منذ ظهور النفط في العالم العربي بحلول أواخر النصف الأول من القرن الماضي، والدول العربية تنتهج سياسة استثمار أموال النفط في الدول الغربية.
آلاف المليارات من الدولارات الأميركية مودعة في البنوك الأجنبية دون استثمار، وفي أحسن الأحوال تستثمر في مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة تعود بإيرادات هائلة على الاقتصادات الغربية على حساب الاقتصادات المحلية التي تعتبر الخاسر الوحيد من جراء هجرة الأموال العربية إلى الخارج.
وهنا تبرز قضية "هجرة الأموال" كإحدى العناوين الرئيسية التي تتصدّر المشهد الاقتصادي العربي في الوقت الراهن.
وبالرغم من تراجع أو انعدام جدوى استثمارات الأموال النفطية العربية في الخارج على مدى السنوات الماضية، لا تزال رؤوس الأموال العربية تستثمر في الأسواق الأميركية والأوروبية بقيمة تتجاوز800 مليار دولار ، في الوقت الذي يعاني فيه العالم العربي من نقص الأموال اللازمة لتمويل المشاريع الوطنية وتلبية الاحتياجات المحلية ومواجهة التحديات المعاصرة وفي مقدمتها نمو معدلات البطالة بين الشباب العربي، والتي تعتبر ضمن النسب الأعلى عالمياً بـ 14%، وتزايد الفجوة الغذائية وارتفاع حجم المديونية التي تمثل تهديداً حقيقياً للأمن الاقتصادي والاجتماعي.
ويمكن لأي محلل أن يجد بأنّ تحدي المستقبل هو تحدٍ اقتصادي بامتياز، لا سيّما وأن الاقتصادات العربية بحاجة إلى استثمارات إضافية تعادل 350 مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة لمواجهة تحديات العولمة ومواكبة المتغيرات المتسارعة لا سيّما النمو السكاني المطّرد الذي يفرض انعكاسات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
لذا، يحتّم الواقع العربي الاقتصادي الراهن العمل على إعادة الأموال العربية المهاجرة لتمويل المشروعات التنموية التي من شأنها سد جزء من العجز الغذائي وتخفيف أعباء المديونية المحلية والحد من معدلات البطالة المتنامية.
ولكن إعادة رؤوس الأموال العربية المهاجرة ليست بالأمر السهل.
وعلى الرغم من الخطوات الإيجابية التي قطعتها بعض الدول العربية على صعيد تطوير القطاع المصرفي وأسواق المال وتحسين التشريعات الاستثمارية، إلا أنّ الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى بيئة استثمارية جاذبة للاستثمارات العربية والأجنبية على السواء، والتي تحتّم بدورها العمل على تعزيز التعددية الاقتصادية وتحديث البنى التحتية والتكنولوجية وانتهاج الشفافية والوضوح وإقرار الإعفاءات الضريبية وإجراء تعديلات جذرية على صيغ الاستثمار وتوسيع نطاق حركة التجارة البينية وتشجيع التجارة الالكترونية.
