دخلتُ أحد الفنادق الفاخرة في دبي أخيراً، لحضور عشاء عمل، وفوجئت بالكم الهائل من الهدر في الطعام الذي تم رميه بعد العشاء، والذي يقدّر بأكثر من طن من المأكولات البحرية باهظة الثمن، القادرة على إطعام مئات الأشخاص من المحتاجين.

 

وهذا لم يكن سوى مثال مصغّر لما يجري في الفنادق والمطاعم والمنازل في دول الخليج العربي التي تدفع فاتورة الأمن الغذائي عدة مليارات من الدولارات الأميركية سنوياً، وسط توقعات بوصول قيمة فاتورة الغذاء الخليجي إلى 36 مليار دولار بحلول العام 2015 وإلى 56 مليار في العام 2020.

 

وتحتّم هذه الأرقام ضرورة اتخاذ إجراءات فعلية وقرارات حاسمة حول مستقبل الغذاء وإدارة الأزمات الغذائية عبر بناء مخزونات كافية وإطلاق مشروعات ذات قيمة مضافة ترتكز على مرتكزات رئيسية تشمل المواد الغذائية والزراعية والثروة الحيوانية والمائية في سبيل الوصول إلى الأمن الغذائي الخليجي.

 

وتبرز قضية فاتورة الغذاء بقوة كتحدٍ حقيقي قد يعيق مسيرة التنمية الشاملة في المستقبل، لما تنطوي عليه من انعكاسات سلبية في مقدمتها تهديد سياسة الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي المحلي الذي يعتمد بصفة رئيسية على الاستيراد بالنظر إلى طبيعة منطقة الخليج الصحراوية ومحدودية الأراضي الزراعية والموارد المائية التي تدفع الحكومات إلى استيراد أغذية بمعدل يفوق الإنتاج المحلي بـ4 أضعاف.

 

وبالنظر إلى المعطيات الراهنة، يمكن القول إنّ فاتورة الغذاء الباهظة تتطلب سياسات موجّهة لإخراج دول الخليج من مرحلة عنق الزجاجة وتعزيز قدرتها على سد الفجوة الغذائية الآخذة في الاتساع في ظل استيراد نحو 90% من الاحتياجات الغذائية من الأسواق الخارجية، وبالتالي تحقيق القدر الأدنى من الاكتفاء الذاتي.

 

ولوضع سياسات فاعلة، لا بدّ من مواكبة التطورات الحاصلة على كافة المستويات لا سيّما التكنولوجيا الحديثة.

 

ومن هنا، تتطلب سياسات الأمن الغذائي الخليجي بالدرجة الأولى الاهتمام بتشجيع استثمارات القطاعين العام والخاص ودعم البحوث الزراعية وتكنولوجيا الغذاء وأساليب زراعة البذور.

 

وبالعودة إلى الهدر الغذائي المقدّر بمئات الملايين من الدولارات في الخليج، لا بدّ من التأكيد على أن المسؤولية مشتركة وتقع على عاتق الجميع، وهو ما يبرز أهمية إطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة النطاق باعتبارها الخطوة الأولى للحد من معدلات الهدر الغذائي على غرار ما يحدث في قطاع الكهرباء والمياه.

 

ولابدّ أيضاً من وجود أجهزة رقابة لمنع رمي الغذاء وإيجاد آليات متكاملة لتوزيع الفائض منه على المحتاجين في خطوة قد تسهم ربما في تحقيق نتائج إيجابية بسيطة من ظاهرة لطالما تسببت في خسائر اقتصادية جمّة.

 

ومما لا شك فيه أنّ فاتورة الغذاء تمثل خطراً يهدّد الأمن الغذائي والاجتماعي والقومي على السواء، وهو ما يستدعي دق ناقوس الخطر وإيجاد حلول جذرية وسياسات فاعلة قد تقودنا لضمان مستقبل غذائي آمن ومستدام.