يشهد العالم إصلاحات مالية تجري على قدم وساق في مختلف أرجائه. لكن هذه الإصلاحات ستظل غير مكتملة وغير فعالة إن لم تترافق أيضاً مع تحسين جذري في قواعد السلوك الخاصة بأولئك العاملين في مجال التمويل والاستثمار.
ومع ذلك، تشير الدلائل إلى أن التركيز غير المتوازن على أنظمة وهياكل قطّاعية جديدة يهدد بإهمال تحسين قيم وسلوك الممارسين، وهو أمر يعادل في أهميته موضوع الأنظمة.
ويبدو أن خطوط الحل موجودة بالفعل لحسن الحظ. إذ بادرت المهن منذ فترة طويلة إلى تنظيم سلوك أعضائها بما فيه منفعة المجتمع.
وطبعاً لم يكن الأمر دائماً على هذا النحو. فسابقاً لم توجد قيود على الممارسة كمحام أو طبيب أو محاسب. ولكن التجارب المتكررة من الممارسات الخاطئة أدت إلى إدراك حتمي لضرورة وجود ضوابط تضع معايير للممارسة من أجل حماية الناس.
قد لا يستشير معظمنا الطبيب اليوم ما لم يكن حاصلاً على الشهادات المناسبة ومتابعاً للخبرات الحديثة وملتزماً بالمعايير الأخلاقية. إلا أن العديد من الناس يعهدون بمدخراتهم بسهولة لمن ليس لديه هذه المؤهلات.
ويبدو أنّ الوقت قد حان أيضاً، بعد الأزمة الأخيرة، لنطلب من "الرعاية المالية" ما نتوقعه من الرعاية الصحية. أي ينبغي السعي إلى مزيد من المهنية لدى العاملين في مجال التمويل كعلاج مكمل للأنظمة الجديدة.
ويحق للمجتمع مطالبة المهن العلمية وأعضائها بأكثر مما يطالب الحرف العادية والحرفيين. فمقابل المكانة والاستقلال التنظيمي الذاتي والعوائد المجزية غالباً يجب على المهنة العلمية أن تقدم ضماناً عاماً بأنها وضعت شروطاً يتعيّن أن تتوفر فيمن يدخل صفوفها، ومعايير للممارسة العادلة، وإجراءات تأديبية، فضلاً عن التعليم المستمر لأعضائها.
إن من شأن ذلك أن يعزز جودة أداء ممارسي المهنة العلمية، بما فيه صالح عملائها. وفي حين ينضوي معظم أرباب العمل والعاملين الأخلاقيين في جمعيات مهنية، ويعتمدون معاييرها، غير أن هناك الكثيرين أيضاً ممن لا يفعلون ذلك.
وسبب ذلك عادة هو عدم وجود تنظيم محكم. تدرك بعض الجهات التنظيمية، لحسن الحظ، مدى الحاجة لفرض مزيد من المهنيّة بين العاملين الماليين.
يفرض النظام الجديد للمستشارين الماليين في المملكة المتحدة والخاص بمراجعة توزيع قطاع التجزئة والذي وضع موضع التنفيذ النفاذ في بداية 2013، التزامات صريحة تتعلق بالحد الأدنى من التعليم، والتطوير المهني المستمر، والالتزام بقواعد السلوك، وبعضوية إحدى الجمعيات المهنية.
وفي حين تلقى مبادرة تنظيم مهنة المستشارين الماليين ترحيباً واسعاً من مستثمري التجزئة في المملكة المتحدة، يتساءل كثيرون لماذا لا تغطّي الأنظمة المماثلة الممارسين في أجزاء أخرى من الحلقة.
فالانهيارات الأكبر حدثت، في نهاية المطاف، في قطاعات تمويل تجارة الجملة. لقد كشفت الأزمة الأخيرة مدى خطورة العيوب التي نشأت في الثقافة المالية.
فقد أدت التأثيرات المادية في القيم، خلال العقود الأخيرة، إلى الكثير من التركيز على جني الأرباح مقابل المهنية، كالاحتفاء المفرط بالابتكار وريادة الأعمال وقلة الاحتفاء بالأخلاق، والتركيز غير الصحي على التقدم الوظيفي بدلاً من التركيز على الشخصية والكفاءة.
وبعبارة أخرى، هناك تحول لصالح النجاح في عالم الأعمال بعيداً عن القيم المهنية. وإذا لم يتم عكس هذا التحول واستعادة الثقة، قد لا يتبقى هناك الكثير من الأعمال.
