أدعوكم للرجوع بأذهانكم إلى الشهور الأولى من 1914م، منذ قرن واحد بالضبط، كان معظم العالم آنذاك قد نعم بسنوات طويلة سادها السلام، وأدت القفزات العملاقة في ميدان الابتكار العلمي والتكنولوجي قد أدت إلى انجازات غير مسبوقة في مستويات المعيشة والاتصالات. لم تكن هناك إلا بضعة حواجز أمام التجارة أو السفر أو حركة رأس المال. كان المستقبل زاخراً بالإمكانيات.
ولكن عام 1914 كان بوابة لثلاثين عاماً من الكوارث ـ أبرزها الحربان العالميتان وفترة «الكساد الكبير»، كان العام الذي بدأت فيه كل الأمور تسير في اتجاه خاطئ. ما الذي حدث؟
الذي حدث هو أن ميلاد المجتمع الصناعي الحديث جلب معه اختلالات جسيمة. كان التوتر مستشرياً في العالم كله ـ منافسة بين الأمم، واختلال في ميزان القوى التقليدي، وعدم مساواة بين الأثرياء والفقراء سواء جاء عن طريق الاستعمار أو من خلال تراجع الفرص المنتظرة للطبقات العاملة غير المتعلمة.
وبحلول عام 1914، كانت هذه الاختلالات قد انقلبت إلى صراع صريح، ففي السنوات التالية، أدى الفكر القومي والأيديولوجي إلى الحط من الكرامة الإنسانية على نحو غير مسبوق، والتكنولوجيا، بدلاً من ان تسمو بالروح الإنسانية، ثم نشرها لأغراض التدمير والترويع. وكان الفشل مصير المحاولات المبكرة لتحقيق التعاون الدولي.
وفي عام 1944 كانت الوجهة هي بلدة بريتون وودز الصغيرة في تلال نيوهامشير، في شمال شرق الولايات المتحدة، كان هدفه الاجتماع بنظرائه من بلدان العالم الأخرى، وكانت خطتهم لا تقل عن إعادة بناء النظام الاقتصادي العالمي.
وكانت الأمم الأربع والأربعين المجتمعة في بريتون وودز عاقدة العزم على بدء مسار جديد، يقوم على الثقة المتبادلة والتعاون المشترك.
كانت هذه هي اللحظة الأولى للعمل المشترك ـ منذ 70 عاماً، ومنها ولدت منظمة الأمم المتحدة والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي ـ المؤسسة التي افتخر بقيادتها.
غير أننا نخرج اليوم من فترة «الركود الكبير» أسوأ الأزمات الاقتصادية ـ وأكبر الاختبارات ـ في جنلنا. وبفضل روح العمل المشترك ـ روح التعاون الدولي ـ التي ورثناها منهم، لم ننزلق إلى هوة كساد كبير آخر كان يمكن ان يجلب الشقاء للعالم من جديد. وقد نجحنا جميعاً في اجتياز الاختبار ـ إذ رفضنا الحمائية، وأعدنا تأكيد التعاون.
