اعتمدت الولايات المتحدة على الاقتراض كثقافة اقتصادية ومالية تساهم في النمو لما يشكّله الدين من رافعة لمضاعفة المردود على الرأس المال. الاقتراض في الدولة كان سببه أيضا سياسة الاستهلاك كمحرّك اساسي للعجلة الاقتصادية.
التحوّلات التي حصلت في البنية الاقتصادية الأميركية كانت بقرار سياسي شامل حيث تمّ توطين القواعد الإنتاجية الصناعية خارج الولايات المتحدة للاستفادة من انخفاض كلفة يد العاملة وغياب القوانين الضابطة للعمل وللبيئة إضافة إلى الحوافز الضرائبية التي فرضت على الدول المستضيفة لتلك القواعد الإنتاجية. الضغوط كانت من عدّة جهات على تلك الدول.
منها كانت مباشرة من الحكومة الأميركية وخاصة في بعض دول أميركا اللاتينية، ومنها عبر المؤسسات المالية الدولية الخاضعة لهيمنة الولايات المتحدة كصندوق النقد الدولي ومجموعة مؤسسات البنك الدولي.
أما ثقافة الدين فكانت المحرّك للاستهلاك المفرط كقاعدة للنمو الاقتصادي. بالمقابل رافقت ثقافة الدين حملة مركّزة لفضّ القيود الضابطة التي جعلت من المؤسسات المالية تموّل المضاربات المالية وتجني الثروات الافتراضية.
من ضمن عملية المضاربات كان الاقتراض العمود الفقري لها لمضاعفة المردود على رأس المال. فكانت النتيجة تفشّي ثقافة الريع المالي والثروة الافتراضية على حساب المجهود الإنتاجي. تعميم ثقافة الدين على المستهلك جعلته يستهلك المزيد من السلع خارج إمكانية الرواتب والأجور.
الاستهلاك كان مصدره الخارج عبر عملية الاستيراد. دول آسيوية كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والصين وجدت من مصلحتها تمويل صادراتها للولايات المتحدة عبر حمل سندات الخزينة الأميركية لتمويل خاصة العجز في الميزان التجاري لمصلحتها.
قد يتساءل المرء وما دور الحكومة الأميركية في كل ذلك إذا كان المواطن يستهلك سلعا مستوردة ؟ هنا يأتي دور هيمنة الدولار كوسيلة للدفع. فالسلع المستوردة تدفع بالدولار وزيادة الاستيراد تزيد من كمية الدولار في التداول. إن إقدام البنك المركزي الأميركي على طبع الدولار ساهم في زيادة الدين العام لأن الدولار هو في الأساس دين على الدولة. تمويل ذلك الدين يكون عبر الاقتراض أو سندات الخزينة.
الهيمنة الأميركية عبر الدولار مكّنت الولايات المتحدة من الاستيراد والاستهلاك فوق طاقتها الإنتاجية وبتمويل الدول المصدّرة. من هنا نفهم مدى قلق الأميركيين في تراجع دور الدولار في العالم لأن التراجع يفقد الدولار كوسيلة للهيمنة الاقتصادية والمالية وقلق الدول الحاملة لأصول مدوّنة بالدولار لانخفاض قيمتها.
