مثلت اقتصادات الدول الصاعدة وعلى رأسها الصين والهند والبرازيل وروسيا ما يمكن أن يطلق عليه مصطلح "المعجزة الاقتصادية" بمحافظتها على النمو بمعدلات كبيرة خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين والتي ساعدتها على تجاوز المراحل الأصعب من "الأزمة المالية العالمية" بل إن هذه الاقتصادات وبفضل حفاظها على هذا النمو أصبح ينظر إليها بمرور الوقت على أنها المحرك الجديد لعجلة النمو الاقتصادي العالمي.
وبدأت الشكوك تحوم في الآونة الأخيرة حول الاقتصادات الصاعدة ذاتها وبشأن قدرتها على مواصلة النمو. فقد كشفت مؤشرات الأداء أن ضعفا ما يبدو أنه آخذ في التجذر في تلك الاقتصادات، حيث تراجعت معدلات نموها عما كانت عليه في بدايات الأزمة وشهدت عملات البعض منها موجات انخفاض سريع وخاصة في الهند والبرازيل.
وتنامت معدلات التضخم في بعض تلك الاقتصادات وزادت معدلات عجز الحسابات الجارية. كما ظهرت بوادر ترسم ملامح موجة جديدة لهجرة رؤوس الأموال من الاقتصادات الصاعدة إلى المتقدمة وهي معاكسة للموجة التي حدثت في المرحل الأولى للأزمة المالية العالمية والتي غيرت لدى حدوثها ملامح خرائط تدفق رؤوس الأموال حول العالم فنقلت بؤر التركز من أوروبا والولايات المتحدة واليابان إلى دول شرق آسيا وأميركا الجنوبية.
ومن هذه المعطيات يمكن استخلاص نتائج مهمة. النتيجة الأولى هي أن المشهد الحالي قد لا يكون هو الأخير ضمن مشاهد الأزمة المالية العالمية. والنتيجة الثانية أن الفترات المقبلة قد تشهد حلقات ربما تكون أكثر سوءا ضمن هذه الأزمة وخصوصا أن تنامي مظاهر الضعف بالاقتصادات الصاعدة على النحو المذكور آنفا لا يقابله تحسن كاف بالاقتصادات المتقدمة فبرغم أن هذه الأخيرة شهدت بعض مظاهر التعافي خلال الفترة الأخيرة فإنها مازالت بحاجة إلى مزيد من الوقت كي تثبت أن هذه المظاهر نابعة من تحسن حقيقي. هذا بجانب أنها مطالبة بالحفاظ على هذا التعافي لفترة لا تقل عن ثلاثة أرباع العام.
والنتيجة الثالثة والأكثر أهمية أن المبادرات الفردية للدول ربما تكون هي السمة الغالبة على النظام الاقتصادي العالمي خلال العقود المقبلة، حيث قد تتجه الحكومات بشكل أكثر وضوحا الى دعم القدرات الذاتية لاقتصاداتها الوطنية بما يعنيه ذلك من تنامي الحمائية التجارية والاستثمارية.
