لا يزال مستقبل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا غير واضح في الفترة الحالية وفي المستقبل القريب منذ الربيع العربي الذي بدأ منذ نحو عامين. الانظمة الديمقراطية الجديدة في الوطن العربي لا تزال في المهد، في الوقت الذي تسبب فيه اعمال اعنف التي تتجدد من حين لآخر في وضع تحديات اقتصادية واجتماعية امام الانظمة القائمة بعد الثورات العربية..
ومن المفيد في رؤية المشهد الراهن أن ننظر إلى ثلاثة مسارات يمكن أن تتخذ المنطقة واحداً منها، فيما يتعلق بمستقبلها الاقتصادي: أولًا، التدهور الاقتصادي، إذا ما أدى التكالب على السلطة السياسية إلى الحيلولة دون تحقيق الاستقرار، ناهيك عن الإصلاح. وثانياً: الاستقرار، إذا ما أعيد التأكيد على المصالح المكتسبة في عالم الأعمال، سوف تتاح فترة زمنية خالية من التدهور الاقتصادي، ولكنها كفيلة بإعادة المنطقة إلى الكساد الاقتصادي أو النمو الضعيف على أفضل تقدير. ثالثاً: ظهور اقتصاد جديد، حيث تبدأ الحكومات المنتخبة حديثاً في تلمّس طريقها بالتدريج للقضاء على الاضطرابات الاقتصادية والاضطلاع بالإصلاحات اللازمة لإتاحة فرصة اقتصادية أكبر لشعوبها.
ورغم أن المسارين الأولين غير مرغوبين بالتأكيد، فإن احتمال حدوثهما يظل قائماً. ولا شك أن المسار الثالث، مسار التحول، سيكون هو الأفضل.
ولاشك أن بلدان التحول العربي سوف يرسم كل منها مساره الخاص. ولكنني أؤمن تماماً أن للمجتمع الدولي دوراً في مساعدتها على تلافي النتائج السلبية.
وخلال زيارتي لتونس منتصف هذا الشهر، أوضح لي الرئيس التونسي، منصف المرزوقي، ورئيس الوزراء التونسي، حمادي جبالي، التحديات العديدة التي تواجه بلديهما. ففي هذا البلد بدأت الصحوة العربية منذ حوالي العامين مع الشرارة التي أطلقها بائع متجول من بلدة ريفية تونسية حين ضحى بحياته في ديسمبر 2010. وفي الشهر التالي، انطلق في مصر نداء "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وترددت أصداؤه في معظم أنحاء العالم العربي وأثار اهتمام المراقبين في كل مكان.
وإذا كانت هناك حقيقة أرى أنها تلخص كل مشكلات المنطقة فهي أن الصادرات غير النفطية في المنطقة بأكملها تبلغ قيمتها 365 مليار دولار، أي أنها تعادل تقريباً صادرات بلجيكا، ذلك البلد الذي يبلغ تعداد سكانه أحد عشر مليون نسمة، وليس 400 مليون نسمة هو تعداد سكان العالم العربي.
وهذا مؤشر حاسم لطبيعة وحجم المشاكل الهيكلية التي تواجه بلدان التحول العربي. فإذا لم تستطع أن تصدر إلى العالم الخارجى، فإنك سوف تظل واقفاً مكانك تخدم فقط سوقاً محلية محدودة. وكما رأينا، فإن بلدان المنطقة لا تزال غير قادرة على توفير فرص عمل كافية لتوظيف أعداد السكان المتزايدة.
إن الاحصائية السابق ذكرها تجسد المشكلة، ولكن الطريف أنها تضيء الطريق إلى المستقبل أيضاً.
