تعيد الرقمنة في أيامنا هذه تحديد شكل وسائل الإعلام مع تأثير كبير على نشر الصحف. وتتأثر نماذج عمل القطاع الإعلامي بصورة خاصة بالرقمنة، إذ إن وسائل الإعلام على غرار ناشري الصحف تعتمد بشكل كبير على استهلاك المحتوى المتاح اليوم على نطاق واسع بتكلفة زهيدة وفي أي مكان. في الواقع، ورغم معدلات النمو السكاني الجيدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدأت مستويات القراء بالتراجع. ورغم دخول قراء جدد الفئة العمرية للقراءة، يتحول نحو 70% منهم إلى المطبوعات الإلكترونية ويقتصر استخدامهم على الإعلام الرقمي فقط. وتؤثر هذه التطورات بدورها في نماذج عمل ناشري الصحف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يتسبب باستنفاد هيكلي للقيمة الاقتصادية. من المتوقع أن يخفض نحو 76% من قراء الصحف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا القادرين على الوصول إلى الوسائل الرقمية بشكل ممتاز مستوى قراءتهم للصحف أو أن يتوقفوا عن قراءتها خلال سنتين. وهذا ما يتسبب بتراجع سريع ومستدام لنسبة القراء. والوضع من الناحية الاقتصادية المباشرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يبدو أقل وطأة منه في الأسواق المضطربة بشدة على غرار الولايات المتحدة. فالمعلنون في المنطقة الذين يستهدفون الجماهير المحلية فضلوا طوال الفترة السابقة الصحف بدلاً من التلفزيون المحلي الذي كان يشكل وسيلة أقل جاذبية نظراً إلى جودته المحدودة والمنافسة من القنوات الفضائية العربية المجانية. إلا أن الفاعلين في قطاع الصحف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مازالوا يشعرون برياح التغيير الرقمي حيث تحتم الرقمنة إعادة النظر في نماذج تشغيل ناشري المطبوعات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتستنفد قيمة المساهمين. وفي الواقع، ارتفعت مستويات الرقمنة بصورة خاصة في الأسواق الخليجية الغنية حيث يمكن للغالبية الساحقة من مستهلكي الصحف الوصول إلى شبكات الإنترنت ذات النطاق العريض. ويتعين على الفاعلين في قطاع الصحف مواجهة التحدي الرقمي بشكل يؤمن لهم فرص النمو. وهذا يتطلب استراتيجية ثلاثية الأبعاد تقوم على تحقيق أقصى مستويات الفاعلية للعمليات الأساسية والتحول الرقمي والتنويع إلى قطاعات قريبة من خلال التركيز على القدرات الأساسية. كما أن برنامج التعظيم يجب أن يرتبط بشكل كامل بالاستراتيجية المستقبلية. ويتعين على ناشري الصحف اختيار موقعهم على سلسلة القيمة الإعلامية، مما يسمح لهم بمواجهة ضغوط التكلفة الناشئة عن تراجع التوزيع والإيرادات الإعلانية عبر إظهار مكامن تخفيض التكاليف بطريقة منظمة وحيث يتعين عليهم تركيز الموارد لتحقيق فرص جديدة والتوسع.
