اكتسبت السياسة المالية ودورها في استقرار الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي أهمية كبيرة في حقبة ما بعد الأزمة المالية العالمية. فقد أدت الأزمة المذكورة إلى عدم استدامة السياسة المالية نسبياً لدى الكثير من دول العالم نتيجة لزيادة الانفاق الحكومي على الايرادات العامة.
والمقصود بالاستدامة المالية هو قدرة السلطات المالية على توفير المال العام بصورة دائمة ومزمنة وعلى نحو واف تستطيع من خلاله الحكومة المضي في الانفاق على الخدمات العامة.
وقد منحت سياسات التحفيز في بعض الدول الزخم المطلوب لدفع عجلة الاقتصاد ومواجهة حالة الكساد. من هنا، فان التوازن بين الايرادات والنفقات وخاصة في اقتصادات صغيرة ومنفتحة ولا تعتمد على الموارد الطبيعية مثل دبي- يعد أمراً هاماً لاسيما حينما تكون مخاطر التعرض إلى الصدمات عالية والتي قد تفضي إلى مستويات من الدين العام غير قابل للاستدامة.
وتشير ورقة عمل أعدها مجلس دبي الاقتصادي مؤخراً حول تقييم الاستدامة المالية في دبي إلى استنتاج رئيسي مفاده: بينما تبدو الديون السيادية لدبي يمكن السيطرة عليها على الأمد الطويل فإن الصعوبات المالية التي واجهتها الشركات التابعة للحكومة وما استدعته مساعدات مالية حكومية قد تقوض الاستدامة المالية لدبي.
علاوة على ذلك، فإن الاستحقاقات المتراكمة للديون العامة ولتلك العائدة للشركات المذكورة سيترتب عليها تكاليف اقتراض مرتفعة على المدى القصير مما سيثقل كاهل المال العام والقطاع الخاص، وبالتالي سيؤثر على استقرار الاقتصاد الكلي لدبي وعلى تنافسيتها كحاضنة إقليمية للمال والتجارة.
ولتجنب حصول مثل تلك النتائج، توصي الورقة بأنه بدلاً من تبني موازنات مالية سنوية تعتمد على النقد، من الضروري التحول إلى "إطار الانفاق متوسط الأمد" والذي يقوم بتوجيه العمليات المالية متعددة السنوات لضمان الاستدامة المالية طويلة الأمد.
ويعمل الاطار المذكور بمثابة "حلقة وصل" بين النفقات وموقف الموازنة والايرادات. كذلك يهدف هذا الاطار لتحقيق توازن أكثر للاقتصاد الكلي، وتطوير التخصيصات ضمن القطاع وفيما بين القطاعات، وقدرة أكبر على التنبؤ بالموازنة بالنسبة للدوائر الحكومية الرئيسة، والاستخدام الأمثل للمال العام.
وتوصي الورقة بإنشاء سوق رأسمال في دبي للتعاطي مع الأدوات المالية العائدة للحكومة والشركات الخاصة بحيث يكون مقوما بالعملة المحلية.
فالتعاطي بالعملة المحلية في إطار السوق المقترح سوف لايعمق السوق المالي للامارة وبالتالي تعزيز مكانتها كمركز مالي إقليمي فحسب بل يوفر لحكومة دبي وسيلة لتوفير المال ضمن تكاليف منخفضة، إضافة إلى مواجهة مخاطر إعادة التمويل المرتبطة بالديون المقومة بالعملة الأجنبية.
