أكاد أجزم بأنه لا يوجد رجل أعمال عربي لم يتورط أو أقلّه لم يجرّب حظّه في تداولات أسواق الأوراق المالية أو البورصة، التي باتت تحظى باهتمام بالغ لما لها من دور هام في توجيه رؤوس الأموال لدعم الشركات المحلية وزيادة الثروات الفردية.
ولعلّ الفائض النفطي وتوافد رؤوس الأموال وارتفاع معدلات السيولة من أبرز العوامل التي ساهمت بشكل أو بآخر في تنشيط الأسواق المالية العربية والخليجية على وجه الخصوص والتي فُتحت أمام الاستثمارات الأجنبية وأتاحت للمقيمين من مختلف الجنسيات تملك الأسهم.
ومُنيت الأسواق المالية العربية والخليجية مؤخراً بتراجعات حادة نتيجة تأثيرات الأزمة الأوروبية الحالية، وهو ما يحتّم العمل على إيجاد سبل جديدة وفاعلة باتجاه تحصين البورصات من التأثر بشكل سلبي بما يحدث من أزمات اقليمية أو عالمية.
ولكن تبقى الخطوة الأهم تتمثل في إحداث تغيير جذري على مستوى ثقافة التداول في العالم العربي ودول مجلس التعاون الخليجي.
ففي الوقت الذي يجري فيه الاعتماد على دراسات ومفاهيم وممارسات محددة للتداول في الأسواق المالية في الدول الغربية، لا يزال التداول في الأسواق المالية الخليجية والعربية قائماً على عقلية "القطيع"، إذ لا يلبث مؤشر البورصات في الارتفاع ولو قليلاً حتى يتجه القاصي والداني إلى التداول دون النظر إلى المعطيات الراهنة والآفاق المتوقعة استناداً إلى تحليلات السوق.
وللأسف، تسببت عقلية "القطيع" بخسائر جمّة وأزمات مالية كبيرة أطاحت بأعمال عدد من رجال الأعمال الصغار الذين يشكلون الفئة الأكثر تأثراً بتقلبات الأسواق المالية.
وهنا من المفيد إعادة التفكير فيما إذا كان الأجدى أن يقتصر الاستثمار في البورصات على المؤسسات المالية بدلاً من الأفراد غير القادرين في الغالب على تحمّل الخسائر المالية المحتملة.
وقد أثبتت الأسواق المالية العربية بأنها أسرع وسيلة لخسارة الأموال ابتداء من "أزمة المناخ" في الكويت في العام 1983 وصولاً إلى الأزمات المتتالية في مصر والخليج العربي، والتي كبّدت المستثمرين والاقتصادات الوطنية خسائر لا يُستهان بها.
وهنا تبرز قضية إعادة النظر في الرقابة لضمان الحد الأدنى من الحماية ووضع تشريعات ولوائح تنظيمية ومعايير واضحة من شأنها ضمان الاستثمار الآمن في الأسواق المالية وتطوير عمل السوق المالي وتشديد الإجراءات المتعلقة بالشفافية والإفصاح ومساعدة المتداولين،.
لا سيّما الأفراد منهم، على الحد من الخسائر المحتملة وتخفيف الأعباء المترتبة عن التداولات اليومية ومراقبة المضاربات المالية، .
فضلاً عن تعزيز الوعي حول كيفية الاستفادة بالشكل الأمثل من الاستثمار في الأسهم بما يواكب المتغيرات المتسارعة اقليمياً ودولياً.
ولكن على الرغم من التراجعات الحادة التي شهدتها الأسواق المالية الخليجية، لا تزال المنطقة تتمتع بالعديد من الفرص على مستوى استثمارات الأسهم والمشتقات المالية المتاحة للمؤسسات المالية وشركات الاستثمار.
ومع المؤشرات القوية على صعيد تداول الأسهم مع بداية العام الجديد مدعومةً بتفاؤل المتعاملين والمستثمرين والتأثيرات الايجابية لاتفاق تجنّب الهاوية المالية في الولايات المتحدة الأمريكية، تتزايد الحاجة الملحّة إلى التسريع في اتخاذ إجراءات صارمة وتطبيق تشريعات فاعلة لتشجيع الاستثمار.
