لطالما شكّل القطاع الصناعي دعامة رئيسية للاقتصادات العربية باعتباره أحد أهم مصادر الدخل القومي، ومحركاً قوياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي ومكافحة البطالة وتلبية احتياجات الأسواق المحلية وتعزيز الفائض في الميزان التجاري.
ولعلّ الصين، التي تعتبر اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تمثل النموذج الأمثل لتبيان العلاقة المترابطة بين القطاع الصناعي والنمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، إذ تلعب الصناعة دوراً حيوياً ومؤثراً في رفد اقتصاد العملاق الآسيوي الذي يعتبر اليوم أحد أسرع الاقتصادات العالمية نمواً.
ويمكننا أن نرى أن منتجات التنين الصيني تجاوزت حدود الأسواق المحلية لتجتاح الأسواق العالمية، لا سيّما العربية التي باتت تغصّ بالصناعات الصينية من الألبسة والأحذية ولعب الأطفال واللوازم المنزلية ومساحيق التجميل والأدوات الكهربائية والأجهزة التكنولوجية وصولاً إلى السيارات.
ومما لا عجب فيه أن تشهد المنتجات الصينية إقبالاً واسعاً من قبل مختلف شرائح المستهلكين في العالم بالنظر إلى أسعارها الزهيدة التي تتناسب مع قدراتهم الشرائية على الرغم من إدراكهم التام لعيوبها الكثيرة .
وفي مقدمتها الجودة المحدودة وعدم الديمومة، فضلاً عن المخاطر العديدة المترتبة عنها على الصحة العامة نتيجة عدم مطابقتها للمواصفات العالمية. وهنا تبرز الإشكالية الأهم في تحديد مدى خطورة المنتجات الصينية على مستقبل النمو الصناعي في الأسواق الدولية.
وتمكنت المنتجات الصينية، على الرغم من محدودية المواصفات، من غزو الأسواق العالمية لتمثل بذلك تهديداً حقيقياً للصناعات الوطنية في مختلف أنحاء العالم بما فيها دول أوروبا التي سارعت لإقامة جبهة موحّدة مع دول حوض المتوسط لاحتواء تداعيات اكتساح الصناعات الصينية الأسواق الأوروبية ووضع قيود صارمة لمنع دخول السلع الصينية غير المطابقة لمعايير الجودة العالمية، .
وذلك في أعقاب تراجع نمو قطاع الصناعات النسيجية وسط المخاوف بكساد المنتجات المحلية وخسارة عشرات الآلاف من العاملين في شركات الصناعات النسيجية عملهم نتيجة المنافسة الصينية المتزايدة.
وبالمثل، سجل القطاع الصناعي في البرازيل تباطؤاً ملحوظاً نتيجة تدفق المنتجات الرخيصة القادمة بشكل رئيسي من الصين.
ويتمثل الخطر الأكبر في التغيير الجذري الحاصل في الثقافة المجتمعية مع توجّه الغالبية من الشرائح الاجتماعية نحو تفضيل المنتجات الصينية على الوطنية انطلاقاً من اهتمامهم بالأسعار على حساب الجودة.
واليوم، أصبح وجود عبارة «صنع في الصين» من المسلّمات في الأسواق العربية، بل وأصبحت مطلباً للمستهلك، وهو ما يحتم على المصانع العربية الانتباه والحذر.
