يمرّ الاقتصاد العالمي حالياً بتغييرات هيكلية عميقة، بحيث سيختفي خلال العقد القادم العاملان اللذان كانا يدفعان التدفقات الاستثمارية والتجارية في العشرين عاماً الماضية، وهذان العاملان هما أولاً اعتماد الولايات المتحدة على استيراد الطاقة من الشرق الأوسط، وثانياً الفائض في الحساب الجاري الصيني. وسينتج عن هذه التغييرات زيادة في الاعتماد التجاري ما بين دول آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً بين الهند والصين من جهة والسعودية والكويت وقطر والإمارات من جهة أخرى.

فالولايات المتحدة التي هي اليوم أكبر مستورد للنفط على مستوى العالم، تتجه إلى الاكتفاء الذاتي من مواردها الطبيعية للطاقة مع تطويرها لتكنولوجيا وعمليات استخراج النفط والغاز الصخري. ويتضح أثر هذه الخطوة على حجم تصدير النفط الحالي من دول مجلس التعاون الخليجي. فقد كانت الولايات المتحدة تستورد بين 20% و25% من إجمالي حجم النفط السعودي منذ عقد من الزمان، وأصبحت اليوم هذه النسبة لا تتعدى 13.5% من الإجمالي السعودي.

أما آسيا المتعطشة للنفط، فهي لا زالت بحاجة إلى نفط دول مجلس التعاون الخليجي لسد حاجتها النامية. فالصين تستورد اليوم أكثر من ستة ملايين برميل من النفط يومياً، ويأتي أكثر من ثلث هذه الكمية من دول مجلس التعاون الخليجي. وستتطلب استدامة النمو في آسيا مستقبلاً توافر الموارد من النفط الخليجي بشكل منتظم، فإن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تتوقع ارتفاع حجم واردات الصين من النفط في السنوات القادمة من ستة ملايين برميل يومياً حالياً إلى 8.7 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2020. وفي المقابل، ستنخفض واردات الولايات المتحدة من النفط من مستوى قياسي بلغ 13.5 مليون برميل يومياً في عام 2005 إلى 6.8 ملايين برميل يومياً في عام 2020.

وحتى عام 2040، من المتوقع أن يزيد استهلاك النفط في الصين بنسبة 2%، وفي الهند بنسبة 2.6%، وفي باقي دول آسيا بنسبة 1.8%، مقارنة بنسبة 0.8% على المستوى العالمي. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، يمثل هذا النمو في الطلب الآسيوي ضمانة مقابل هبوط الطلب الأمريكي على النفط الخليجي. أما من جهة دول آسيا، يمثل العرض الإضافي المتوقع بسبب انخفاض الطلب الأمريكي فرصة للنمو في ظل سوق أقل مرونة من ناحية السعر.

وثاني العوامل المؤثرة على الاقتصاد العالمي هو التحوّل الذي يشهده نموذج النمو الصيني.