بدأت الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش، في أعقاب انهيار بنك "ليمان براذرز". وجاء ذلك نتيجة للعولمة غير المنظمة وأيديولوجية الليبرالية الجديدة التي تضع الأسواق الربوية والتعاملات المصرفية في الخارج والمال من أجل المال فوق سلطة الدولة. إنها أيديولوجية تتجاهل المواطنين حتى ولو كانوا يتضورون جوعاً.
وكما هو معروف، كانت اليونان الضحية الأولى للأزمة، ورغم كونها مهد الحضارة الأوروبية - وبالتالي تستحق معاملة أفضل - إلا أنها حصلت على عكس ذلك.
واستمر الوضع في اليونان - حيث احتلت البنوك الألمانية مكانة متميزة - في التدهور إلى حين أقدمت على دفع الثمن الباهظ الذي طالبتها به "الترويكا"، وهي الهيئة المؤلفة من كبار الدائنين لليونان: البنك المركزي الأوروبي، صندوق النقد الدولي، والمفوضية الأوروبية.
في هذه الأثناء، وفي غياب المساعدة المالية، سقطت ما تسمى "الدول الطرفية" في منطقة اليورو في دوامة الأزمة، فتلت اليونان كل من إيرلندا، والبرتغال، وأسبانيا، وإيطاليا (ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا)، ثم قبرص التي انهارت بصورة مثيرة للدهشة. كما جاءت فرنسا لتضاف إلى هذه القائمة.
كل ذلك يتلخص في سياسة التقشف التي تفرضها ألمانيا وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية برئاسة البرتغالي جوسيه مانويل باروسو، فضلاً عن مدير البنك المركزي الأوروبي الإيطالي ماريو دراغي.
لقد أصبح أكثر من واضح أن التقشف يشجع الأسواق الربوية البحتة وأولئك الذين يقفون وراءها.
كذلك أن التقشف يطمس الدول وشعوبها، لا فقط في دول جنوب أوروبا المسماة بـ "الهامشية"، فانظر إلى هولندا وفرنسا وألمانيا. وكان لا بد أن تصل الأزمة إلى ألمانيا أيضاً، كما تنبأ العديد من الاقتصاديين بما فيهم الحائزين على جائزة نوبل للاقتصاد جوزيف ستيغليتز، وبول كروغمان.
وهكذا تعاني ألمانيا حالياً بسبب سياسة التقشف التي قلصت العديد من أسواقها في الدول الأوروبية، وهي التي تمثل 50% من صادراتها. وإذا تم الاستمرار في التقشف، فسوف تدخل ألمانيا نفسها حالة من الركود.
والآن نواجه معضلة واضحة: إما محاربة البطالة وانتشار الفقر والركود دفاعاً عن دولة الرفاهية بمعناها الأوسع، أو سقوط الاتحاد الأوروبي في الهاوية إذا انتظرنا فترة طويلة. وهذا سيكون مأساوياً لا بالنسبة للولايات المتحدة الحليفة فقط، ولكن للعديد من دول العالم التي ستعاني أيضاً كالصين، وروسيا، واليابان، والبرازيل، والهند، والمكسيك، وهلم جرا.
يحدوني الأمل في أن هذا لن يحدث. فالعالم بالتأكيد لا يرغب في اختفاء الاتحاد الأوروبي، وهو المشروع الأكثر ابتكاراً والذي أتى بالكثير من الفوائد لشعوب دوله.
