في روايته الشهيرة "موسم الهجرة إلى الشمال"، يسبر الطيب صالح أغوار العلاقة المتشابكة بين قطبي العالم مؤرّخاً جدليّة "الشمال الغني والجنوب الفقير" التي باتت مفهوماً يحكَمَ العلاقات الدولية منذ عقود طويلة من الزمن ممثلاً بذلك أبرز ملامح القرن العشرين.

ولكن أثبتت أحداث الربيع العربي بأنّ قطبية "الشمال الغني والجنوب الفقير" مقلوبة تماماً في العالم العربي مع تعقد القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية لدول الشمال وظهور دول الجنوب كقوة مؤثرة على الساحة الدولية ومحور للتنمية والنهضة الشاملة.

وبالنظر إلى العقود القليلة الماضية وما حملته من تغييرات اقتصادية واجتماعية وديموغرافية جذرية، يمكننا القول بأنّ اكتشاف الثروة النفطية كان له الأثر الأكبر على النهضة الحضارية المتسارعة التي شهدتها دول الخليج العربي.

إذ شكّل الحافز الأساسي لانطلاق مسيرة التنمية الشاملة التي ترافقت بتغيرات عميقة أدت إلى تأسيس قوة اقتصادية وسياسة مؤثرة اقليمياً ودولياً.

ولكن لم تكتفِ دول الخليج بالاعتماد على النفط، بل ركزت على بناء بنية اقتصادية جيدة وإرساء أسس متينة قوامها قطاع مصرفي متين وتشريعات استثمارية مشجعة وتعددية اقتصادية وبنى تحتية حديثة إلى جانب منظومة حكومية متكاملة قائمة على معايير مقبولة من الحوكمة والشفافية، لتتحول بذلك إلى وجهة رئيسية جاذبة لرؤوس الأموال والكفاءات البشرية المؤهلة.

وبالمقابل، على الرغم مما تتمتع به دول الشمال العربي من موارد طبيعية ومقومات استراتيجية عالية، إلاّ أنها لم تنجح في بناء اقتصادات متينة قادرة على مواكبة التحولات الاقليمية والعالمية المتسارعة لتتصدر بذلك دول العالم العربي في هجرة العقول الباحثة عن بيئة حاضنة للإبداع والابتكار بعيداً عن التقلبات السياسية والأمنية والاجتماعية.

ولعلّ أحداث الربيع العربي الأخيرة أظهرت مدى حاجة دول الشمال العربي لإعادة هيكلة النظم الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية وصياغة سياسات جديدة قادرة على تحقيق النمو والنهضة الشاملة.

وعلى مدى العقود الماضية، كان لقطبية "الشمال والجنوب" دور مؤثر على مستوى القرارات الجيوسياسية والاستراتيجيات العالمية.

ومع ظهور هذه الجدلية بصورة مقلوبة في العالم العربي، يبقى التساؤل إلى أي مدى ستتمكن دول الشمال العربي من اللحاق بقاطرة التنمية التي تقودها دول الخليج؟ وما هو تأثير الثنائية الجديدة على ملامح المستقبل في العالم العربي؟