش والفساد والإعلان الخادع. وأوضح أن الإمارات تتميز بالعديد من التشريعات التي تهدف إلى حماية المستهلك من الغش والتدليس واحتكار السلع وتقليد العلامات التجارية، كما أنها فرضت الرقابة على عملية تصنيع المواد الغذائية والأدوية وتداولها والتعريف بمكوناتها وما قد ينجم عنها من أضرار.

وأكد الكمالي أن قضية الغش التجاري والتقليد باتت تشغل الأذهان والرأي العام، ليس فقط على المستوى المحلي، بل أيضا على المستوى العالمي، مشيرا إلى أن قول أحد الاقتصاديين الخليجين بأنها مقبرة للأسواق بالنسبة للدول والمستهلك. ولفت إلى أنه في ظل سيادة العولمة اتسع نطاق الغش ليصير قضية خطيرة وذات أوجه متعددة تطال المستهلك في كل القطاعات، سواء الأغذية والالكترونيات والأدوات الكهربية والاتصالات وتقنية المعلومات والأدوية والأجهزة الطبية.

واستشهد ببيانات منظمة الصحة العالمية والتي أكدت أن نحو ‬10٪ من الأدوية المتاحة على مستوى العالم مغشوشة، وقد تصل هذه النسبة لأكثر من ‬30٪ في بعض البلدان النامية، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة بدأت يطال تأثيرها مختلف دول العالم المتقدمة منها والنامية، وأصبح من الصعوبة بمكان تحديد المتهم الحقيقي في جرائم الغش هل هو الصانع أم المنتج أم المدير الفني أم التاجر؟ وهل هو تاجر الجملة أم الوسيط أم تاجر التجزئة أم الشخص المعنوي؟ وهل الجريمة وقعت عمدا أم نتيجة إهمال؟

رقابة الوزارة

وأكد عبد الله آل حسين مدير إدارة الرقابة في وزارة الاقتصاد في تصريحات للصحافيين على هامش المؤتمر على الدور الكبير الذي قامت به الوزارة للحد من ظاهرة البضائع المغشوشة وحماية الملكية الفكرية، مشيرا إلى أن الوزارة قامت بجولات تفتيشية كثيرة للتأكد والتحقيق في شكاوي تلقتها.

وأوضح أن الوزارة نظمت أكثر من ‬24 ألف جولة تفتيشية، منها ‬10 آلاف و‬101 جولة تفتيشية لمتابعة قانون حماية المستهلك، وتم تحرير ‬294 مخالفة ضد مخالفين، كما تم تنفيذ ‬13 ألفاً و‬185 جولة تفتيشية لضبط السلع المقلدة والمغشوشة، وتم تحرير ‬1316 مخالفة، إضافة إلى ‬166 جولة تفتيشية لمتابعة حقوق المؤلف، وتم تحرير ‬57 مخالفة، ونحو ‬353 جولة تفتيشية لمتابعة قانون العلامات التجارية، وتحرير ‬31 مخالفة، إضافة إلى ‬378 جولة تفتيشية على المصانع، ولم يتم تحرير أية مخالفات في هذا الصدد. كما شدد آل حسين على ضرورة تغليط العقوبات في قانون الغش التجاري الجديد حتى يكون رادعا للمخالفين.

نجاحات بارزة

ولفت عمر شتيوي رئيس مجلس أصحاب العلامات التجارية في دول الخليج إلى النجاحات البارزة التي تحققها إدارات الجمارك والدوائر الاقتصادية والأمنية في الدولة لمكافحة ظاهرة الغش التجاري، مشيرا إلى أنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن حجم هذه الظاهرة سواء في الإمارات أو دول الخليج، لكن بصفة عامة تنتشر هذه الظاهرة عندما يزيد حجم التجارة لأية دولة، كما أن نسبة لا يتسهان بها من السلع المقلدة والمغشوشة تدخل إلى الدولة بهدف إعادة التصدير.

وأوضح أن ظاهرة الغش والتقليد أصبحت خطيرة وتهدد صحة الإنسان، خاصة وأن السلع المغشوشة لا تقتصر حاليا على قطاع معين، بل تشمل كافة المجالات الحيوية للإنسان، من الدواء مرورا بالطعام وانتهاء بالسجائر ومواد التجميل.

وأوضح شيتوي أن الدراسات التي أجراها المجلس حول ظاهرة الغش التجاري أشارت إلى أن انتشار السلع المغشوشة ليس مرتبطاً برخص أسعارها مقارنة بأسعار السلع الأصلية، حيث لاحظ المجلس أن السلع الأصلية والمقلدة والمغشوشة تباع بنفس السعر، وللأسف فإن المستهلك يقع ضحية الغش والتدليس.

وأضاف: ظاهرة الغش والتدليس تزداد مع زيادة حجم التجارة، وأثبتت التجربة أن نسبة كبيرة من السلع المغشوشة والمقلدة تأتي من الصين، لافتا إلى أن الحكومة الصينية حريصة على التخلص من هذه السلع لديها بعد أن أساءت لسمعتها كثيرا، وقد ضبطت مؤخرا أكثر من ‬675 مليار قطعة مقلدة ومغشوشة كانت معدة للتصدير خارج الصين.

وذكر أن نسبة كبيرة من السلع المغشوشة والمقلدة تدخل إلى دولة الإمارات والعديد من دول العالم من خلال المناطق الحرة التي تتواجد لديها، مؤكدا صعوبة السيطرة على هذه المناطق من خلال قوانين وتشريعات، وأن الحل الوحيد للحد من دخول هذه السلع إلى الدولة هو التنسيق بين الحكومات والقطاع الخاص وخطوط الشحن وتوعية الرأي العام بعدم شرائه للبضائع المقلدة.

وأكد على ضرورة تغليط العقوبات ضد المروجين والمشاركين في انتشار ظاهرة السلع المقلدة والمغشوشة، مشيرا إلى خطورة التعاطف معهم في حال ضبطهم متلبسين بسبب خطورة الظاهرة، وقال: التغليظ مطلوب لأن الوضع الحالي خطير، علما بأن الوضع العام في دولة الإمارات بالنسبة للبضائع المقلدة والمغشوشة أفضل كثيرا من دول أخرى.

واقترح عمر شيتوي إنشاء هيئة اتحادية لمراقبة ظاهرة السلع المغشوشة والمقلدة ووضع حلول لتقليص انتشارها، إضافة إلى التنسيق بين الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة الاقتصاد ودوائر التنمية الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة.

وأكد شيتوي على أن ظاهرة السلع المغشوشة والمقلدة تتزايد في منطقة الخليج، معربا عن أمله لتنفيذ قانون العلامات التجارية الموحد الذي صدر منذ نحو ‬4 سنوات ولم يتم تفعيله على مستوى الدول الست حتى الآن.