شهدت أسواق المال العالمية خلال الشهور الأخيرة أداء لم تعهده منذ بداية «الأزمة المالية العالمية»، حيث سجلت أسعار الأسهم المتداولة في الأسواق مستويات قياسية فقد ارتفع مؤشر «نيكاي القياسي» للأسهم اليابانية إلى أعلى مستوى له في خمسة أعوام ونصف العام، وارتفعت مؤشرات أسواق المال الأوروبية إلى أعلى مستوى لها في خمسة أعوام، وسجلت أسواق الأسهم الأميركية هي الأخرى ارتفاعات قياسية، وإن كانت بمعدلات أقل نسبياً. وهذا التطور في حد ذاته يحمل دلالات إيجابية سواء بالنسبة إلى أسواق المال والمتعاملين فيها بوجه خاص أو بالنسبة إلى الأوساط الاقتصادية العالمية بوجه عام، خصوصاً أنه يأتي بعد تراجع استمر طويلاً تكبدت الأسواق إثره خسائر طائلة.
لكن الوقوف عند هذه الارتفاعات دون النظر إلى أسبابها قد يكون له نتائج غير محمودة في المستقبل القريب، فجزء كبير منها يعود إلى الأموال التي قامت البنوك المركزية في بعض الدول الكبرى بضخها في اقتصاداتها سعياً إلى دفع عجلة النمو. كما أن جزءاً آخر منها يعود إلى عدم جاذبية بدائل الاستثمار خارج أسواق المال في ظل عدم قدرة قطاعات الاقتصاد الحقيقي على طرح فرص استثمارية آمنة إلى جانب تراجع جاذبية الاستثمار في أسواق السلع الأولية وأسواق الصرف وأسواق الذهب العالمية، خصوصاً أن كلاً من هذه الأسواق تواجهها تهديدات تقلل من إقبال المستثمرين عليها.
وتعاني أسواق الصرف تنامياً في مخاوف اندلاع حرب عملات عالمية شاملة في ظل سعي الدول إلى تخفيض قيم عملاتها كوسيلة لدعم الطلب على صادراتها وأسواق الذهب محاطة بمخاوف انفجار فقاعة الأسعار بعد الارتفاعات المبالغ فيها طوال السنوات الماضية، وأسواق السلع الأولية بدورها تعاني هشاشة شديدة من جراء ارتباطها العضوي بقطاعات الاقتصاد الحقيقي ذات الأداء غير المطمئن.
ويجب التعامل مع الأداء الحالي لأسواق المال حول العالم بحذر، فالظروف غير الاعتيادية التي يمر بها الاقتصاد العالمي جعلت هذه الأسواق القناة الأكثر استقبالاً لرؤوس الأموال المتراكمة لدى المستثمرين وصنعت منها مصباً نهائياً لأموال التيسير الكمي التي تضخها الحكومات في اقتصاداتها، بعد أن تأخذ دورتها الأولى في الاقتصاد.
وما زال المحللون يرون أن الأسهم هي الرهان الأفضل للمستثمرين لكن إلى متى سيستمر ذلك أو بمعنى آخر إلى متى ستتحمل أسواق المال تدفق ذلك التيار العريض من السيولة إليها.
