غالباً ما يتزامن التغيير السياسي الجذري في دول العالم الثالث بحالة من عدم الاستقرار التي لا بدّ أن تنعكس تداعياتها السلبية على الاقتصاد الذي كثيراً ما يكون الخاسر الأكبر، لا سيّما في حال كان قائماً على استقطاب رؤوس الأموال التي سرعان ما تهاجر إلى الدول الأكثر استقراراً تجنباً للخسائر الكبيرة المحتملة.

 

ولعلّ ما عُرف في الآونة الأخيرة بـ "الربيع العربي" خير مثال على مدى الارتباط الوثيق بين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي.

 

فعلى الرغم من التفاؤل الذي ساد الشارع العربي حيال المتغيرات السياسية المتسارعة التي طالت عدداً من الدول العربية، هناك تخوف بأن يتحول هذا الربيع الى خريف اقتصادي عقيم أو ربما شتاء قاسٍ سيعيق تدفق رؤوس الأموال ويتسبب في تعاظم ظاهرة الركود الاقتصادي المصحوب بارتفاع معدلات التضخم والبطالة والعجز المالي دون أن ننسى التقلبات المتتالية على أسعار النفط العالمية.

 

واليوم، تدفع دول "الربيع العربي" فاتورة حالة عدم الإستقرار والغموض التي كبّدت الاقتصادات الوطنية خسائر جمّة وصلت إلى 56 مليار دولار في العام الماضي مع توقعات بتضاعف الرقم ليبلغ 120 مليار دولار في العام الجاري.

 

وتركّزت الخسائر الاقتصادية في قطاع الاستثمار الذي شهد خروج أكثر من ثلث الاستثمارات الوطنية وانخفاض وتيرة الاستثمار المباشر بنسبة الثلثين خلال العامين الماضيين مع توجّه أصحاب رؤوس الأموال إلى تجميد الأعمال والاستثمار وإيقاف الخطط التوسعية.

 

وبالتأكيد لم يكن القطاع السياحي بمنأى عن التداعيات السلبية. بل على العكس، كان المتأثر الأكبر بالتحوّلات الجذرية، حيث بلغت خسائره نحو 7 مليارات دولار أمريكي.

 

وبالنظر إلى مسبّبات الإشكاليات الاقتصادية في دول الربيع العربي، نجد بأنّ الحكومات المتعاقبة عمدت على مدى سنوات طويلة إلى تجاهل تطوير البنى التحتية وعدم وضع أسس متينة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام قادر على الحد من معدلات البطالة وخلق بيئة استثمارية آمنة لاستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.

 

واليوم، أثبتت الحكومات الوليدة في هذه الدول بأنها غير قادرة على إيجاد حلول فاعلة لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ عادت إلى الإشكالية السابقة ذاتها التي تقضي بالاعتماد على طلب معونات خارجية إما من دول الخليج أو الدول الأوروبية أو تحويلات المغتربين أو الاستدانة من البنك الدولي، غير مدركة بأنّ هذه الموارد لا بدّ أن تنضب في حال لم تتم الاستفادة منها في إطلاق مشاريع استثمارية وتنموية لتشكل رافداً للاقتصاد الوطني.

 

ولعلّ التحدي الأبرز الذي يواجه هذه الدول اليوم يتمثل في عدم امكانية العودة إلى النشاط الإقتصادي الطبيعي لاستعادة الثقة ببيئة الأعمال وتعزيز التنافسية واستقطاب الاستثمارات ورؤوس الأموال من جديد.