تحدثنا في المقالات السابقة عن مكافحة الاحتيال والفساد وأن المؤسسات والحكومات معرضة للاحتيال طالما توافرت عند بعض الأشخاص عوامل ثلاثة وهي (الدوافع، الفُرص، التبرير) إلى جانب غياب الوازع الديني فإنهم يرتكبون الاحتيال والفساد ويتعودون عليه طالما نجحوا في إخفائه وعدم اكتشاف أمرهم من أول مرة وطالما لا يزال لديهم جشع وطمع في المزيد، ومن هذا المنطلق فلابد من المبادرة بإنشاء وتطبيق برامج حماية ونظم رقابة فعّالة مع العمل على تقييمها وتحديثها وتفعيلها بصفة دورية ولا يغيب عن الذهن أن أهم عنصر في ردع المحتال ومنع الاحتيال هو إدراكه أنه سيتم اكتشاف ما ارتكبه من احتيال.
وقد قامت عدة معاهد وجمعيات أمريكية بإجراء دراسة عملية لمنع واكتشاف الاحتيال ونظراً لخطورة الأمر وأهميته الكبيرة فقد انتهت الدراسة في عام 2002 إلى إصدار ما يسمى "برامج رقابة ومكافحة الاحتيال" وخلصت الدراسة إلى أن أية مؤسسة لابد أن تتخذ ثلاثة إجراءات حيوية للحد من الاحتيال أولها خلق ثقافة الصدق والأخلاق المهنية العالية وثانيها تقييم إجراءات رقابة ومكافحة الاحتيال وثالثها تطوير نظام إشرافي مناسب ويندرج تحت هذه الإجراءات الثلاثة خمسة عشر بنداً في غاية الأهمية.
ونتكلم اليوم عن الإجراء الأول حيث يتضمن أن تكون الإدارة العليا للمؤسسة هي القدوة والمثل الأعلى لجميع العاملين من حيث الأمانة والصدق والشفافية وفى هذا الشأن يجب أن تتفهم الإدارة العليا أنها إذا تصرفت بأسلوب معين فيجب ألا تتوقع أن يتصرف باقي العاملين بأسلوب مختلف فمثلا المدير الذى يقوم بتحميل المؤسسة بمصاريف شخصية غير مرتبطة بأدائه لمهام عمله يعطي رسالة سلبية للجميع أن يتصرفوا مثله تماماً، أو أن يحاسب العاملين على عدم الالتزام بسياسات المؤسسة المعتمدة في حين أنه يستخدم صلاحياته في تجاوز وانتهاك نفس السياسات، وعلى ذلك يجب إنشاء وتطبيق "ميثاق أخلاقي مهني" للمؤسسة يلتزم به جميع العاملين على كافة المستويات. ويتضمن أيضاً خلق بيئة عمل إيجابية تشمل مكافأة الأداء المميز، العدل بين الموظفين، خلق الولاء للمؤسسة، مرتبات وحوافز مناسبة، تحديد المسؤوليات بدقة، الشفافية وتجنب الخوف من الأنباء السيئة، الاتصال التفاعلي بين جميع العاملين، ويتضمن كذلك تعيين وترقية الموظفين المميزين والذي يشمل تطبيق سياسة فعّالة تضمن عدم تعيين أو ترقية موظفين غير أكفاء مع وجود نظام تقييم دوري يأخذ في الاعتبار مساهمات الموظف في تطور المؤسسة وخلق بيئة العمل الإيجابية.
الرسالة المهمة هنا أن المؤسسات التي ستقوم بإجراءات استباقية لمنع الاحتيال سوف تصون سلامة وصحة بياناتها المالية وسمعتها ومستقبلها.
