تطوير القيادات في المؤسسات

التقيت منذ سنوات مضت بعدد من الوجوه الشابة في إحدى المؤسسات العربية التي اشتكت من اقتصار المناصب الإدارية آنذاك على القيادات الهرمة التي كانت تستأثر بالمهام القيادية دون أن تتيح الفرصة لضخ دماء جديدة في شرايين المؤسسة.

وفي حوار لي مع أحد المسؤولين منذ أيام تطرقنا إلى وجود مشكلة حقيقية في عملية تداول المناصب الإدارية في العالم العربي، لا سيّما في ظل الخلل الحاصل على مستوى إتمام العملية الانتقالية وتسليم المهام والذي يعيق صاحب المنصب الجديد من تولي زمام الأمور بشكل سلس وفعال، وبالتالي إحداث ثغرة بين الإدارة القديمة والجديدة.

ولعلّ التحدي الأبرز في تعاقب المناصب يتمثل في هيمنة القيادات الإدارية التقليدية في كثير من الأحيان على الخبرات التنفيذية والمناصب العليا، وهو ما يحول دون إعطاء فرصة للكوادر الشابة لتولي مهام حساسة من شأنها تطوير قدراتهم العملية والقيادية والشخصية.

وهنا تبرز أهمية اعتماد سياسات تخطيط التعاقب الوظيفي التي تضع إطار عمل واضح لتحديد وتقييم الكفاءات البشرية والقيادات المحتملة لتولي الأدوار الهامة وتزويدها بالخبرات المناسبة لمواجهة التحديات وتوظيف الفرص الحالية والمستقبلية وبالتالي ضمان إنجاح العملية الانتقالية دون المساس بالأداء المؤسسي.

ويتيح التخطيط الناجح لتعاقب المناصب الإدارية المجال لإدخال روح جديدة إلى المؤسسات في القطاعين العام والخاص وسد ثغرات العملية الانتقالية عبر تبني نهج فاعل لتنمية المهارات القيادية لدى الأجيال الجديدة من أجل المستقبل وإتاحة المجال أمامها للتزود بالمعرفة التنظيمية التي لربما كانت حكراً لوقت طويل على القيادات الإدارية المخضرمة، وبالتالي استقطاب واستبقاء أفضل الكفاءات البشرية التي تمثل إضافة هامة لتعزيز نجاحات الحاضر وقيادة إنجازات المستقبل.

ولكن لا بدّ من الأخذ في الاعتبار الرؤية المؤسسية والأهداف الاستراتيجية عند وضع خطط التعاقب الوظيفي لضمان تطوير قوى بشرية على درجة عالية من الكفاءة والقدرة على تجسيد التطلعات المستقبلية ومواصلة مسيرة النمو دون المساس بإنجازات القيادات السابقة.

وقد أدركت حكومة دبي أهمية هذا الأمر، حيث لاحظنا من خلال عملنا السابق مع "مركز محمد بن راشد لإعداد القادة" بأنّ البرنامج حقق نقلة نوعية على مستوى بناء جيل من الكوادر المواطنة القادرة على تولي مهام قيادية رئيسية في القطاعين العام والخاص عبر تزويدها بالمعارف الحديثة والخبرات العالية المقدمة من أبرز القيادات المؤثرة في مختلف القطاعات الحيوية.

وبالفعل كان البرنامج سبّاقاً في تطبيق أول مشروع موجّه لتشجيع قيادات الصف الأول على تطوير قيادات الصف الثاني والثالث والرابع، الأمر الذي أدى إلى إعداد خزان من الموارد البشرية الكفوءة ورفد الحكومة وقطاع الأعمال بقاعدة بيانات متكاملة من القادة المستقبليين.

 ويمكن القول بأنّ المفتاح يكمن في ربط الاحتياجات المؤسسية مع أهداف القوى البشرية عبر اعتماد خطط شاملة للتعاقب الوظيفي واستبقاء المواهب الواعدة وتوفير الفرص المناسبة لتحقيق التطور الوظيفي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات