تنبأ بعض الاقتصاديين المعروفين والخبراء الاستراتيجيين في عام 2008 بإمكانية دخول الاقتصاد العالمي فيما أطلقوا عليه اسم مرحلة المعايير الجديدة، وكان المقصود من كلامهم هو أن الاقتصاد الأمريكي سيبدأ بتحقيق معدلات نمو بوتيرة أبطأ بالمقارنة مع اتجاهه التاريخي الذي كان يتراوح بين 2.5% إلى 3.5%. كانت حجة هؤلاء الرئيسية هي عملية تقليص حجم المديونية الضخمة التي سوف تستغرق سنوات طويلة، وكان مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي يدرك ذلك جيداً ولذلك اعتمد سياسة التيسير الكمّي الهائلة التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.
وضع البنوك الأمريكية أفضل بكثير من البنوك الأخرى في بقية العالم، ومع ذلك فإن عملية تقليص المديونية لم تنته بعد. ولمقارنة وضع البنوك الأمريكية بغيرها من البنوك ما علينا إلا إلقاء نظرة على وضع بعض البنوك الأوروبية الكبرى دون أن ننسى البنوك الصينية التي ليست لدينا أي فكرة عن وضع ميزانياتها.
ويبقى التساؤل الأكبر الذي يثير اهتمامي هو ماذا كان سيحدث للولايات المتحدة لو لم يتم اتخاذ ثلاثة قرارات مهمة هي: اعتماد سياسة التيسير الكمّي، تخفيض معدلات الفائدة والتخفيضات الضرائبية الكبيرة، وهذا سؤال ينذر بالخطر. لقد بدأت بعض هذه العوامل بالسير بالاتجاه المعاكس وهو أمر أكثر إثارة للقلق، هل يجب علينا القلق من ارتفاع معدلات الفائدة طويلة الأجل أو من احتمال تخفيض الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لحجم برنامجه الشهري من شراء السندات، وقبل كل ذلك هل علينا أن نشعر بالقلق البالغ بشأن حالة الاقتصاد الهندي والصيني أو منطقة اليورو؟ هذه مجموعة أسئلة مشروعة في الوقت الذي ما يزال فيه الاقتصاد العالمي هشاً للغاية ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية مرة أخرى في منطقة الشرق الأوسط.
إن الاقتصاد العالمي مقسّم إلى معسكرين أحدهما كان يحاول توليد نمو اقتصادي مستدام مثل الولايات المتحدة، بينما كانت دول المعسكر الآخر تجادل حول ديونها الكبيرة وتحاول إيجاد طريقة للخروج منها وفي وسط ذلك كله كان الاقتصاد العالمي يدفع ثمن ذلك عالياً على المستويين الاجتماعي والأخلاقي. إن معدلات الشيخوخة بين السكان وحجم البطالة المرتفع بين الشباب هما مزيج مدمّر يحتاج إلى اهتمام فوري. إن هاتين المجموعتين السكانيتين هما المحرك الرئيسي لأي اقتصاد ومعاناتهما ليست صحية على الإطلاق.
