تحدثنا فى المقال السابق عن الضلع الأول من مثلث الاحتيال الذى أنشأه د.دونالد كريسي وهو عن حوافز الاحتيال، وذكرنا أن هذه الحوافز منها ماهو شخصي ومنها ماهو متعلق ببيئة العمل، ونتكلم اليوم عن الضلع الثاني وهو فرص الاحتيال بمعنى الفرص أوالعوامل المشجعة والظروف المُهَيِئة داخل بيئة العمل لارتكاب الاحتيال، إن حجم الفرص التى تٌيسر وتُهيئ لموظف لديه النزعة والحافز لارتكاب الاحتيال تعتمد بصفة كبيرة على وضعه الوظيفي بالمؤسسة وعلى مقدار الصلاحيات الممنوحة له للتصرف في أموال وممتلكات المؤسسة، وكذلك اتخاذ القرارات التي من شأنها إحداث تغييرات ذات قيمة، فكلما تركزت وتعددت المهام والمسؤوليات فى يد موظف واحد زادت فرص الاحتيال بشرط تزامنها مع توافر حافز أو أكثر لارتكاب الاحتيال لدى هذا الموظف.
ولذلك تأتي هنا الأهمية القصوى لتطبيق مبدأ فصل الوظائف بمعنى توزيع الوظائف والمهام والمسؤوليات بين عدد من الموظفين، بحيث لا يتمكن موظف واحد من القيام منفرداً بإنشاء وتنفيذ ومنح الموافقة وتسجيل والرقابة لأية عملية مالية بل يجب فصل مهمة أو أكثر من تلك المهام والتي من شأنها عند فصلها ألا يتمكن الموظف منفرداً من ارتكاب الاحتيال، ويعتبر مبدأ فصل الوظائف من أهم الوسائل التي تشملها نظم الرقابة الداخلية بالمؤسسات.
ولكن يعتبر مبدأ فصل الوظائف من الصعب أو من المستحيل تطبيقه في الشركات والمؤسسات الصغيرة والتي ليست لديها القدرة على تعيين موظفين بعدد يكفي لتطبيق هذا المبدأ، حيث يقوم دائماً موظف واحد بمهام عديدة وربما في بعض الأحيان بجميع أعمال الشركة ولذلك وجب على أصحاب مثل هذه الأعمال أو المسؤولين عنها الإشراف المستمر مع استحداث نظام رقابي مناسب لاكتشاف محاولات الاحتيال في الوقت المناسب ويمكنهم الاستعانة بمن لديهم الخبرة في هذا الشأن.
وجدير بالذكر هنا أن تطبيق مبدأ فصل الوظائف لا يضمن القضاء على فرص الاحتيال، حيث يظل التواطؤ (الاتفاق على ارتكاب الإحتيال) بين موظفين اثنين أو أكثر ممن يملكون صلاحيات مكملة لبعضهم البعض هو الخطر الأكبر على أية مؤسسة صغيرة كانت أو كبيرة، حيث إن التواطؤ قادر على قهر أي نظم رقابة داخلية مهما كانت فعاليتها ويكون من الصعب في حالات التواطؤ منع أو اكتشاف الإحتيال إلا عن طريق المصادفة أو الإبلاغ عنه.
إن منح صلاحيات عديدة في ظل ضعف نظم الرقابة الداخلية وغياب الإشراف والمتابعة والمساءلة يساهم إلى حد كبير فى تهيئة وتيسير فرص الاحتيال، ويبقى الضلع الثالث وهو التبرير وسنتحدث عنه في المقالة القادمة.
