الأزمة القبرصية ومستقبل الودائع المصرفية

تخيّل أنّ لديك حساباً كبيراً في البنك، لتستيقظ في اليوم التالي ومن دون سابق إنذار، على كابوس مصادرة 10% من قيمة الوديعة المصرفية لا لشيء سوى لدعم خطة إنقاذ حكومية من الإفلاس.

لقد تجلى هذا الكابوس مؤخراً في قبرص التي سارعت إلى فرض ضريبة استثنائية تصل إلى 9.9% على جميع الودائع المصرفية الشخصية والمؤسسية مقابل حصول الجزيرة على قرض بقيمة 10 مليارات يورو لإنقاذها من الإفلاس.

وعلى الرغم من التطلعات الإيجابية لاحتواء آثار الأزمة القبرصية، إلاّ أن الإجراءات الضريبية الأخيرة شكّلت ضربة موجعة للقطاع المصرفي القبرصي والأوروبي القائم بالدرجة الأولى على ثقة المودعين والمستثمرين على السواء.

وبالتزامن مع اعتماد الخطة الضريبية، تتزايد المخاوف حول حجم الخسائر المتوقعة التي قد يتكبدها المودعون الأجانب، وفي مقدمتهم الروس والبريطانيون الذين يستحوذون على 22 مليار يورو من إجمالي السيولة المالية المودعة في المصارف القبرصية البالغة قيمتها 67 مليار يورو.

وفي الوقت الذي ينظر فيه المراقبون إلى الضرائب المصرفية على أنها خطوة جهنمية تفتقت بها عقول صناع القرار في سبيل إنقاذ قبرص، بات معروفاً لدى الجميع بأنّ قبرص أصبحت تشكل خطراً على منطقة اليورو في نهاية المطاف. وباتت سادس دولة في الاتحاد الأوروبي توشك على الإفلاس.

وجاءت هذه الأزمة نتيجة نشاط قطاع الشركات المالية الخارجية التي كان لها الأثر الأكبر في تضخم النظام المصرفي القبرصي الذي أصبح يعادل نحو ثمانية أضعاف حجم الاقتصاد المحلي.

ولا تقتصر تبعات الأزمة على سمعة قبرص كملاذ آمن للاستثمارات الأجنبية، وإنما تطال أيضاً مكانة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية بإعتبارها من أكثر مراكز الاستثمار أماناً وموثوقية.

ومما لا شك فيه أنّ الجميع وصل إلى قناعة ثابتة بأنّه لم يعد هناك ملاذات دولية آمنة لاستيعاب الفوائض النقدية في دول الخليج العربي التي تحتاج إلى منافذ استثمارية خارجية، .

وهو ما يؤكد أهمية الاستفادة من التجربة القبرصية عبر التوجّه نحو تكثيف الاستثمارات المحلية في المشاريع الاستراتيجية التي من شأنها دعم سياسة التنويع الاقتصادي، .

فضلاً عن إعادة هيكلة الاستثمارات والودائع الخارجية لتشمل الدول الناشئة في آسيا وأميركا الجنوبية التي تتمتع بآفاق اقتصادية واستثمارية واعدة.

وبالمحصلة، طالت التأثيرات السلبية للأزمة المالية القبرصية العديد من دول العالم، .

وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي التي وجدت نفسها أمام أزمة ثقة تتسبب في تزايد الضغوط على أسواق المال والبنك المركزي الأوروبي وهنا تواجه الحكومات الأوروبية تساؤلات مهمة أبرزها "هل الأزمة القبرصية هي بداية المشكلة المالية في الاتحاد الأوروبي؟".

طباعة Email
تعليقات

تعليقات