تحدثنا في المقالات السابقة أنه طالما توافرت عوامل ثلاثة وهي (الدوافع، الفُرص، التبرير) لدى شخص ما فإنه ربما يرتكب الاحتيال والفساد، وغالباً لا يتوقف هذا الشخص عن ما يرتكبه ويصبح مدمناً على ذلك طالما نجح في إخفائه وعدم اكتشاف أمره، وطالما لا يزال لديه جشع وطمع في المزيد، ولكنه يتناسى أنه مهما كانت مهارته في إخفاء ما يرتكبه، ومهما كانت الصلاحيات الممنوحة له في ظل غياب الرقابة الكافية، وغياب أعمال التدقيق الفعّالة فسوف يرتكب خطأ ما في يوم من الأيام يؤدي إلى اكتشاف أمره.

ومما يساعد أصحاب الأعمال والمسؤولين عن إدارتها على البدء في الانتباه والحذر والتقصي ما يسمى رايات حمراء أو مؤشرات تدل على أن هناك احتيالاً وفساداً ربما تم أو لا يزال يتم ارتكابه، ومن ضمن هذه المؤشرات أن يقوم المحتال بالاقتراض المتكرر من زملائه، استبدال شيكات آجلة أو بدون تاريخ استحقاق محدد مقابل المال النقدي أو الطلب من الدائنين عدم تقديم الشيكات لصرفها لفترة محددة أو غير محددة، شيكات مرتجعة لعدم وجود أرصدة، حضور الدائنين أو محصلي الديون إلى مقر عمله للمطالبة بالديون المستحقة عليه، الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات بطريقة مراوِغة أو غير مقنعة، الغضب الشديد لمجرد توجيه استفسارات وأسئلة بسيطة له، امتلاك سيارات فارهة أو عقارات عالية القيمة لا تتناسب مع دخله، تبرير مستوى المعيشة الراقي بالحصول على ميراث من أحد الأقرباء، رفضه القيام بإجازة سنوية أو حتى رفض الترقية لوظيفة ومهام أعلى حتى لا يحل محله موظف آخر يكتشف ما يرتكبه، لديه رصيد أو أرصدة بالبنوك أو شراء أسهم بمبالغ ضخمة مبالغ فيها لا يتناسب حجمها مع دخله، بالإضافة إلى العديد من المؤشرات التي لا يتسع المجال لذكرها.

ولا يعني وجود هذه المؤشرات بالضرورة الارتكاب الفعلي للاحتيال والفساد ولكنها مؤشرات ودلائل يجب على أصحاب الأعمال والمسؤولين عن إدارتها الانتباه الشديد لها، وعدم تجاهلها والتحقق بفطنة وذكاء منها لأنه ربما تكون المؤشر الأَولِ الذي سوف يؤدي في النهاية إلى اكتشاف ما تم إخفاؤه منذ فترات طويلة، ولكن لا يجب الاعتماد على هذه المؤشرات وحدها بل يجب إنشاء وتطبيق نظم حماية ورقابة داخلية فعّالة يتم تحديثها وتفعيلها بصفة دورية.

إن حماية المؤسسات الفردية والكبيرة المالية منها والتجارية من ارتكاب الاحتيال والفساد بأنواعه هو حماية لاقتصادات الدول وتعزيز الثقة بها والذي يعود في النهاية بالرخاء والنهضة والتطور.