اقتصاد الرفاهية

قرأت منذ نحو عشر سنوات في مجلة أميركية دراسة تحليلية تحاول الإجابة عن التساؤل الذي يخطر على بالِ كلّ منا "لماذا عباقرة التكنولوجيا في عقد التسعينات كانوا في معظمهم من الهند وليس من أميركا؟".

وجاءت نتائج الدراسة لتؤكد بأنّ الطالب الهندي على الرغم من نقص الموارد التعليمية والمالية، .

والتي لا تتجاوز 10% مما هو متاح للطالب الغربي، تمكّن من تحقيق التميز الأكاديمي والتفوق التكنولوجي ونجح في المنافسة عالمياً لما يتمتع به من إرادة وطموح وتصميم على النجاح.

وكانت هذه الحقيقة صادمة بالنظر إلى الظروف المعيشية الصعبة لغالبية الطلبة المتفوقين في الهند، ابتداء من عدم القدرة على تسديد ثمن الكتب التي غالباً ما يعمدون إلى تبادلها بالساعات، .

فضلاً عن السكن الجامعي المزدحم الذي يفتقر في الغالب إلى وسائل الرفاهية ناهيك عن الحاجة إلى العمل لساعات إضافية لدفع الرسوم الدراسية.

وبالمقارنة مع الغرب حيث تتوفر كافة وسائل الراحة ومقومات النجاح، نجد بأنّ الهند أثبتت بأنّ التفوق التكنولوجي والتميز الأكاديمي يتناسب في معظم الأحيان بطريقة معاكسة لاقتصاد الرفاهية.

وعلى مدى العقود القليلة الماضية، تزايد الاهتمام بالجامعات الهندية التي باتت اليوم رافداً رئيسياً يرفد سوق العمل الدولية بنخبة من الطلبة المتفوقين والكفاءات البشرية المؤهلة.

وتدفعنا هذه المعطيات للتساؤل حول ندرة وجود نماذج مماثلة في مجتمعاتنا العربية التي حققت نقلة نوعية على مستوى ازدهار اقتصاد الرفاهية في الوقت الذي يواصل فيه طلبة الهند جذب اهتمام أبرز المؤسسات الأكاديمية وكبرى الشركات العالمية رغم ظروفهم المعيشية الصعبة.

وتدفعنا التجربة الهندية إلى النظر بإعجاب إلى قدرة بلد، يفتقر معظم مواطنوه إلى أدنى مقومات الحياة، على بناء أجيال من الكفاءات العلمية والبشرية القادرة على المنافسة في سوق العمل الدولية والوصول إلى أعلى المناصب في كبرى الشركات العالمية العاملة في مختلف القطاعات الحيوية وفي مقدمتها القطاعات التكنولوجية والمصرفية.

وبالتأكيد بات مطلوباً من القطاع الأكاديمي في العالم العربي اليوم الاستفادة من التجربة الهندية التي أثبتت أن القدرة على تحقيق التفوق والإنجاز والنجاح غير مرتبطة بالرفاهية وإنما بالاستثمار الأمثل في العنصر البشري بغض النظر عن التحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

وتأكيداً على ذلك، ها هي الهند بدأت عصراً جديداً من التطور بالتزامن مع خروج أجيال جديدة مؤهلة وقادرة على قيادة مسيرة التحول نحو اقتصاد المعرفة لا اقتصاد الرفاهية، ما يمهد الطريق أمامها للوصول سريعاً إلى مصاف كبرى الدول المتقدمة في العالم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات